
قصيدة جميلة وبليغة ومليئة بالصور والمشاهد المتحركة، ومعبرة عن شجون الأمة وتصوير الواقع المعاصر الفكري لبعض الجماعات المنحرفة فكرياً، جسّد فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، نظرته لقضية من أهم القضايا التي يمر بها المجتمع المسلم، ..
والتي تهدد كيان بعض المجتمعات من خلال هذه الممارسات الخاطئة، ألا وهي »قضية الإرهاب«، والتي أطلق عليها سموه اسم »فتنة الإرهاب«، لبيان وتصوير خطورتها، والتي تتبناها زمرة خارجة عن الدين والقيم والمبادئ.. صاغ سموه تفاصيلها وعبر عنها بقدرة وتمكُّن، وتبنى لها في نهاية القصيدة حلاً واحداً هو مقاومة هذه الزمرة والوقوف في وجهها واجتثاث فكرها وضلالاتها من المجتمع حتى لا يستشري خطرها..
وقد تميز سموه في كثير من أشعاره بطرح عديد من قضايا المجتمع وآلامه شعرياً، وهذا لا شك منحى محمود للشاعر، له تأثيره البالغ في النفس والوجدان، أكثر من مجرد التصاريح أو القول النثري، لأن الشعر سهل عليه أن يعبر ذهن المتلقي ووجدانه، ويؤثر فيه تأثيراً مباشراً وهو أخلد وأبقى. فسموه يجد في الشعر مجالاً أرحب لأن يقول ويتحدث بحرية أكبر ويبدع فيه..
ويستقصي من خلاله كثيراً عما يود أن يقوله ويتحدث فيه، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هنا عالج هذه القضية بشيء كبير من الصدق والواقعية وتشخيص الداء الفكري الذي تعيشه هذه الجماعات المنحرفة، وتفاعل مع ذلك تفاعلاً كبيراً..
وجاء الحدث الأخير الذي قام به أحد المجانين والملوثين عقلياً بتفجير نفسه في مواقف المسجد النبوي الشريف، ليزيد من تفاعل الشاعر ويدفعه للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه، واستنكاره لما حدث بقرب المسجد النبوي الشريف..
وإعلانه هذه الصرخة الشعرية المليئة بالاستنكار لهذه الممارسات الخاطئة والفظيعة التي ترفضها طبيعة الشاعر وطبيعة دينه السمح الذي يجسد المثل والقيم والحفاظ على الأرواح. في هذه القصيدة جسّد سموه مشهد الإجرام الذي تتبناه هذه المجموعات المنحرفة وصاغه صياغة بليغة، ورسم تفاصيله وعالج من خلاله هذا الفكر الضال الذي يرى سموه أنه ليس له من حل إلا اجتثاث أصوله، والوقوف في وجهه ليعيش الناس بعده في أمن وأمان.
لَيْسَ للإرهابِ دينٌ أوْ كِتابْ
هُوَ فيما بانَ لي شِرْعَةُ غابْ
نظرة سموه للإرهاب المعاصر أنه فتنة، وهذا ما حمله عنوان القصيدة، وأنه خارج عن قيم ودين الأمة ومبادئها، فليس له في نظره سند من دين أو مسوغ شرعي يتمسك به أصحابه سوى الضلالات والأوهام.. والشاعر هنا لا ينفي خروج هذا الفكر عن نطاق الدين الإسلامي فقط، وإنما هو مخالف وخارج عن نطاق كل دين وملة.. وإنما هو كما بان للشاعر واستيقنته نفسه، شرعة غاب ومنهج حيوانات. ومن هنا يتحدد وصف هذا الفكر لدى الشاعر منذ بداية قصيدته، لهذا أطلق عليه مسمى »فتنة«.
ولَهُ أتبْاعُ في تفكيرهمْ
كُلُّ شيءٍ مُمْكِنٌ إلاَّ الصَّوابْ
يرى سموه أن لهذا الفكر الضال أتباعاً يتمسكون به ويمشون على نهجه بناء على تفكيرهم الضال، واجتهاداتهم المنحرفة، ويصفهم الشاعر بناء على ذلك بأنهم يمكن لهم أن يتبنوا أي شيء من الأفكار إلا الفكر الصائب، فإنهم بعيدون عنه وهو بالتالي بعيد عنهم، لكونهم منحرفين فكرياً عن جادة الصواب، لا يهتدون إليه أو لا يريدون ذلك. ولذلك ناسب الشاعر أن أطلق عليهم مسمى أتباع لأولئك الذين يبثون لهم هذا الفكر الضال في المجتمع، ومهمتهم تنحصر في اتباعهم في هذا الانحراف الفكري الذي يقودهم إلى هذه الفتنة والشر المستطير.
هُمْ مَعَ الشَّيطانِ في أفعالهمْ
بَلْ منَ الشَّيطانْ أنْكَى في الخطابْ
ويرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أن هذه الزمرة المارقة مع الشيطان في خط واحد، وفي مرتبته في كل ما يفعلونه من هذه الضلالات والموبقات من الأفعال واستباحة الدماء، بل ذكر سموه أنهم أفحش من الشيطان وأنكى في خطاباتهم منه، لأن الشيطان يلين ويوسوس أحياناً بتزيين القول والدخول من هذا الباب إلى النفس البشرية لإغوائها، ولكن هؤلاء بهم من الشدة والقسوة في الخطاب ما يعجز عنه الشيطان.
منْ مضَى في نَهجِهمْ أوْ فعلهمْ
خاسرٌ ما حظُّهُ إلاَّ السَّرابْ
ونظرة سموه إليهم أنهم ومن تبعهم في فكرهم وأفعالهم خاسرون في النهاية خسراناً مبيناً دون محالة، لأنهم يتبعون السراب الذي لا حقيقة ولا وجود له إلا في أوهامهم، فالنتيجة محسومة لدى الشاعر بالنسبة إليهم أنهم خاسرون، وأن ما يتبعونه وَهْمٌ كالسراب الذي يتبعه العطشان، فإذا جاءه لم يجده شيئاً ومات من ظمئه.
خَبِّروني ما الذي يجنونَهُ
منْ جنُونٍ منهُ رأسُ الطِّفلِ شابْ
ويستفسر سموه هنا باستنكار تام، لأنه عارف الجواب الصحيح، ولكنه يريد أن يشرك المتلقين معه في هذا الأمر، فيقول خبروني ماذا استفاد هؤلاء من هذا الجنون الذي يصفه بأنه يشيب من هوله رأس الصبي، أي أنه جنون مطبق وواضح لدى كل من يرى، وجنون بلغ مداه من حيث الخطورة، حتى إن رأس الصبي يشيب منه من فرط هوله وعدم عقلانيته.. والجواب واضح لدى الشاعر بأنه ليس لهم ما يجنونه من وراء هذا الفكر المجنون إلا الخسران المبين والدمار الشديد. وعبَّر سموه عن ذلك بالجنون، لأن الجنون أمر خطير لا يؤمن صاحبه من أن يأتي من الأفعال ما يسبب الضرر البليغ للآخرين.
أيُّ فكْرٍ هوَ هذا فكْرُهُمْ
غيرَ قتلِ النَّفْسِ منْ غيرِ احتسابْ
وفي هذا البيت أيضاً استنكار آخر من سموه لهذا الفكر وخطورته، فهناك وصفه بالجنون وهنا وصف نتائجه التي تؤدي إلى قتل الأنفس وإزهاقها من دون وجه حق ومن دون حساب، أي قتلاً كثيراً لا يقف عند حد معيَّن أو عدد محدد وإنما هم موغلون فيه بغير حدود.
واستفسر سموه بداية عن كنه هذا الفكر الضال، ثم ربطه بقتل النفس دون حساب، ليكشف الشاعر بذلك فظاعة هذا الفكر وخطورته على النفس البشرية عامة، لأن الفكر الذي يؤدي إلى قتل النفس هو فكر فظيع وخطير، وجريمة نكراء، ثم وصفه ثالثة بقوله (من غير احتساب)، أي أنه يستسهل هذه الفظائع ويوغل فيها دون أي حساب أو خوف.
حاولوا تفجيرَ صَرْحٍ شامخٍ
قَدْ بناهُ المهتدي الهادي المُجابْ
هذا الفكر الفظيع المجانب للصواب الذي وصفه الشاعر بكل تلك الأوصاف السابقة، أدى في نتيجته إلى محاولة أصحابه تفجير صرح شامخ مقدس في قلوب وعقول المسلمين جميعاً من يوم أن بناه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه الشاعر بالمهتدي، أي بنور الهداية الربانية..
والهادي لأمته لسلوك طريق الحق والصواب، والمجاب في دعوته وتعاليمه وإرشاداته عليه صلوات ربي وسلامه، وهذه لدى الشاعر من أكبر الفظائع وأعظمها، ولا يمكن أن يغفرها المسلمون في حق من قاموا بها، فالدين أمر الناس بألا يرفعوا أصواتهم عند رسول الله حين مخاطبته حياً أو ميتاً صلى الله عليه وسلم، احتراماً وتبجيلاً له، فكيف بمن يسمح لنفسه أن يفجر نفسه قريباً منه..
فإن ذلك لا يمكن قبوله أو التساهل فيه لدى الشاعر بأي حال من الأحوال. واستعمل سموه مفردة (حاولوا تفجير) ولم يقل تفجير مجردة، لأن ما قاموا به من حيث الحقيقة محاولة منهم باءت بالفشل لم تؤدِ غرضهم الدنيء، لذلك سماها محاولة وقد أجاد الشاعر في ذلك.
مَسْجِدٌ أُسِّسَ بالتَّقوى ومِنْ
نورهِ النُّورُ غشا الكونَ وطابْ
هذا المسجد الشامخ الذي يحتل منزلة عظمى في قلوب وعقول المسلمين قاطبة، والذي وصفه الله تعالى في محكم تنزيله بأنه أسس على التقوى منذ أول بنائه، والذي شعت أنواره فغشيت الكون كله، كما أشار سموه حتى طاب به الكون، وذلك كناية من الشاعر عما بثه هذا المسجد عبر القرون من نور الهداية للعالمين.. وفي هذا تضمين لما يحمله الشاعر من حب وتقديس وإجلال لهذا المكان الطيب، واستنكار لمن يريد أن ينال من قدسيته وجلاله بأي شكل من الأشكال.
يا رَسولَ اللهِ عُذراً إنَّنا
في زمانٍ فيهِ أمرُ الرُّشْدِ غابْ
يعتذر الشاعر للمصطفى، صلى الله عليه وسلم، اعتذاراً رقيقاً ليناً فيه شفافية وحب ووجدان، يعبر عن مشاعر وأحاسيس جياشة تجاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخاطبه معتذراً له عليه الصلاة والسلام، عما حدث في مدينته، لأننا في زمان كما يقول (غاب فيه أمر الرشد) فاختلطت الرؤى.
وأصبح هؤلاء الأوغاد في حالك من الظلام، لا يرون نور الحقيقة والهداية، ولا يدرون بالتالي ماذا يفعلون، وما يرتكبون من جرائم وفظائع آخرها تلك التي أرادوا بها النيل من مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإذا ما غاب أمر الرشد كما يبين الشاعر، فلنتصور أن يحدث كل ما لا يمكن تصور حدوثه في الدنيا.
خطفَ الإسلامَ منَّا زُمرةٌ
فتحَتْ للشَّرِّ والفتنَةِ بابْ
يرى الشاعر أن الإسلام قد اختطفته زمرة باغية مجنونة، فتحت بفعلها الأخرق باباً للشر والفتنة كان مغلقاً، بمعنى أن الشاعر يريد أن يقول بكل صراحة وصدق: إذا أردنا أن نعيد الأمر إلى نصابه، فيجب علينا أن نستعيد الإسلام من يد هذه الفئة التي اختطفته واحتكرته لفكرها الضال، وأن نعيد الإسلام إلى طبيعة ما عرفناه وما درسناه عنه.
وما تأقلمنا عليه، لأن اختطاف الإسلام أدى إلى هذا الشر والفتنة، وهل هناك أفظع من هذا الذي تعمله وتؤدي إليه هذه الزمرة بأفعالها الحاقدة وأفكارها المنحرفة التي تسيء إلى الإسلام أي إساءة، وتنفر الناس من الإقبال عليه، والإسلام في طبيعته رحمة وفضائل وعطف وتسامح، ودعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أشار إلى ذلك كتابه الكريم.
زُمْرَةٌ مجنونَةٌ ملعونَةٌ
كُلَّما تأتيهِ هَدْمٌ وخَرابْ
هذه الزمرة يصفها سموه بأنها مجنونة وملعونة، وهذا ما ينطبق على حال هذه الفئة التي فتحت باب الشر والفتنة واسعاً على مصراعيه، وأساءت للمسلمين ولمعتقدهم، لأن كل ما تأتيه هذه الزمرة وتفعله من فظائع يؤدي إلى هدم كيان الأمة، وتخريب منجزاتها الحضارية، ويسيء إلى تاريخها الناصع المجيد.
يَقْتُلُ الواحدُ منهمْ أهلَهُ
لا يُراعي أيَّ قُرْبَى وانتسابْ
من فكرهم الضال يرى سموه أن الواحد منهم يقتل الإنسان من أهله دون أن يتورع عن ذلك ودون أن يراعي أي قرابة أو نسب، وإنما يتقرب حسب فكره الضال بقتل أهله.
وهذا من منهجهم المعوج البعيد عن الإنسانية وعن الدين.. وعبر الشاعر عن ذلك بقوله (أهله) بصيغة الجمع، لأن منهم من ارتكب جريمة من هذا النوع في أكثر من واحد من أهله، بأن قتل أباه وأمه، فجمع هنا لاستقباح هذا الفعل وفظاعة جريمته، فهو لا يراعي حرمة القرابة والنسب مهما قربت الدرجة فيهما، حتى ولو كان المقتول أمه أو أباه، وهذا ما أدركناه من فعلهم الذي جسده الشاعر هنا بهذه الصورة اللافتة للانتباه، وهذه من أبشع الجرائم التي يرتكبها هؤلاء، والتي لا يمكن أن تحدث في عالم الإنسانية إلا من قبل هؤلاء.
أيُّ شَرْعٍ كُلُّ ما فيهِ دَمٌ
يَترُكُ الأرضَ بما فيها يَبابْ
يستنكر سموه هنا شرعهم الذي هداهم لهذه الأفعال الضالة، والذي هو قطعاً ليس شرع الإسلام الذي يدين به المسلمون، والذي هو كله رحمة وسلام للإنسان وغيره.. وإنما يقصد فكرهم وشرعهم الخاص بهم دون غيرهم من البشر، والذي يصفه الشاعر بأن كل ما فيه قانٍ أحمر يسيل حقداً وانتقاماً ويترك ما على الأرض يباباً قاحلاً، لأن شأن هذا الفكر أن يقف ضد التطور والتعمير والبناء والتقدم، ويحيل كل ذلك هباء لا نبض فيه ولا حركة ولا حياة كما يرى سموه.
وَصَلَ الأمْرُ بهمْ لَوْ خَرَّبوا
حَرَماً عنْ لَمْسِهِ الشيطانُ خابْ
وصل بهم الأمر كما يصور الشاعر إلى أن تسوّل لهم أنفسهم الخبيثة، التخطيط لتفجير حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا التفكير الذي خاب الشيطان عن إدراكه والوصول إليه، وليس في وسعه أن يفكر في مثله، لأنه يعرف أن هذا الحرم مصون ومحمي بإرادة رب العزة، فهم في عرف الشاعر أفظع من الشيطان في هذا الأمر وأشد خبثاً منه.
منْ ضلالٍ ضمَّهُ منهجُهمْ
أنْ تصيرَ الأرضَ حَرْبٌ واضطرابْ
يتعجب سموه من فكرهم وأفعالهم التي أدت بهم إلى أن يكونوا أشد خطراً من الشيطان الذي يخاف من الاقتراب من حرم هذا المسجد النبوي الشريف، وفي يقين الشاعر أن ذلك نتيجة لما تضمنه منهجهم الفكري من الضلال الذي يؤدي إلى أن تنشغل الأرض كلها بالحروب والاضطرابات، وهذا ما هو حاصل جزء منه في معاصرتنا من جراء هذه الأفكار الهدامة المستنكرة التي أحالت بعض أرض العرب حروباً لا يعلم مداها إلا الله تعالى.
ويعودَ النَّاسُ فوْضى ما لهمْ
غيرَ تكفيرٍ وسَفكٍ واحترابْ
يصورهم الشاعر بأن همهم أن يعود الناس إلى الفوضى، ما لهم غير تكفير بعضهم بعضاً، وسفك دمائهم واحترابهم، أي أن تعود الفوضى إلى أشدها، فسموه يحذر منهم كل تحذير، بأن من أهدافهم البغيضة هدم كيان العرب والمسلمين، والعودة بهم إلى عصور الجاهلية والاقتتال.
لَنْ يتوبوا عَنْ أذىً يأتونَهُ
أبداً إلاَّ إذا الشَّيطانُ تابْ
والشاعر من خلال تتبع رؤاه في هذه القصيدة فاقد الأمل في عودة هؤلاء الجماعة إلى جادة الصواب، ويربط تلك العودة بشيء مستحيل وهو توبة الشيطان ذاته، لأنه يعلم من فكرهم وأفعالهم ما يدل ويقوي هذا الاعتقاد لديه.. وسموه في أكثر من مكان من القصيدة عبر عنهم بالشيطان، بل إنه جعل الشيطان في مرتبة أقل منهم خطورة، وذلك لفظاعة ما يرتكبونه من جرائم وما يهدفون إليه من فظائع، أي أنه لا فائدة لدى الشاعر من الأمل ولو البسيط في عودتهم إلى الطريق الصحيح، فهذا الباب في عرف الشاعر موصد تماماً.
لمْ يُبالوا مَهْبطَ الوَحْيِ ولَمْ
يَحسِبوا للمُصطَفَى أيَّ حسابْ
وسبب ذلك الاعتقاد لدى سموه، أنهم كما يصورهم لم يبالوا أي مبالاة بحرمة مهبط الوحي الكريم على خير البشر، ولم يحسبوا في ذلك أي حساب للمصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فإنه في يقين الشاعر أن من لم يؤد من المصطفى صلى الله عليه وسلم ولم يحسب له أي حساب فإنه خارج عن نطاق الملة والجماعة، ولا فائدة ترجى من ورائه أبداً، وهذا هو المقياس الصحيح في نظر الشاعر لمعرفة حقيقة هذه الزمرة ومعاداته لهم.
في حِماهُ ومكانٍ طَيِّبٍ
يرتجي النَّاسُ بِهِ نَيلَ الثَّوَابْ
هذا المكان الذي يرومون فعل الشر فيه، هو عند الشاعر وعند جموع المسلمين حمى المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهو المكان الطيب الذي يفوح أريج المسك والريحان من جنباته، ذلك المكان المقدس الذي يرتجي الناس من زيارته نيل الأجر والثواب، لأنه مسجد المصطفى وقبره الشريف.
بَعثوها فِتنَةً مشهودَةً
تترُكُ الدُّنيا تُراباً في تُرابْ
هذا الذي أقدموا عليه يتلخص في يقين الشاعر أنه فتنة مشهودة بعثوها من مرقدها، وأجلوا غبار الحقد عنها يريدون منها تحطيم كيان الأمة وتهديم أركان دينها.. فتنة وصفها الشاعر بأنها مشهودة، أي واضحة يشهد عليها العالم بأجمعه، وليست بخافية على أحد، هذه الفتنة في رأي الشاعر كفيلة بأن تترك الدنيا تراباً في تراب، أي أن آثارها المدمرة ليست محصورة على بقعة دون أخرى، وإنما آثارها تمتد لتشمل العالم كله، وهذا ما هو ملاحظ شيء منه اليوم.
يا بَني الإسلامِ هَلْ منْ وَقفةٍ
تَحْسِمُ الشَّرَّ وتَجْتَثُّ الخَرابْ
في البيت السابق جعل المتأثر من هذه الفتنة العالم كله، وهنا الشاعر يخاطب بني الإنسان قاطبة على اختلاف مللهم وطوائفهم، بأن يقفوا مجتمعين وقفة واحدة ضد هذا الخطر الداهم، ليحسم شره ويجتث الخراب الذي سوف يخلفه لو أتيحت لهم فرصة دون حسم ووقوف في وجهه.
(هل من وقفة).. يريد الشاعر تعظيم أمر هذه الجماعة واستنكار أفعالها، لذلك يستثير الهمم هنا للوقوف ضد مخططها، فيطلب منهم وقفة حاسمة ضدهم.
إنَّ هذا الدِّينَ في حفظٍ وكمْ
جالدوهُ بسيوفٍ وحرابْ
ورغم ما ذكره الشاعر من أمر هذه الجماعات وما خوّف منه من خطورتها وأفعالها الآثمة، إلا أنه في نهاية قصيدته على يقين كامل بأن هذا الدين متين، والله حافظ كيان دينه من كل سوء، وكم مرت، كما يذكر الشاعر، على الأمة شبيه هذه الجماعات المنحرفة فكرياً وأخطر منها، وكم خرجوا عليها بالسيف والحراب، فما وهنت عرى الأمة، وما استكانت، واستقر في النهاية دين وجماعة المسلمين. وهذا يقين لدى الشاعر لا يتزعزع أبداً، ذكره صريحاً هنا بكل ثقة.
حَفِظَتْهُ قُدْرَةُ اللهِ لنا
ما لنا في قُدْرةِ اللهِ ارتيابْ
فقد حفظت قدرة الله هذا الدين من أن يتغلب عليه أحد، ويزعزع كيانه، وليس لدى الشاعر ارتياب في قدرة الله على حفظ عرى هذا الدين إلى يوم القيامة.
وبنَصرٍ منْ رجالٍ نذروا
أنْفُساً تكتَسبُ المجدَ اكتسابْ
فقد سخر الله تعالى لنصرة الدين رجالاً نذروا أنفسهم لكسب المجد اكتساباً، مهما كلفهم ذلك من تضحيات وعناء ومشقة، فهم من أسباب نصرته التي سخرها الله لهذه المهمة العظيمة.
في رباطٍ وبعَزمٍ راسخٍ
قَدْ أعَدُّوا عُدَّةَ الخيلِ العِرابْ
فهو موكلون بهذه المهمة السامية، وقد أعدوا أنفسهم برباط دائم وعزم راسخ، وأعدوا لهذا الغرض من الخيل العربية الأصيلة ما يعينهم على الدفاع عما سخروا من أجله، والمقصود بذلك هنا القوة اللازمة، حسب معطيات العصر وتطوره.
إنَّ في القُوَّةِ حلاًّ كُلَّما
جاءَ أهلُ البَغْيِ يبغونَ الجوابْ
فأعِدُّوا ما استطَعتُمْ واصبروا
ذاكَ وَعْدُ اللهِ في أمِّ الكتابْ
ويستلهم الشاعر موقف أولئك الرجال العظماء أمام هؤلاء البغاة ليسقطه على عصرنا الحاضر، فيرى أن مقارعة هؤلاء لا تكون إلا بالقوة اللازمة، فإنها الحل الأنجع لهذا الفكر الضال، ولا يصلح لفكرهم هذا إلا جواب القوة الذي ينهي موضوعهم نهاية جذرية.
لذا يطلب الشاعر منهم أن يعدوا العدة كاملة، وأن يصبروا، فإن ذلك وعد الله في قرآنه الكريم، حيث عرف الشاعر أنه متى ما تحقق إعداد القوة فإنهم سينالون النصر الموعودين به في أم الكتاب..
وبذلك يرى الشاعر أن حسم هذه المسألة متيسرة للأمة حسب ما صرح به من استعمال القوة اللازمة والاعتماد على الرجال الصابرين الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن حياض الأمة، فالشاعر في هذه القصيدة كان واضحاً وصادقاً مع أمته، فقد تحدث عن هذه المسألة وفنّدها، وأبرز مشهدها أمام المتلقين وشخّص الداء فيها وأوجد الحل لها ولإنهائها بأسلوب جميل غاية في الروعة والوجدان والتميز، وبذلك سخر الشعر لخدمة قضية من أهم قضايا الأمة.
نظرة متمعنة لقضية من أهم قضايا المجتمع المسلم
قصيدة مبدعة تُعري الزمرة الباغية التي تسيء إلى الدين
