الإرهاب مصيبة هذا العصر، أطل برأسه بقوة وشراسة في بداية هذا القرن، فصار حدثاً عالمياً يكاد يأتي على الأخضر واليابس، ولطالما سعى وسائل الإعلام المعادية للمسلمين إلصاقه بالإسلام والمسلمين، بدعوى أن شرذمة ممن ينتسب للإسلام قد تورطت فيه، وقد يوجد في هذا الدين والعرق أو ذاك من يتبادلون التهم، ليدخل العالم في جدل عقيم، عبارة عن صراع لنسبة الإرهاب لدين أو قوم معين.
من هنا وقف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وقفة حاسمة قاطعة للنزاع منذ بداية أبياته ليحسم الموقف وليعرِّي هوية الإرهاب فقال بلفظ صريح لا لبس فيه ليقطع الجدل الفاسد فيه: ليس للإرهاب دين أو كتاب
فالإرهاب لا ينتمي إلى دين معين، ويستحيل أن ينتسب إلى تعاليم أي دين سماوي، فالشاعر هنا بلفتة ذكية بارعة نفى نسبة الإرهاب لأي دين كما يحلو للبعض أن يلصقه بالإسلام أو يلصقه بالنصرانية، أو غير ذلك، فالشاعر يرى قطع الطريق أمام هذا الجدل العقيم، ويقول إننا بدل أن نتبادل الاتهامات يجب أن نعالج هذه المصيبة، لذا أقول بملء الفم إن الإرهاب لا ينتمي إلى دين ولا إلى كتاب سماوي، إذن إلى ماذا ينتمي؟! قال سموه: هو فيما بان لي شرعة غاب،إذن منطلق الإرهاب هو شرعة غاب، أي إذلال المجتمعات بمنطق القوة العبثية، وفي الجملة المعترضة الجميلة - فيما بان لي- لم يشأ أن يفرض رأيه على الناس، بل بالتواضع الجم المعهود من سموه قال: فيما يظهر لي، ليعلم قراءه أن لايُلزموا الناس بآرائهم، بل يبقى للناس حريتهم الفكرية في التحليل والتعليل، ثم يؤكد هذا المعنى في قصيدته كلها.
وهنا يكون الشاعر قد لخص أمر الإرهاب في مفتتح قصيدته، وأعلم قارئه بمضمون القصيدة بشكل رائع، وبراعة الاستهلال.
ثم انتقل إلى تفاهة تفكير أتباع الإرهاب، وعبثية أفعالهم التي خرجت عن حد العقل والفهم، فتفكيرهم مقلوب دائماً، كل شيء يعملونه إلا ما كان صواباً، إذن هم عبثيون لا يـخضعون للمنطق، وخرجوا عن زمرة العقلاء، لأنّ العقلاء اتفقوا على: أن أفعال العقلاء مصون عن العبث، وهم عبثيون، وبالتالي لا يمكن التفاهم معهم عن طريق العقل والمنطق:
وله أتباع في تفكيرهم كل شيء ممكن إلا الصواب
تلاميذ الشيطان
وموجههم الأول وأستاذهم هو الشيطان، واختيار الشاعر لفظة الشيطان دون بقية أسمائه للدلالة على أمرين: الأول ما قاله في معجم الوسيط: »الشيطان: روح شرير مغوٍ، وكل متمرد مفسد«، إذن في هذه الجماعة عناصر أساسية:
1. الشرّ وكراهية الخير للناس.
2. الإغواء بكل وسيلة لأتباعها.
3. التمرد على القيم والإنسانية.
4. الإفساد، وهذا تأكيد لما قاله الشاعر في البيت الثاني (إلا الصواب) يعنى الإفساد، وهذه الأمور لا تجتمع إلا لمن تمحض فيه الشر.
الأمر الثاني ما قاله الزجَّاجُ في تفْسِيرِه: »إنَّ الشيءَ إذا اسْتُقْبح شُبِّه بالشَّياطينِ«، وهل هناك وجه أقبح من الإرهاب؟!
هم مع الشيطان في أفعالهم بل من الشيطان أنكى في الخطاب
في الشطر الثاني يقول الشاعر إنهم تفوقوا في الشر على معلمهم، أي الشيطان على حد قول القائل:
وكنت امرؤًا من جند إبليس فارتقى بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
ثم يبيّن الشاعر مآل هذا الطريق ومنتهاه، وأن مآله هو الخسران المبين، وأن ما يجرون وراءه هو سراب حقيقة، فــ(أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
وفي الفقرة الثانية (البيتان الخامس والسادس)، تساءل الشاعر عن هدفهم؟ وكأنه اقتبس مما ورد في مصنف ابن أبي شيبة في وصفهم وفتنتهم: »فِتْنَةً يَعُودُ الْحَلِيمُ فِيهَا حَيْرَانَ«، وفعلا الحليم يبقى حيران من أفعالهم وفظائعهم مما يشيب منه الولدان، أيُّ فكرٍ هذا الذي يحملهم على هذه الفظائع؟ وكأنّ تفكيرهم القتل لأجل القتل وسفك الدماء فقط، والإسراف في ذلك، قال الشاعر بمرارة:
خبروني ما الذي يجـنـونه من جنون منه رأس الطفل شاب
أي فكر هو هذا فكرهم غير قتل النفس من غير احتساب
بنيان التقوى
هنا نبرة الألم والحزن بادٍ على الشاعر، حيث ضاق صدره من هذه الطريقة التي يسلكها الإرهاب من الاستهانة بالأرواح، فانتقل في الفقرة الثالثة من القصيدة إلى إلقاء الضوء على أشنع أفعالهم، مما يتفطّر له القلب، ويبكي الإنسان دماً مما فعلوه:
حاولوا تفجير صرح شامخ قد بناه المهتدي الهادي المجاب
مسجد أسس بالتقوى من نوره النور غشا الكون وطاب
هل يُعقل أن يفكّر أحد في تفجير مسجد رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ، هذا الصرح الشامخ الذي رفع بنيانه على التقوى سيد الخلق ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ، هذا المسجد الذي منه شعّ نور الإيمان والهداية والتسامح فعمّ أرجاء الكون، هل هناك جرم أفظع من هذا؟!
فعلاً يضيق الصدر ولا ينطلق اللسان في وصف هذا الفعل الشنيع القبيح، الذي استحق فاعلوه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً كما ورد في الحديث الصحيح: »المدينة حرمٌ من عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثًا أو آوى مُحْدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً«.
اكتفى الشاعر هنا ببيتين لأن القلب لا يتحمل وصف هذا الفعل الشنيع، وكأن الشاعر وقف في ذاك المكان المبارك والموضع الأقدس عند الواجهة الشريفة وقلبه يعتصر ألماً فلم يجد في هذا المقام المهيب إلا أن يعتذر من حبيبه رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ لما فعله السفهاء، فانطلق لسانه قائلاً:
يا رسول الله عذراً إننا في زمان فيه أمر الرشد غاب
عذراً لأن الرشد غاب عن الناس، ويرفع الشاعر شكواه من هذا الواقع الأليم:
خطف الإسلام منا زمرة فتحت للشر والفتنة باب
فزمرة شريرة تتكلم باسم الإسلام، وتعتبر نفسها من المسلمين، مع أنهم فتحوا باب الشر والفتنة على المسلمين. هذه الزمرة (زمرة الإرهاب) لا عقل لهم، تسعى لهدم الديار وخراب الأوطان وسفك الدماء، وبجنايتهم في المدينة استحقوا اللعن، وفي الحديث الصحيح: »من أخاف أهل المدينة ظلمًا أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً«، فهي زمرة ملعونة:
زمرة مجنونة ملعونة كل ما تأتيه هدم وخراب
يقتل الواحد منهم أهله لا يراعي أي قربى وانتساب
زمرة فاسدة
لم تترك هذه الزمرة الفاجرة سبيلاً من الفجور إلا وسلكته، فقتلوا أهلهم، إذ الواحد منهم يذبح ابن عمه البريء غيلة وبدم بارد بل بحقد، ووصل أن ذبح أمه وطعن أباه وأخاه، يعنى لم يراعوا حتى حرمة الرحم القريب، إذ كيف يجرؤ من في قلبة ذرة إيمان أن يذبح أمه وقد أمره الله تعالى ببرّها وبرّ والده، وأن لا يقول لهما أدنى كلمة تؤذيهما، (فلا تقل لهما أف)، بل وأمر بمصاحبة الوالدين بالإحسان في الدنيا ولو كانا كافرين يسعيان في غوايته بدعوته إلى الشرك (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا)، فكيف بالأبوين المسلمين؟!!
لك أيها القارئ أن تتصور عظم الجرم وما آلت إليه حال هذه الفئة المجرمة، وكيف تجردت من معنى الآدمية والإسلام »وهنا يشير صاحب السمو إلى أحداث وقعت منذ وقت قريب والعالم كله سمع بها«.
ثمّ يتساءل الشاعر:
أي شرع؟ كل ما فيه دم يترك الأرض بما فيها يباب
دعاة الشر
أي شرع يتبعونه هؤلاء؟!! فإن الأديان كلها جاءت تحثّ على حفظ الأنفس وتعمير الأوطان، أما هؤلاء فإنهم يتبعون كما قال في أول القصيدة شرع الغاب، كل ما عندهم تقتيل وذبح وإراقة الدماء وإزهاق الأنفس، يُحلُّون بكل أرض ذهبوا إليها الخراب والدمار، والمؤمن كما قال الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ »في فسحة من أمره ما لم يصب دماً حراماً«، بل أفظع من ذلك:
وصل الأمر بهم لو خرّبوا حرماً عن لمسه الشيطان خاب
يؤكد الشاعر ما قاله في بداية القصيدة بالدليل بأن هؤلاء فاقوا الشيطان في الشر فإنهم يسعون إلى تدمير حرم الله وحرم رسوله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ، الحرم الذي حتى الكفار وهم في جاهليتهم كانوا يعظّمونه، أما هؤلاء الشرذمة الضالة فلم يرقبوا في مؤمن إلّاً ولا ذمة، ولا راعوا حرمة الحرم.
إلى هنا عدّد الشاعر بعض جرائمهم، ثم نبّه إلى أن الضلال في الفعل (سفك الدماء والتدمير، وتفجير أقدس بقاع الأرض) منبعه هو الضلال في عقيدتهم ومنهجهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وفي الواقع هم الأخسرون أعمالاً:
من ضلال ضمه منهجهم أن تصير الأرض حرب واضطراب
ويعود الناس فوضى ما لهم غير تكفير وسفك واحتراب
فكل همّهم الإفساد في الأرض، كما قال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ)، يريدون تعميم الدمار على الأرض، وإقامة الحروب والقلاقل، وإشاعة الفوضى، لا يحسنون إلا تكفير المسلمين، وسفك الدماء البريئة، وإشاعة الفتن والحروب.
غلوّ وتنطّع
إنّ منهج هؤلاء في الضلال والابتعاد عن شرع الله ينبئ عن تخبّطهم وانحرافهم العميق؛ إذ تجاوزوا الغواية في الفكر إلى الانحراف السلوك، وتطبيق المنهج الّذي يتبنّى الغلوّ والتنطّع ويسعى إلى الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل، ولقد يئس الشاعر - بعد ما رأى هذا التمادي منهم في الباطل والشراسة في الجُرم والعنف في السلوك والتطرّف والغلوّ في الأطروحات من هدايتهم وتوبتهم فشبّههم في ذلك بالشيطان الميؤوس من هدايته والّذي كتب الله عليه الضلال والغواية إلى يوم الدين:
لن يتوبوا عن أذى يأتونه أبدًا إلا إذا الشيطان تاب
وهيهات للشيطان أن يتوب. وكلُّ ذلك لأنّهم عاثوا في الأرض فسادًا ولم يرعوا في المؤمنين إلّاً ولا ذمّة، هؤلاء المؤمنين الذين جاؤوا من أصقاع المعمورة يرجون القُرب من الله والثواب الجزيل بالعبادة والصلاة في المسجد الحرام ومسجد المصطفى ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ وهما حَرَمان حرّمهما الله ورسوله، يأمنُ فيهما الخائف، فهما ملاذ المؤمنين ومهوى أفئدتهم، حرسهما الله من الفتن، وتوعّد من أراد الشرّ بهما أو الإلحاد فيهما أو إخافة أهلهما، وجعلهما الله حرمين آمنين بأمان الله إلى يوم القيامة، ولم يُرِدْهما أحدٌ بسوء إلا قصمه الله وجعله عبرة لمن يعتبر.
ويشير الشاعر، حفظه الله، إلى أنّ غاية هؤلاء المفسدين فعلاً والمنحرفين فكرًا والمجرمين سلوكًا بثُّ الفتنة والفوضى وإشاعة القتل والدمار وسفك الدماء وخراب الديار:
لم يُبالوا مهبط الوحي ولم يحسبوا للمصطفى أيّ حساب
في حماه ومكانٍ طيّبٍ يرتجي الناس به نيل الثواب
بعثوها فتنة مشهودة تترك الدنيا ترابًا في تراب
نبتة خبيثة
ثمّ يتوجّه الشاعر إلى الأمّة الإسلاميّة وأبنائها الّذين يذودون عن عِرضها ويحمون حماها إلى وقفةٍ صارمةٍ تهدف إلى اقتلاع هذه النبتة الخبيثة الشرّيرة من جذورها وحسم مادّة الشرّ الكامنة في نفوس هؤلاء المردة الّذين يعيثون في الأرض فسادًا، واجتثاث الخراب الناشئ عن أفكارهم الملوّثة وتدابيرهم المدّمرة؛ فيقول:
يا بني الإسلام هل من وقفةٍ تحسمُ الشرّ وتجتثّ الخراب
وهنا كأنّي بالشاعر يشير إلى حديث السفينة وسكّانها الّذين تقاسموها عُلّوًا وسُفْلا فأراد القاطنون في أسفل السفينة بمنهجهم العليل وفهمهم السقيم أن يخرقوا في جزئهم خرقًا ظنًّا منهم أنّهم يحسنون بذلك إلى القاطنين في أعلى السفينة بعدم إزعاجهم بالمرور عليهم لأخذ الماء، فلو تُركوا وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعًا، ولو مُنعوا من ذلك لنجوا ونجوا جميعًا.
ثمّ يذكّرنا بأنّ هذا الدين محفوظٌ بحفظ الله، ولن يتمكّن أحدٌ من النيل منه، والتاريخ شاهدٌ على ذلك، من أممٍ وحضاراتٍ بادت وانقرضت عند ما تكالبت على أمّة الإسلام، وجالدتها بسيوفها وحِرابها، وبعُدّتها وعتادها، إلا أنّ العناية الإلهيّة حفظت هذا الدين، وهذا من فضله وكرمه ؛ (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون).
ولا يشكّ مؤمن في طلاقة قدرته سبحانه، وأنّه يريد الخير لخلقه ببقاء هذا الدين بِقِيَمه وتعاليمه السّمحة إلى يوم القيامة، ينشر الخير والتسامح ومكارم الأخلاق، كيف لا وخاتم الأنبياء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ يوجّه أمّته بجوامع كلمه: » بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تُعسِّروا«، وينهى أمّته عن الغلوّ والتنطّع: »إنّ هذا الدين متينٌ فأوغلوا فيه برفق، ولن يُشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه «، وهذا ما عناه الشاعر، حفظه الله، في قوله:
إنّ هذا الدين في حفظٍ وكم جالدوه بسيوفٍ وحِراب
حفظتـه قـدرةُ الله لنـــــــــــا ما لنا في قدرة الله ارتياب
ردع الشرّ
ويسير بنا الشاعر رعاه المولى في دوحة الإسلام، ويبيّن أنّ المؤمنين الحقيقيين هم الّذين نذروا أنفسهم لخدمة الدين ونشر العلم وبثّ روح الألفة والمحبّة بين الناس بأخلاقهم وصفاتهم وأفعالهم حتى كسبوا من المجد ذروته، ومن عُلُوِّ الهمّة قمّته؛
وبنصرٍ من رجالٍ نذروا أنفسًا تكتسب المجد اكتساب
في رباطٍ وبعزمٍ راسخٍ قد أعدّوا عُدّة الخيل العراب
وفي هذين البيتين يلمّح الشاعر، حفظه الله، إلى المعنى المأخوذ من قول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه: (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا).
ويختم الشاعر قصيدته الرائعة بأنّ الحلّ يكمن أحيانًا في استخدام القوّة لردع الشرّ والبغي والظلم، ولإحقاق الحقّ، واستخدام القوّة وإن كان مؤلمًا إلا أنّه في أحيانٍ كثيرة ضرورةٌ لابدّ منها لدرء ضررٍ أكبر ودفع خطرٍ أعظم، كالطبيب عند ما يستعمل مِشرطه في جراحة لاستئصال ورمٍ خبيث، فإنّ فعله مؤلم لكن ما يدفعه بفعله أعظم ضررًا وأشدّ إيلامًا، وقد أخذ الشاعر هذا الفهم العميق من قوله تعالى: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله)، وفي الأثر: »إنّ الله لَيَزَع بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن«.
إنّ في القوّة حلا كلّما جاء أهلُ البغي يبغون الجواب
استنهاض الأمة
ويستنهض الشاعر أمّته بالإعداد لردع هؤلاء الطغاة والبغاة والمنحرفين فكرًا وسلوكًا، بكلّ ما أوتوا من قوّة في الفكر والمنهج، والعُدّة والعتاد، تطبيقًا لأمر الله سبحانه وتعالى (وأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم)، ومستبشرين بوعد الله الذي لا يتخلّف (إنا لننصر رسلنا والّذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار).
ويُنهي الشاعر، حفظه الله، قصيدته البديعة بهذا المعنى ويقول:
فأعِدُّوا ما استطعتم واصبروا ذاك وعدُ الله في أمّ الكتاب
هذا ما تسنّى لي في هذه العجالة من قراءة لقصيدة »فتنة الإرهاب« التي جادت بها قريحة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، ويا له من قريحة مبدعة، فقد آتاه الله زمام الشعر، وجعله فارس هذا الميدان بشقّيه الفصيح والنبطي، كما هو فارسٌ في ميادين الفروسيّة والقيادة والحكمة وبُعد النظر، حفظ الله سموّه ورعاه وسدّد في دروب الخير خُطاه، وحفظ الإمارات وأصحاب السمو حكّامها وشعبها والقاطنين على أرضها، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والرخاء.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
