أكدت اللجنة العليا للتشريعات في إمارة دبي أن الأصل استقلال المسؤولية الجزائية عن المسؤولية التأديبية، باعتباره أحد المبادئ المستقرة فقهاً وقضاءً، لأن لكل منها أركانها الخاصة وطبيعتها المتميزة، إلا أن هذا المبدأ يجب أن لا يمس بمبدأ حجية الأمر المقضي به، فسلطة التأديب يجب عليها أن تتقيد بالحكم الجزائي البات، حتى لا يأتي القرار التأديبي على خلاف الحكم الجزائي، فسلطة التأديب يجب عليها أن تتقيد بالحكم الجزائي البات باعتباره متمتعاً بحجية ملزمة للكافة، فإذا كان الحكم الجزائي قد فصل في وقوع أو عدم وقوع الفعل المنسوب إلى المنتسب والذي يشكل الأساس المشترك بين المسؤوليتين، فإنه لا يجوز لسلطة التأديب أن تتصدى لما سبق للسلطة القضائية وان فصلت فيه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه إذا تبين لسلطة التأديب أن المخالفة المنسوبة للمنتسب تشكل جريمة جزائية فإن عليها أن تتريث في الدعوى التأديبية وذلك إلى حين انتهاء الدعوى الجزائية ما لم تكن هناك أسباب أخرى يمكن أن تستند إليها وتكفي وحدها لمساءلة المنتسب تأديبياً.
جاء ذلك في معرض ردها على طلب الرأي القانوني حول مدى جواز مساءلة المنتسب الخاضع لأحكام قانون إدارة الموارد البشرية للعسكريين المحليين العاملين في إمارة دبي رقم (6) لسنة 2012، الموقوف عن العمل والمحال إلى الجهات القضائية المختصة تأديبياً وذلك قبل صدور حكم قضائي بات في الدعوى الجزائية المقامة ضده.
وأوضحت اللجنة أن المادة (2) من القانون رقم (6) لسنة 2012 المشار إليه عرفت «المنتسب» بأنه: «كل من يشغل إحدى الوظائف الواردة ضمن موازنة الدائرة، ويحمل إحدى الرتب العسكرية، ويشمل الذكر والأنثى»، كما نصت المادة (8) من القانون ذاته على أنه: «بالإضافة إلى الإجراءات والعقوبات المقررة بموجب التشريعات السارية، تُفرض على المنتسب الذي يرتكب جريمة يعاقب عليها القانون إحدى الجزاءات التأديبية المنصوص عليها في هذا القانون»، كما نصت الفقرة (د) من المادة (172) من القانون ذاته على أنه: «لا يحول صدور الحكم من السلطة القضائية المختصة بحفظ التحقيق مع المنتسب أو بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية أو توقيفه احتياطياً دون مساءلته تأديبياً وتوقيع الجزاء التأديبي المناسب بحقه وفقاً لأحكام هذا القانون».
وباستقراء هذه النصوص فإن «المخالفة التأديبية» تعرّف بأنها إخلال المنتسب بواجبات الوظيفة العامة بصورة تؤدي إلى المساس بكرامتها، ومتى ثبت ذلك بحق المنتسب انعقدت مسؤوليته التأديبية، وقد يشكل الفعل المخالف الذي ارتكبه المنتسب جريمة جزائية متى كان هذا الفعل واقعاً تحت طائلة نص قانوني تجريمي يسبغ عليه الصفة غير المشروعة، مما يستوجب كذلك مساءلته جزائياً عن هذا الفعل، وتختلف المسؤولية التأديبية عن المسؤولية الجزائية، فقوام المسؤولية الأولى إخلال المنتسب بواجبات وظيفته ومقتضياتها، أما المسؤولية الثانية فقوامها إخلال المتهم بمصالح أساسية للمجتمع محمية بموجب نصوص عقابية محددة في قانون العقوبات العام أو في غيره من التشريعات العقابية الخاصة.
ونظّم القانون رقم (6) لسنة 2012 المشار إليه في الفصل الرابع عشر منه الأحكام الخاصة بتأديب المنتسبين وتحديداً في المواد (163-175)، ويلاحظ من هذه الأحكام أن المشرع اتجه بشكل واضح وصريح إلى تقرير مبدأ استقلال المسؤولية التأديبية عن المسؤولية الجزائية وعدم تأثر المسؤولية الأولى بما يتقرر من أحكام بالنسبة للمسؤولية الثانية، نظراً للطبيعة الخاصة للوظيفة العسكرية التي أراد المشرع المحافظة على قدسيتها والنأي بها عن أية شبهات أو مسلكيات قد تحط من كرامتها أو تمس قيمتها الأساسية المتمثلة بالانتماء الحقيقي للوطن، إلا أن هذا الاستقلال بين المسؤولية التأديبية والمسؤولية الجزائية لا يعني الانفصال التام بينهما وبخاصة في الأحوال التي لا يمكن فصل المسؤولية الجزائية عن المسؤولية التأديبية، والتساؤل الذي يثور هنا حول العلاقة بين المسؤوليتين، ومدى تأثير الفصل في المسؤولية الجزائية على الفصل في المسؤولية التأديبية، والإجابة على هذا التساؤل تتطلب التمييز بين حالتين:
الحالة الأولى: اختلاف سبب قيام المسؤولية الجزائية والمسؤولية التأديبية: إذا كانت الحالة الواقعية أو القانونية التي أدت إلى قيام مسؤولية المنتسب جزائياً تختلف عن الحالة الواقعية أو القانونية التي أدت إلى قيام مسؤولية المنتسب من الناحية التأديبية، ففي هذه الحالة يجوز للسلطة التأديبية مساءلة المنتسب تأديبياً دون انتظار الفصل في الدعوى الجزائية المقامة ضده، متى كانت الأسباب التي تم الاستناد إليها كافية لاتخاذ الجزاء التأديبي بحقه.
الحالة الثانية: وحدة سبب قيام المسؤولية الجزائية والمسؤولية التأديبية: إذا كانت الحالة الواقعية أو القانونية التي أدت إلى قيام مسؤولية المنتسب جزائياً هي ذاتها التي أدت إلى قيام مسؤوليته التأديبية، فإنه يجب إرجاء البت في المسؤولة التأديبية إلى حين صدور حكم بات من الجهة القضائية بشأن الفعل المنسوب ارتكابه للمنتسب، الذي تم إحالته للجهات القضائية لأجله، فإذا كان الحكم الصادر يقضي ببراءة المنتسب لانتفاء الواقعة المجرّمة فلا بد في هذه الحالة من احترام حجية الحكم الجزائي وعدم مساءلة المنتسب تأديبياً لثبوت براءته من الفعل المنسوب إليه، ولا يجوز لسلطة التأديب أن تعيد النظر فيما قام عليه الحكم الجزائي الذي قضي ببراءة المنتسب من التهمة المنسوبة إليه وإلا كان ذلك مساس بقوة الأمر المقضي به.
