بادر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بتقديم ابتهالاته الرمضانية التي نحن الآن بصددها، ليفتح بذلك الباب واسعاً أمام فنون تعظيم الله تعالى في قلوب عباده، فسموه يشكل القدوة والداعية إلى تعظيم الخالق في قلوب الناس بمناجاته وإظهار آلائه ونعمه، لأنه إذا عظم الله تعالى في قلوبنا حقاً فسنستحيي من أن نعصاه لأننا حينئذ عرفناه فقدرناه حق قدره، وإن ابتهالات محمد بن راشد الرمضانية هذه تسعى هذا المسعى، إذ لا يمكن أن نعرف الله ونحبه، ومع ذلك نقتل الأبرياء ونشردهم من ديارهم ونقهر الآمنين خروجاً على ولي الأمر وإجماع الأمة وسلمها وسلامتها.
تجربة فريدة
ومما لا ريب فيه أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بما قدمه من سلسلة الابتهالات الأخيرة قد شغل الوسط الثقافي والدعوي، رغم انشغالهم برمضان المحتشد بالعمل الصالح وبنور الإيمان، وهو إذ يفعل فإنه قد بادر إلى إحياء فن وثقافة أخذت في التواري، وبات واقعنا الراهن يعوزها، ألا وهي ثقافة المسلم المؤمن الشكور الذاكر لأنعم ربه،..
وهي ثقافة بتنا نحنّ إليها ونتحسر على ضياعها، بعد أن هيمنت ثقافة المصالح المادية والاصطراع على الدنيا، حتى هيمنت الروح الفردية المقصية للآخر بوصفه منافسا، بينما قيم الإسلام تتقدمها الرحمة والتواضع لله ولعباده حسن الخلق.. إلى آخر قائمة مكارم الأخلاق تتوارى وتضمحل.
لسان الحال
نهج محمد بن راشد يستنهض تلك القيم الإيمانية من جديد، ولعل من علامات الفطنة الظاهرة التي تميز مشروعه الإحيائي هذا أسلوب الدعوة بلسان الحال، فذلك من أوفر الأساليب حظا في النجاح وبلوغ قلوب المدعوين.
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن جل الشعوب التي دعيت إلى الإسلام سلماً استجابت لما رأت من القدوة والمثال الأخلاقي الحسن متجسدا أمام أعينهم من خلال سلوك التجار المسلمين والدعاة والفاتحين في كل بقاع الدنيا، فكانت الممارسة العملية خير دعوة ودعاية للإسلام الوسطي المحبب.
وسموه حين يطلق في رمضان المبارك هذا ابتهالاته التي تعظم رب العالمين على أوسع نطاق وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، فلابد أن المقصود منها ليس مجرد التعبير عن خلجات النفس والوجدان في صورة مناجاة بين المرء وربه، فلابد أن الهدف هو تقديم الأنموذج الذي يقتدي به شعبه وأمته، فتلك صورة من صور الدعوة إلى الله تعالى وهذا ليس بغريب على سموه..
حيث درج على نهج الحث على تبني تعاليم الإسلام في كل رمضان وفي غير رمضان على مدى الأعوام، وهذه منقبة قلما نجد نظيراً لها في زمان الناس هذا. ولذلك حري أن يقتدي به شعبه وأمته من المحيط إلى الخليج.
رقاع دعوة
من مظاهر منهج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الإصلاحي أنه يقدم صيغة الابتهالات الشعرية الدينية رقاع دعوة للقراء حتى يتأثروا بمضامينها فيستقيموا، كما يقدمها كذلك مثالاً إبداعياً يحتذى به من جانب الشعراء، على نحو ما قدم سابقا من نماذج في مكارم الأخلاق الوطنية جاراه خلالها فحول شعراء النبط والفصحى محليا وخليجيا. ولكنه في هذه المرة يربط الغرض الشعري بالله تعالى وحده.
الطريق إلى ذلك النموذج يبدأ بتعظيم الله في القلوب تمهيدا لمحبته ومحبة عباده وخلقه، الأمر الذي شجع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان خير من امتدح صفات الله وحمده. ومن هنا تعظم أهمية مشروع الثناء على الله من خلال التعبير الجمالي، شعراً ونثراً.
في ابتهال اليوم الموسوم بـ»وحقك« نجد أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يبدأ بالقسم، بدليل واو القسم التي استهل بها النص »وحقِّك« فهو يقسم بحق الله عز وجل، أنه سبحانه وتعالى يستحق السجود، ولأنه وحده مالك الملك فلا يستحق السجود سواه.
وهكذا نلمس أنه ومن خلال إيقاع بحر الوافر (مفاعلتنْ، مفاعلتنْ، مفعولُ) ينسج الشاعر بإتقان قصيدة جديدة في إطار الثناء على الله عز وجل كغرض شعري التزمت به ابتهالاته الأخيرة جميعاً، ولكن الذي يميز ابتهال »وحقك« تركيزه على ثيمة التوحيد، حيث أكد عليها في أبيات أربعة من بين أحد عشر بيتاً تمتدح عظمة الله تعالى وتعدد آلاءه وتعظم شأنه وتعلن خضوع عبده ومحبته له.
فقد قال سموه في الاحتفاء بصحيح العقيدة والتوحيد:
وحقِّك ما لملكك من شريك
لك التوحيد وحدك يا ودودُ
وقال في موضع آخر:
شهدنا أنك الصمد المزكى
بما شهدت ملائكك الشهودُ
وقال:
إلهي أنت وحدك لا شريك
إليك إذا دهى خطر نعودُ
وأخيراً يعزز الشاعر ثيمة التوحيد كمحور يدور حوله النص فيقول:
وأنت الله ما لك من شبيه
ومن وافاك وافاه السعودُ
ويبدو أن المحسنات البديعية، سمة جمالية وبلاغية عامة تزين الخطاب الشعري لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وبأشكالها المختلفة ومن تلك الأشكال، الجناس والطباق والمقابلة والتورية الخ
ونستطيع أن نستشهد على ذلك بقوله في ابتهال وحقك:
»وحقك استحق« وقوله أيضاً »الجود ـ الوجود« وقوله »التوحيد وحدك« وغير ذلك كثير من علامات التمكن اللغوي وتطويع المفردات بما توفر لدى الشاعر من قاموس غني ووافر كالبحر الذي نسج على إيقاعه قصيدته.
على أن إعلان العبودية والخضوع لله عز وجل وحده يعد من سمات هذه الابتهالات الرمضانية الأخيرة قاطبة، إذ يتم الإعلان عن ذلك بأسلوب جميل وماتع فنياً.
على أن أكثر ما يلفت النظر في ابتهال »وحقك« قول سموه:
(ومنك الجود يعبدك الوجود)
على أن أقرب تأويل له هو أن من جود ربنا تبارك وتعالى علينا أنه منّ علينا وأكرمنا بأن نعبده، وهذا معنى جديد غير مطروق، فالمطروق دائماً هو أن شكر الله وحمده نعمة من نعمه، أما اعتبار عبادته نعمة منحنا إياها بجوده وكرمه فهذه التفاتة جديدة على الشعر على الأقل كيف لا وعبادة الله شرف اختص به عباده المؤمنين.
الثناء على الله ضرورة لتقوية الإيمان وتليين القلوب القاسية
الطريق إلى نموذج المسلم المتوازن يبدأ بتعظيم الله في القلوب
ابتهالات أيقظت فضيلة الثناء لمن يلتقط حبل الله المتين
على إيقاع الوافر ينسج الشاعر قصيدته بإتقان