- فاكهة شعرية تحلو في سمر رمضاني وتفيض بصبابة المُحبين في رحاب الله
- جاء ابتهال «مُقامي» ذو القافية الميمية المُنغمة شجياً مترعاً بعشق إلهي
- وفق مُتقابلات وأنساق شعرية قدّم صوراً مُكثفة اختزلت المعاني
- عرف الشعر العربي الابتهالات والمدائح وتعددت القصائد التي تشربت بهذا الفن
- نوّع بين ما يقتضيه الابتهال من سهولة وبساطة وبين العمق في النفس الشعري
قراءة - محمد بابا
القصيدة صوت النفس، وصدى الروح، والشعر رهافة القلب والإحساس والشعور، وتكون تلك الكلمات المُنغمة المُموسقة التعبير والنسق، التي تقطر من بين الضلوع، مُنسابة كخرير شلال ماء أجمل ما تكون، إذا اكتست بروحانية خالصة، ولبست من لبوسها سحر الصبابة والعشق الإلهي. يوم أمس، وضمن ابتهالات شعرية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قدّم سموه فاكهة شعرية رمضانية تحلو في سمر رمضاني، وجاء ابتهال «مُقامي» ذو القافية الميمية المُنغمة شجياً، مترعاً بعشق إلهي، يفيض بصبابة المُحبين وهم يقفون في رحاب الله، وتجليات ملكوته، من فصوص الكلام ينتقي أعذب المُفردات ويصوغها وجداً وتولُّهاً.
فن الابتهالات
قراءة نص كهذا تستدعي تاريخ النقد والأدب العربي بأطيافه كافة، وحضور الابتهالات في الأنساق الشعرية العربية، حيث عرف الشعر العربي الابتهالات والمدائح، وتعددت القصائد التي تشربت من عيون هذا الفن الذي ضمّنه الشعراء ما يعتريهم من خشوع وتضرع إلى الله وطلب للعون، وقد أخذت كلمة «ابتهال» لغوياً اشتقاقاً يحمل المعنى ذاته، ويقدم الحمولات نفسها، وتكاد تشبه الابتهالات فناً شعرياً آخر ظهر في فترة ازدهار الأدب الأندلسي، عرف بالموشحات، وإن كانت الأخيرة أكثر تحرراً في أغراضها، وأكثر تشابهاً مع الابتهالات في عدد مقاطعها ووزنها - الرجزي في كثير من الأحيان - مع انحيازها عموماً إلى البحور الخفيفة التي تصلح للأهازيج والترانيم الدينية، وأقرب مثال على ذلك ما يحمله فن «المالد» الإماراتي من موروث شعري ضخم غني بالابتهالات.
مُتقابلات
في ابتهال «مُقامي»، قدم محمد بن راشد وفق متقابلات إيحاءات شعرية مكثفة الصور، اختزلت المعاني في أبيات قليلة، مليئة ومُكتنزة، افتتحها بوقفة في جناب الله ومقامه العالي، استدعت عطاءات من يُرتجى، ومن برحمته ورأفته الاعتصام، يُبادل بين المعاني، استخدم فيها تقنيات السجع والمُحسنات، والألفاظ المتشابهة والمتقابلة، مثل «مُقام» التي تعني الموضع أو المكان أو متسع الإقامة، و«المَقام» بفتح الميم، وهو المجلس أو المرتبة، وجمعها «مقامات»، وهي في الفكر التصوفي حالات ثابتة ينالها السّالكُ بجهده الخاصّ ، أهمها التَّوبة والورع والزُّهد والفقر والصَّبر والتَّوكّل والرِّضا، كما نجد مثل تلك المتقابلات في كلمات «التسليم» و«السلام»، وفي الشطر «غرمتُ بذاته غرمي غراماً»، وهي كلها انثيالات للنص، يبررها السياق في مقام الرجاء، من خلالها قدم نصاً غنائياً، متدفقاً، أعطى خلاصة عذبة جمعت ما يرتجيه الشاعر.
مدارس الروح
مع انبلاج أنوار رمضان يحلو الشعر، وتحلو الابتهالات خاصة، لأنه موسم التضرع والعبادة، ومنذ بزوغ الإسلام والشعراء يقرضون أشواقهم ورجاءهم الخالص، المرتبط بحب الله والتقرب إليه وبالصفاء الروحي والسمو بالذات، ومن ضمن ذلك ما كتبه شاعر الرسول الكريم حسان بن ثابت من نصوص، وكذلك أشعار الصحابي عبد الله بن رواحة، وفي عصر لاحق من عصور الأدب العربي، مع فطاحل من الشعراء مثل عبد الرحيم البرعي، ومحمد بن سعيد البوصيري وابن الفارض الذي قدم مدرسة خاصة في نسقها الفلسفي، ضمّنها أرق وأعذب الكلمات، وبلغ في عشقه مقامات عالية:
لم أخل من حسد عليك فلا تضع
سهري بتشييع الخيال المرجفِ
واسأل نجوم الليل هل زار الكرى
جفني؟ وكيف يزور من لم يعرفِ
أنساق اللغة
على مستوى اللغة، نوّع محمد بن راشد في ابتهال «مقامي» بين ما يقتضيه الابتهال من سهولة وبساطة في المفردات، وبين العمق في النفس الشعري الذي يفرضه المقام، فالمتابع لمدونة شعر العشق الإلهي يلاحظ دائماً تحويم الشعراء في سياقات، تكون أحياناً وعرة المسالك، من حيث المعنى والنسق، لكن سموه، عبر تجليات سهلة مُمتنعة، وفى بالغرض، وقدّم ابتهالاً حمل سلاماً شعرياً خالصاً، ورجاء وتضرعاً، عند باب مُقتدر كريم، إليه يلجأ الناس، وهو من يجيبُ المضطر إذا دعاهُ ويكشفُ السوء، وهو الذي قال: «ادعوني أستجب لكم»، فكان خير من يُرجى، مغيث في غوثه، كريم في جوده، لطيف في حكمه، عدل في قضائه، لولا فضلهُ ومغفرته ما وسعت البرايا رحمة.