الابتهال من الفعل ابتهل يبتهل ابتهالاً إلى الله، أي دعا وتضرع وطلب العون، وجميل من الحاكم أن يقف أمام باب الله، ويطلب العون منه لعلمه أنه الأقوى والأكرم والأعظم فهو كما قال شوقي:
الله فوق الخلق فيها وحده والناس تحت لوائها أكفاء
والابتهال من حيث هو فن شعري بديع، وسنة حميدة لا يلجأ إليه إلا المؤمن القريب من ربه الذي يستشعر عظمة الله في سره وجهره، وهو سنة الأنبياء من قبلنا، وعلى سبيل المثال انظر إلى نبي الله عيسى عليه السلام، حيث قال الله على لسانه:
»إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم«.
وفي الحديث »أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لما تلا هذه الآية رفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره الرسول بما قال - وهو أعلم - فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك«، رواه مسلم.
قصائد روحانية
نعم؛ الابتهالات والتواشيح تدخل ضمن أنواع المدائح، فمنها الشعر الديني ومنها الشعر الصوفي، ومنها الدعاء والحكم، والابتهال والتوشيح وإن كانا قريبين من بعضهما في المعنى، إلا أن التوشيح فن أندلسي أصيل، وعرف بعد ذلك في مصر والشام، والشاعر يمكن أن يتقيد في التواشيح بقافية واحدة، ويمكن أن يكتب قصيدته بقواف متعددة.
أجل.. والابتهال والتوشيح والإنشاد قد تبدو بأنها مترادفات، إلا أن الفرق بينها أن الابتهال دعاء من غير آلات موسيقية، والإنشاد يكون بآلات موسيقية وبغير آلات، وبما أن الابتهال والإنشاد يناسبان شهر الصيام فإن الشاعر الكبير الشيخ محمد بن راشد، قدم لنا في هذه المرة قصيدتين منذ بداية رمضان روحانيتين جداً، لنبتهل بهما إلى الله عز وجل في هذا الشهر الفضيل.
وليس العجيب أن يقدم لنا قصيدتين في وقت معاً، وإنما العجيب أن يفاجئنا في كل مرة بجديد، فهو اليوم طرق باب الابتهال بقوة، وأغرقنا في مفردات ومصطلحات جديدة من نوعها بشدة، وما أدراك فلعل القادم أكثر وأكثر، وهل هناك أجمل من وقوف حاكم أمام باب رب العالمين متضرعاً.
مصطلحات
انظر إلى مفرداته ومصطلحـــــــــاته الجديدة: وقفت/أمام بابك/يا قريب/يلجأ/لا يخيب/أتيتك/والهاً/دنفاً/حبيبي/ بك مستجير/ وحسبي/ عفوك/ جودك/ مجيب/ خلقت/ رزقت/ وهبت/غفرت/رحمت.
هذه المصطلحات التي تتردد بين الدينية والصوفية بهذه الكمية، مصطلحات جديدة في شعر الشيخ محمد بن راشد، ولا سيما أنها ارتبطت بشهر الصوم شهر العبادة والتجليات، فهو يستحضر فيه عظمة ما في هذا الشهر من عبر ومواقف ومشاهد وتجليات ومكارم والناس مهيؤون، كيف لا وهو شهر الصيام والقيام والذكر وقراءة القرآن، وفيه تغلق أبواب الشر وتصفد الشياطين، وفيه ساعة تستجاب فيها الدعوات ألا وهي ساعة ما قبل الإفطار، وفيها فرحة تساوي فرحة المؤمن عند لقاء ربه، ألا وهي فرحته عند فطره.
نشر الفضائل
ومما يشكر عليه الشيخ محمد بن راشد أنه أصبح يوظف شهر الصيام لنشر الفضائل وسرد سير الصالحين، وتأصيل القيم في نفوس الكبار والصغار، وهذا ما يغفل عنه الكثير من الحكام، فمرة يكتب لنا مسابقات رمضانية حول اللغة الخالدة، ومرة يكتبها حكماً وأحكاماً فقهية، ومرة يكتب عن المصطفى عليه الصلاة والسلام سيرة نبي السلام، ومرة يكتب أناشيد للذب عن الصحابة الكرام، ومرة يبين إعجاز سور القرآن وآياته.
هذه المكارم في الحقيقة من حاكم مشغول بهموم الداخل والخارج كمثله، تعد ابتداعاً وإبداعاً، واستثماراً لطاقات الصغار والكبار بطريقة إيجابية، ولقد أدهشنا أكثر عندما بعث لنا قصيدة (أهلاً رمضان) من لندن، وكنت أظنه مشغولاً بالخيول والسباقات، لكن تبين أن لرمضان في نفس سموه مكانة عظيمة وفراغاً لا يملؤه إلا حب الله.
جماليات لغة الضاد
ولو نظرنا إلى ابتهال سموه الثاني بعنوان »مقامي«، نجد أنه ليس أقل من الأول، فمن جهة نرى تمكنه من قرض شعره ببحور مختلفة، فقبل ثلاثة أيام كتب قصيدة »أهلاً رمضان« على وزن بحر الكامل، واليوم كتبها على وزن بحر »الوافر«.
وثم إننا نرى أن الشيخ محمد ينتقل من مرحلة إلى مرحلة جديدة، فبدأ يستخدم في شعره المفردات السهلة القريبة من فهم الصغير، فهو إذاً يكتب نبطياته التي فيها إرضاء لفئة من الناس، ويكتب أيضاً قصائده الفصيحة ليختبر فيها أفهام الشعراء والنقاد، ويكتبها بلغة سلسة أيضاً ليرددها المنشدون والأطفال معاً بآلات موسيقية وبغيرها من دون تكلف.
ويلفت نظرنا إلى شيء آخر أيضاً، وهو أن قصائده لا تخلو من بعض جماليات لغة الضاد، انظر إلى: مُقامي بضم الميم/ ومَقامي بفتح الميم/ غرمت بذاته أي تعلقت/ وغرم الفؤاد أي تحمّل المشقة والعذاب.
مقامات التوبة
وفي هذه القصيدة أيضاً، لم يخل شعر سموه من المصطلحات الصوفية، وخذ على سبيل المثال: مقام/ فالصوفية عندهم مقام الصابرين غير مقام المتوكلين، وعندهم باب يسمى باب المقامات والأحوال، والمقام بضم الميم هو الإقامة وبالفتح محل الإقامة.
وبالمناسبة يقول علماء التصوف: لا يجوز للعبد أن ينتقل من مقامه دون أن يقضي حقه، فمثلاً، أول المقامات عندهم التوبة ثم الإنابة ثم الزهد ثم التوكل، ولذا قال شاعرهم:
إذا ما صح للعبد المقام يصح له الدوام على الصلاة
ومن مصطلحات الصوفية أيضاً كلمة/ غوث الكرام/ أو الغوث عموماً، والغوث عندهم هو القطب الذي يلتجأ إليه وحده، واستخدم أيضاً مصطلح / الرجاء / وهو عند أهل التصوف معروف أيضاً، لأن المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء.
وما أجمل قول أبي بكر الوراق: الرجاء ترويح من الله لقلوب الخائفين، ولولا ذلك لتَلِفت نفوسهم وذهلت عقولهم، والرجاء ثلاثة أقسام: رجاء في الله، ورجاء في سعة رحمة الله، ورجاء في ثواب الله. واستخدم أيضاً العفو/ والحلم/ والاعتصام/ والجود/ والفضل/ والرحمة/ وهي منها الرحمة الامتنانية والرحمة الوجودية كما يقول علماء التصوف.
لغة جديدة
كل هذه المفردات، أعدُّها أنا لغة جديدة في شعر الشيخ محمد بن راشد يدغدغ بها مشاعرنا، وهو يدري أننا كما قال الشاعر:
إن في بُردَيّ جسماً ناحلاً لو توكأتَ عليه لانهدم
وأظن أن هذه المداعبة وهذه الدغدغة من الشيخ محمد بن راشد، تمهيد للون شعري جديد، سوف يدهم به ساحاتنا التي اشتاقت إلى ما يرقق الوجدان، فما أجمل شعراً كشعر رابعة العدوية التي تناجي ربها وتقول:
أحبك حبين حب الهوى وحباً لأنك أهل لذاكا
وأختم القول ببيت الشيخ محمد بن راشد في قصيدته:
فيا من خيره شمل البرايا لك التقديس باسمك يا مجيب
