صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، يحيي بمأثرته الشعرية الجديدة هذه فناً كاد يذوي في زمان الناس هذا، ألا وهو فن الابتهالات الدينية باللغة الفصحى، فلقد كانت يوماً مما يثري الوجدان الإيماني، ويستعرض الرقائق التي تبث نور اليقين بالله عز وجل في النفس المؤمنة حتى تستحيي من عصيان ربها، ولا أعرف كثيراً ممن يولون كبير عناية بهذا الضرب من ضروب الثقافة والأدب اليوم، وأي إحياء؟!
إحياء التراث
إنه إحياء يستنفر جماليات التعبير التي تطرق لها العارف بالله الشيخ محمد بن عبد الجبار النفّري، صاحب »المواقف والمخاطبات«، فهو عادةً ما كان يستهلها بالقول: »أوقفني في كذا وكذا وقال لي«، وهو في ذلك يخاطب ربه سبحانه وتعالى، وجداً وتجلياً داخل عوالم النفس المطمئنة، فمثلاً مما يقول النفّري: »أوقفني في الصفح الجميل، وقال لي: لا ترجع إلى ذكر الذنب، فتُذنب بذكر الرجوع«.
جمع الحسنيين
أما ما يقدمه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في قصيدته الابتهالية المنحازة إلى الروح الصوفية الراكزة في الوجد، فهو مختلف عن الأقوال الفلسفية التجريدية التي انتهجها النفري فشطح، حيث جمع سموه بين الحسنيين: الشعر بجماليات لغته، والوجد الصوفي، مع مسحة فلسفية غير موغلة في الغموض الفلسفي، وعياً منه بأنه منفتح على عامة الناس:
وَقَفتُ أمامَ بابِكَ يا قريبُ ومنْ يلجأ لبابكَ لا يَخيبُ
جمال الشعر الصوفي ههنا يتجلى في إثبات القرب قبل الوصل، فالمحبوب، عز وجل، قريب قبل التقرب إليه، وقبل أن يطرق الشاعر بابه طلباً للوصل، فأي مقام من مقامات القرب يطلب المحب؟ فلقد أثبت قربه، ويريد قرباً مزيداً. هذا المزيد نفسه لا نستطيع أن نقول إنه لن يتحقق طالما أنه متحقق أصلاً! لأن الشاعر يؤكد أنه قرب آخر، وممكن، لأن من يلجأ لباب الله، سبحانه وتعالى، في كل الأحوال لا يخيب أبداً. أليس هذا موقفاً غريباً؟
يجيب الشاعر عن استغرابنا من طلب القرب إلى حبيب قريب في الأصل بالقول:
ولَسْتُ بمحدِثٍ أمراً غريباً ولَسْتُ أنا علىَ البابِ الغَريبُ
كيف إذاً ورب السماء؟ أليس هو الوجد الصوفي صرفاً، وإنها لمواقف وتجليات يجل وصفها، بدليل أن الشاعر عبّر عن التطيب بالذكر وليس التقرب به فقط:
أتيتُكَ والهاً دنِفاً مَشوقاً حَبيبي أنْتَ يا نِعْمَ الحَبيبُ
إن حب الذات الإلهية عبادة تسمو على العبادات، بل إن سائر العبادات تفلح إن أورثتك التعلق بالله حد الشغف والوله والوجد، ولعل ذلك ما كانت تعنيه الدنفة المشوقة رابعة العدوية حينما أنشدت تقول هي الأخرى:
أحبك حبين: حبَّ الهوى وحباً لأنك أهل لذاكا
ومما يستلفت في قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد محل التأمل هنا »ابتهال وقفت أمام بابك« أنها مموّجة، بمعنى أنها تخرجك من الصوفية المحضة إلى الشعر المحض وفسيفساء اللغة، ومن علم الحقيقة إلى علم الشريعة، وهذه الالتفاتة الأخير نلمسها في خواتيم القصيدة، حينما تجنح القصيدة نحو عالم الشهادة، ومن التوق إلى الملكوت ومناجاة الذات العلية إلى بوح الواقع المعيش، حيث يخاطب ربه بلغة الواقع الموضوعي الملموس.
إلى أن يقول معترفاً بآلاء الله عليه ككل عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا:
خَلَقتَ رزقتَ صُنتَ وهَبتَ جوداً غَفَرتَ رحمتَ فَضلُكَ لا يغيبُ
وهذه لعمري انتباهة مهمة، خاصة لمن شاء أن يزجي دعوته إلى عامة الناس وخاصتهم معا، مستحثاً خطى القرب إلى الله عز وجل، ثم إليه تارات وتارات، من خلال الترقي في المقامات، ولا يمكن بلوغ الحقيقة وحق اليقين دون المرور عبر الصراط المستقيم، المبين للقاصي والداني، وذلك هو مقصد قوله: تخذنا شرعة الإسلام نهجاً. فأنعم به من نهج، هذا من تأويل ما لمسناه.