في زمن الثمانينات، كان الليلام (البائع المتجول) يحمل بقشته الشهيرة خلف ظهره، ماسكاً إياها بيديه الاثنتين لثقلها الزائد، لأنها تحتوي على أنواع كثيرة من الأقمشة الملونة والسادة بمختلف الخامات من أقطان وحراير وغيرها، وكان يمر بها على بيوت السكان للبيع من خلال فتحها وعرض ما بداخلها.

في ذلك الزمن كان «الليلام» في الغالب من الجنسية الآسيوية، وكانت سيدات الحي يترقبنه في فترتي الصباح أو العصر، وهو يطوف بين سكك المنازل وينادي «ليلام.. ليلام» ويتسابقن فيما بينهن لإدخاله منزل إحداهن وحضور باقي الجارات للتبضع من بقشته، وكل منهن عينها تسبق الأخرى لاختيار ما يطيب لها مـن الأقمشة وقطــع الخامـات المتنوعـة.

ذلك البائع ترتسم على وجهه علامات الفرح والسيدات يحطن ببقشته ويتسابقن لشراء بضاعته التي نالت إعجابهن، مطمئنا إياهن بأنه سيحضر المزيد والأجمل خلال زيارته المقبلــة.

وهنا يخرج «الليلام» أي البائع دفتره وقلمه يسجل طلباتهن والحساب للواتي لم يدفعن وكم قيمة مشترياتهن، وهي عادة لدى معظم الباعة المتجولين الذين كانوا يمتلكون مرونة في تعاملاتهم المالية خاصة مع عملية الدفع، وذلك لتسويق مبيعاتهم في تلك الفترة من الزمن، فلا يعسرون الأمر ويتركون خيار الدفع بالحساب أمراً يسيراً، فتجد السيدات فيه أمراً مريحاً، باختيار ما يرغبن به ودفع النقــود للبائــع بالأقســاط المريحــة.

هذه الفترة كانت فيه المرأة الإماراتية تنهض منذ ساعات الصباح الباكر لتهتم بشؤون منزلها وأطفالها وزوجها، فلا تمتلك وقتاً كافياً للذهاب للسوق الذي كان يبعد عن الأحياء مسافة بعيدة، فالبائع المتجول هنا، وجدت فيه سيدات الحي فرصة ممتازة لشراء الملابس دون عناء أو تكبد مشقة الذهاب للسوق، فالأمر هين، حيث يمكنهن طلب ما يرغبن به من «الليلام» لجلبه لهن خلال زيارته المقبلة من عطورات او أغطية للرأس وغيرها من المستحضرات التي تهم النساء.

جلسة الليلام وهو يفترش الأرض ببضاعته هي جلسة لسيدات الحي وفسحة للترويح عن أنفسهن وهن يخترن ما يجذبهن من بضاعة، يتبادلن فيها الآراء بين بعضهن البعض حول الألوان ونوعية القماش بقلوب مليئة بالفرح والرضا والقناعة.

في الماضي الجميل كانت سيدات الحي يخترن قطع القماش مع بعضهن البعض، ويذهبن للخياط معاً لاختيار الموديل المناسب.. مشاعر صافية وروح تعشق البساطة، هي تلك الحقبة من ذلك الزمان الرائع الذي يفوح برائحته الطيبة وعبير ذكرياته الجميلة.