لمشاهدة الـ PDF أضغط هنا

اكتسبت ترجمة التشريعات أهميتها من حاجة الأفراد والمؤسسات في المجتمعات المنفتحة، التي تتنوع فيها الثقافات واللغات إلى الاطلاع على القوانين، التي تحكم عملهم وأنشطتهم وحياتهم اليومية، إضافة إلى حاجة المتخصصين لدراسة ومقارنة تشريعات المجتمعات الأخرى، بهدف اتباع أفضل الممارسات التشريعية، والاستفادة من تجارب الدول الأخرى، وبخاصة الدول المتقدمة.

كما تبرز أهمية ترجمة التشريعات عند الدول، التي تسعى إلى تعزيز اقتصادها وتنويع مصادر دخلها بالانفتاح على العالم وتبنّي سياسات تشريعية واقتصادية متطورة، تنجح في جذب الاستثمارات الدولية واستقطاب السياحة ورؤوس الأموال من جميع أنحاء العالم، ويعتبر إتقان اللغة والإلمام بالأنظمة القانونية ركيزتا ترجمة التشريعات.

متطلبات

وقال تامر عبدالعزيز شرشر، مترجم قانوني أول في الأمانة العامة للجنة العليا للتشريعات في دبي، تعد ترجمة التشريعات من أكثر أشكال الترجمة المتخصصة تعقيداً، فهي تتطلب معرفة من نوع خاص وممارسة قد تمتد إلى سنوات من التحصيل والصبر والمثابرة حتى يُدرك المترجم غايته، ويستطيع ترويض اللغة التي يترجم إليها، لتصبح أداة مرنة يرسم بها حدود ومعالم النص التشريعي، الذي بين يديه.

وأضاف أن اللجنة العليا للتشريعات في إمارة دبي هي الجهة المختصة بإعداد الترجمة الرسمية للتشريعات المحلية، التي ترى ضرورة أو فائدة من ترجمتها إلى اللغات الأخرى، وذلك بموجب مرسوم إنشائها رقم 23 لسنة 2014.

 وأوضح أنه يمكن للجهات الحكومية في إمارة دبي في حال رغبتها في الحصول على ترجمة التشريعات النافذة في الإمارة التواصل مع الأمانة العامة للجنة العليا للتشريعات لطلب التشريع المراد ترجمته، من خلال تعبئة نموذج طلب ترجمة تشريع، حيث قامت اللجنة منذ إنشائها بترجمة 213 تشريعاً.

تحديان

وبيّن شرشر أن مترجم النصوص التشريعية يواجه تحديين أساسيين، الأول يتمثل في الفهم الصحيح لمدلول النص الأصلي، وظلال معانيه ومقصد المشرّع منه، لذلك ينبغي على المترجم استيعاب ذلك النص وتكوين إدراك كلي لمعاني عباراته ومصطلحاته، وهذا يتطلب أن يكون المترجم على دراية بقواعد اللغة، قادراً على تحليل ألفاظها ومصطلحاتها وفهمها في السياق، الذي ترد فيه.

وهنا قد تبرز مشكلة الاستخدام الاصطلاحي والدلالة القانونية للكلمات والعبارات المختلفة، فالكلمات التي يكون لها معنى لغوي مباشر أو معروف قد يكون لها مدلولات اصطلاحية تشريعية متخصصة، وقد يختلف معناها باختلاف موضوع التشريع ذاته، لذلك تترجم وتفسر في ضوء قواعد التفسير القانوني العامة مع الأخذ في الاعتبار قصد المشرّع منها وغرضه من النص التشريعي بأكمله.

مدلولات

والتحدي الثـــــاني والأهم هو فهم النص التشريعي في ضوء طبـــيعة ومصطــــلحات النــــظام القانوني في البلد، الذي صدر فيه التشريع وفي البلد أو البلدان التي يتـــــرجم إلى لغتها، حيث لا يخفى على الجـــميع أن النــظام القانوني يخـــــتلف من دولة إلى أخرى ومن مكان لآخر، بحيث يكون لزاماً على المترجم أن يحـــيط بمــــعاني ومدلولات المصــــطلحات القانونية في لغة النص التشريعي، الذي يتــــعامل معه، وفي اللغة المستـــهدفة التي يترجم إليها.

والنص التشريعي يحمل بالطبع خصائص النظـــام القانوني والتشريعي للمكان الذي صدر فيه، وبالتالي يحتاج إلى متخــــصص بارع في اللغة، وعلى دراية كافيــــة بالــقانون لتحليله واستيعابه وترجمتـــه بشكل دقيق، كما ينبغي أن يضع المترجم نصب عينيه ضرورة الحفاظ على سلاسة ووضوح النص، ومراعاة قواعد الصيــــاغة القانونية في اللغة التي يترجم إليها، حيث إن وضوح الصــــياغة هو أهم ما يميز اللغة القانونية، ولغة التشريعات على وجه الخصوص.

خبرات

وأوضح أنه ينبغي على مترجم التشريعات إضافة إلى خبرته ودراسته اللغوية أن يجتهد في الإلمام بالقانون وقواعد الصياغة القانونية، من خلال الدراسة وخوض الخبرة العملية في مجال الترجمة القانونية المتخصصة.

كما أشار إلى الجدل القديم الذي ثار بين المتخصصين عما إذا كان الأفضل أن يكون المترجم القانوني متخصصاً في القانون أم متخصصاً في اللغة، أو بعبارة أخرى هل يفضل أن يكون مترجماً قانونياً أم قانونياً مترجماً. وقد برع في الترجمة القانونية، وترجمة التشريعات على وجه الخصوص العديد من القانونيين العرب، الذين أحبوا اللغة وأتقنوها وأضافوا إلى الترجمة بخبرتهم وتخصصهم في مجال القانون.

ولا غنى لمترجم النص التشريعي عن أمرين، أولهما إتقان قواعد وخصائص اللغات التي يتعامل معها، وثانيهما الدراسة المتخصصة والاطلاع الواسع في مجال القانون والأنظمة التشريعية المختلفة، حتى يكون متمكناً من أدواته، قادراً على فهم النص التشريعي والتعامل مع مشكلات ترجمة النصوص التشريعية ومعضلاتها.