من نوادر القصص والحكايات؛ أن نجد في يومنا هذا من يعير «الكاجوجة» شيئاً من اهتمام حظيت به في ماضٍ جميل، أو يخصص لها وقتاً من يومه، خلافاً للوالدة عزيزة عبدالله الكعبي من إمارة الفجيرة التي لاتزال تمارس هذه المشغولات النسائية وتستعيد بها ذكريات جميلة تؤنسها في وقت فراغها، حيث تستمتع بقضاء أي وقت من يومها ولو كان يسيراً في سف خيوط «التلي» على وسادة «الكاجوجة» خاصتها، التي تحرص على مرافقتها في كافة أركان المنزل، لتمارس بها شغف الموروث في حياكة خيوط «التلي» الجميلة.
جلسات
وتوضح الوالدة عزيزة أن للمشغولات النسائية متعة لا تعرفها إلا النساء اللاتي عاشرن الجلسات الحميمية التي كانت تجمع القريبات والجارات وقت الضحى أو العصر أمام البيوت أو في المجالس؛ في لقاءات مميزة للحديث والتسامر تخالطها المشغولات اليدوية والمنتجات التراثية الأنيقة التي أبدعتها أيادي النساء الإماراتيات.
وكانت النساء قديماً يحرصن على استغلال أوقات الفراغ بالصورة الأمثل، فمنهن من كانت تسف خيوط التلي على الكاجوجة، وسواهن يعملن في المشغولات السعفية وأخريات يبدعن في الخياطة وصناعة البراقع، حتى بدت المجالس النسائية وكأنها ورش حية للصناعات والحرف اليدوية، حيث تتعلم الفتيات الحرفة والمهارة من أمهاتهن في الجلسات.
جدائل
وتتحدث عزيزة عن «التلي» الذي شغفها حباً ومهارةً، باعتباره من الحرف النسائية التي ميزت المرأة الإماراتية، لاسيما في تزيين ملابسها، ويعد «التلي» أحد فنون التطريز التقليدية، وهو عبارة عن جدائل من خيوط القطن البيضاء وأخرى من الفضة اللامعة أو الملونة تتشابك مع بعضها في أكثر من طريقة ونوع لتنتج جدائل من التلي بأنواع مختلفة وجميلة.
وأضافت: لحياكة خيوط التلي استخدمت «الكاجوجة» وهي الأداة الرئيسية لسف خيوط التلي، عبارة عن وسادة تثبت على قاعدة معدنية على شكل قمعين متلاصقين من الرأس، وتحتوي على حلقتين على طرفيها من الأعلى لتثبيت الوسادة الدائرة التي تُلف عليها الخيوط القطنية مع الملونة لعمل التلي. ومنها تحاك «البادلة» وتوضع هذه الأشرطة على أكمام وياقات الأثواب والسراويل النسائية.
آلية
وتشرح المواطنة عزيزة الكعبي؛ طريقة سف التلي وتقول: لابد أن يكون الخيط الرئيسي من الخوص وهو عبارة عن خيط لامع من النايلون الصناعي، والخيوط الأخرى من الصوف الرفيع.
وكل خيط من الصوف يتكون من ستة خيوط ملفوفة على دولاب مدور من الخشب، و«التلي» يتكون من ستة دواليب من الصوف وواحدة من خيوط الخوص، تحاك بطريقة يدوية عبر تحريكها بين الأصابع لتشكيل ظفيرة منظمة بشكل هندسي دقيق، أشبه بخلية نحل.
كما توزع دواليب الخيوط على الجانب الأيمن دولابان، وعلى الجانب الأيسر اثنان آخران، وفي الوسط دولابان، بالإضافة إلى دولاب الخوص. ويتم سف الخيوط مع بعضها البعض بطريقة تداول الخيوط على محور الوسط بطريقة مختلفه حسب نوع الشكل المطلوب.
إخلاص
ظلت الوالدة عزيزة الكعبي،إلى يومنا هذا؛ مخلصة للمشغولات اليدوية وعاشقة لممارسة الحرف التقليدية في أوقات فراغها، وهي تقول: لا أبحث من وراء هذه المنتجات عن العائد، حيث أصبح المنتج الصناعي المنافس أجود وأكثر تنوعاً، إلا أنني أستمتع بشغل وقتي وسط أبنائي وعائلتي بممارسة هذه المشغولات التي تجعلني أسترجع ذكريات الزمن الجميل حيث أجيدها بمهارة عالية، وأنجزها شغف تنويع المنتج، ولا أستطيع أبداً مفارقة هذه الحرف الموروثة والتي أفخر بها كثيراً.
