لم يمنعهم طيف التوحد الذي ألَمَّ بهم من أن يدخلوا عالم الإبداع والتميز والتفوق، متسلحين بإرادة لا تعرف المستحيل، فلا مكان له في قاموسهم، ومهارات لا ترضى بالإعاقة، فلا تأثير لها في حياتهم، إنهم ثلاثة مواطنين استطاعوا قهر التوحد بإبداعات فنية ورياضية وتصميمات عبقرية، تقول للمجتمع إن إسهامنا الإيجابي لا يقلّ عن إسهام غيرنا وحضورنا الإبداعي ليس بعيداً عن زملائنا الأسوياء.

لوحات مبدعة

الشاب الإماراتي حمد محمد سالم العامري، الذي يعاني طيف التوحد، يعد فناناً بمعنى الكلمة، فهو مبدع في رسم «البورتريه» بشكل خاص، مستخدماً قلم الرصاص، فأينما جلس سواء في منزله أو في مركز العين لرعاية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، فإنه ينسجم تماماً مع قلمه وأوراقه البيضاء لرسم لوحاته الفنية التي يستلهم أفكارها من محيطه، ويعيش مع كل لوحة قصة عشق لا تنتهي، لتتولد عنها لوحات مبدعة. لم لا؟ وهو يقر دائماً بأنه على الرغم من أنه يعاني طيف التوحد، فإنه يتحدى المستحيل وأصبح فناناً.

وأوضحت والدته فاطمة منصور العامري أن ابنها حريص على التوفيق بين هواياته، خاصة الرسم، حيث بدأ بممارسة هذه الهواية حينما كان في الرابعة من عمره، إلى جانب حرصه على مواعيد الصلاة، والالتزام في ورشة الطباعة في مركز العين لرعاية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، التابع لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية.

كما أنه لم يستسلم لطيف التوحد الذي يعانيه، وإنما ظهر تميزه جلياً في استخدام الحاسب الآلي والأجهزة التقنية الأخرى، إلى جانب شغفه في العزف على البيانو.

وقالت: «يمتلك ابني حمد شهادة علمية للصف التاسع فقط، وتمنيت كثيراً أن ينهي المرحلة الثانوية، إلا أن المسؤولين في المدرسة أقروا بعدم استيعابه لمنهج الصف العاشر، نظراً إلى طيف التوحد الذي يعانيه، ولا أتمنى له سوى حياة كريمة، ومستقبل باهر وسعيد».

دعم وتشجيع

بدورها، أوضحت نعيمة البلوشي، معلمة تربية فنية بقسم الأنشطة في مركز العين لرعاية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، أن لوحات العامري تعكس القوة في الخطوط وفي اختيار الألوان. مضيفة: «حرصنا في المركز على تنمية موهبته من خلال إشراكه في المعارض الفنية التي يتم تنظيمها، سواء داخل المركز أو خارجه، ولله الحمد، فإن جميع لوحاته تنال إعجاب من يبصرونها، ونظمنا له أخيراً معرضاً في الفوعة مول كان برعاية مدرسة الفوعة للتعليم الأساسية، الحلقة الثانية، وذلك ضمن فعاليات (عون) للخدمة المجتمعية».

مبتكر 2015

أما الطفل أحمد النيادي، الذي يبلغ من العمر 13 عاماً، وهو طالب في الصف السادس بمدرسة سلطان بن زايد آل نهيان، ويعاني اضطراب التوحد، فحقق إبداعاً لا حدود له في مجال اختراع وتركيب الروبوتات وتصميمها بشكل مذهل، من خلال الاستعانة بمكعبات «الليغو».

وأوضحت والدة النيادي أنه بدأ في ممارسة هواية تجميع الروبوتات منذ أن كان في السادسة من عمره، وكان آخرها الروبوت «EV3» الذي يمكن تحريكه بالريموت كونترول. وليس هذا فحسب، إذ نجح النيادي أيضاً في صنع أشكال مختلفة من الروبوتات، فمنها ما يطلق أصواتاً، ومنها من يكتفي بالحركة فقط. كما حاز النيادي لقب مبتكر 2015 في المسابقة التي نظمتها لجنة أبوظبي لتطوير التكنولوجيا.

ذاكرة تصويرية

في حين يتمتع الطفل عبد الله النيادي، البالغ من العمر 8 أعوام، وهو طالب في الصف الثاني بمدرسة النهيانية، الحلقة الأولى، بقدر كبير من الذكاء يخوّله لحفظ الأرقام وحل العمليات الحسابية، إلى جانب قدرته على القراءة السريعة، وحفظه عدداً من سور القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وأيضاً القراءة التحليلية والكتابة بطلاقة، إضافة إلى إتقانه اللغتين العربية والإنجليزية كتابةً وقراءةً.

 كما تميز في ممارسة رياضة السباحة، محققاً الكثير من البطولات من خلال دعم النادي الرياضي لفندق روتانا في مدينة العين. وأخيراً لاحظت والدته اهتمام عبد الله النيادي بعلم الفلك، فأصبح يسأل عن المجرات والنجوم والكرة الأرضية.

وأوضحت والدته أن الأطفال الذي يعانون اضطراب التوحد ليسوا عالة على المجتمع، ولا حتى عبئاً عليه، وإنما جزء أصيل منه، ويمتلكون مواهب وقدرات وإبداعات يمكنهم توظيفها إيجابياً لو وجدوا من يساعدهم ويشجعهم على إخراجها للنور وإدماجهم في المجتمع، ومنحهم حقوقهم، وعدم عزلهم عن باقي مكونات المجتمع.