تستعد بلدية دبي في الفترة القليلة المقبلة، لتحويل الأسواق العشوائية غير المرخصة بمناطق سكن العمال، إلى أسواق نظامية، ومن دون أي تكلفة بيع أو تأجير للمصاطب والبسطات، شريطة تسجيل اسم العامل ومعلوماته الشخصية بسعر رمزي، لمعرفة مدى أهليته للعمل في السوق، وإذا ما كان مطابقاً لقوانين وتشريعات الإقامة في الدولة.

وفي السياق، نظم فريق متكامل من قسم الطوارئ البيئي، وإدارة الأسواق، والعمليات وخدمات النظافة في إدارة النفايات في بلدية دبي، وقسمي التحري وتفتيش المنشآت في الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب، والإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، حملة للتفتيش على السوق العشوائي في سكن العمال في محيصنة 2، حيث رافقت «البيان»، فريق الحملة الذي تمكن من إتلاف 50 طناً من الأغذية وضبط 19 شخصاً، وهم باعة غير مرخصين، بينهم مخالفون لشروط الإقامة، وذلك بعد هروب عدد كبير من البائعين، بعد أن أبلغهم «حراس السوق» بقدوم فريق الحملة.


خطر كبير


وقال المهندس مروان المحمد مدير إدارة الصحة العامة والسلامة في بلدية دبي لــ «البيان»، إن خطوة إنشاء أسواق نظامية، جاءت بعد الحملات التفتيشية والمداهمات التي تنفذها البلدية باستمرار على الأسواق العشوائية التي تبيع الفواكه والخضار التالف دون ترخيص أو فحص من قبل إدارة الرقابة الغذائية، إضافة إلى عمليات الذبح من قبل العمال غير المرخصين أو المؤهلين، ما يشكل خطراً على صحة المستهلكين.


وأوضح المحمد أن تلك الأسواق تباع فيها أسماك لا يعرف تاريخ صيدها ولا مصدرها، فضلاً عن بيع أفلام وإلكترونيات مقلدة مما لا يسمح به القانون، إضافة إلى الخمور، ومادة البان المخدرة، والعديد من الأطعمة التي يقوم العمال بتحضيرها في الهواء الطلق، وبمكونات لا تصلح للاستهلاك الآدمي، ما يشكل خطراً كبيراً على صحة آلاف العمال.

أغذية مخالفة


وقال المحمد «لا تهدف البلدية من تلك الحملات، إلى حرمان هؤلاء العمال من شراء بضائع رخيصة، بل تسعى إلى ضمان صحتهم وسلامتهم، خصوصاً أن جميع الحملات ونتائجها، أسفرت عن وجود أغذية مخالفة تماماً لشروط الصحة والسلامة العامة، في إمارة لا ترضى إلا باتباع أفضل المعايير المعتمدة عالمياً، والتي من شأنها ضمان صحة وسلامة المستهلك تحت أي ظرف».


وأضاف «وجّه المهندس حسين لوتاه مدير عام بلدية دبي، بتوفير البدائل لهذه الأسواق التي تجذب آلاف العمال، نظراً لرخص البضاعة المباعة، كونها غير خاضعة لرسوم محال تجارية أو تكلفة إيجارية، أو معاملات رسمية، وهو ما ستوفره البلدية لهم من خلال عدة أسواق في الأماكن الرئيسة لمساكن العمال التي تقام فيها الأسواق العشوائية».


وأشار إلى أن هذه الإجراءات ستجد حلاً جذرياً لهذه المشكلة، وتقضي على الممارسات غير الصحية، وستوفر مكاناً للبيع تحت رقابة وإشراف المفتشين من مختلف الإدارات المعنية، سواء من إدارة الصحة العامة والسلامة، أو الرقابة الغذائية، أو النفايات، أو غيرها، لضمان سير العمل وفق المعايير العالمية لضمان صحة العمال، وطرق تعاملهم مع الأغذية، والأماكن التي يتم إحضار الأغذية فيها، إضافة إلى نظافتهم الشخصية، والتأكد من خلوهم من أي أمراض، حيث سيتم تسجيل بيانات كافة الراغبين في ممارسة البيع في السوق، للتأكد من هوياتهم ومطابقتهم للشروط.

تنسيق


وذكر المحمد أن إدارة الصحة العامة والسلامة في البلدية، تعمل حالياً على التنسيق مع مختلف الإدارات، منها إدارة التخطيط، لاختيار الأماكن المناسبة لبناء السوق، وإدارة المساحة، لإصدار الخرائط، وإدارة المشاريع، لعمل التصميمات المبدئية اللازمة، وإدارة الممتلكات، لوضع خطة سير عمل تنظيمية للسوق عند افتتاحه، وسيتم عرضها على مدير عام البلدية قريباً لاعتمادها.
ولفت إلى أن السوق سيتم تصميمه بحيث يتضمن مظلات، وأرضيات مناسبة لنوعية الأنشطة.

باعة غير مرخصين


وفي ما يتعلق بحملة التفتيش على السوق العشوائي في سكن العمال في محيصنة 2، فقد بدأت المهمة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة الماضي، واستهدفت ضبط المخالفين لشروط الإقامة في الإمارة، والبائعين المتجولين والقصابين والحلاقين غير المرخصين، وبائعي الأفلام والأقراص المدمجة والكهربائيات المقلدة.


للوهلة الأولى، يبدو المكان، الذي يضم 5 آلاف عامل تقريباً، كأنه سوق شعبي عادي، تباع فيه الخضار والفواكه، إلى أن تقترب من الصورة أكثر، لترى التفاصيل التي لا يمكن أن تسر أي إنسان، فالبضائع لا تمُتّ للإنسانية بصلة، كلها بقايا فواكه وخضراوات تالفة، أو على الأقل نصف تالفة، تم رميها في سوق الخضار والفواكه، وجلبها عدد من العمال لبيعها بأسعار أرخص بكثير من سعرها بالسوق الأصلي، وهو ما يغري هؤلاء العمال بالشراء، بالقرب منها صناديق تحوي بيضاً منتهي الصلاحية، والتاريخ يبدو واضحاً للعيان، إلا من عدد محدود، تم إعادة طباعة تاريخ جديد فوق القديم لإغراء الآخرين بالشراء، حيث تم ضبط صاحب تعديل التاريخ قبل إنهاء مهمته.


دجاج مقطع على طاولة خشبية، والدماء في كل مكان، السكين والأدوات بعد أن هرب البائع وتركها خلفه، لا تطمئن على الإطلاق، ولا تبدو أنها نظيفة، أو حتى على الأقل صالحة للذبح، بجانبها ذبائح من ماعز وأغنام مرمية على الأرض، يلوثها التراب، وتتجمع أكوام الذباب عليها، إضافة إلى أكوام أخرى، وجدت في الأسماك ملاذها، على الرغم من الرائحة العفنة التي تصدر من المكان بكامله، والتي من شأنها أن تطرد أي إنسان يخاف على صحته، مهما كان الثمن.

حراس السوق


يتفنن البائعون بتقديم بضائعهم وتزيينها حتى يتم بيعها، فمنهم من يطبخها فوراً، فلا يدرك المستهلك كيف تم تحضيرها، وآخرون يقومون بالشواء على خشب من بقايا بناء، والأسوأ من ذلك، من يقومون بعمليات قلي المعجنات والمأكولات المختلفة في زيت لم نتمكن من تمييزه، حتى أفادنا أحد المفتشين بذلك.


في الطرف الآخر من مكب النفايات، الذي يتوسط السوق، وتنتشر حوله الحشرات والزواحف، يقع حلاق السوق، أدواته: كرسي قديم، ومشط واحد للجميع، وشفرة حلاقة واحدة، والواقفون في طابور الانتظار، لا يدركون، بكل أسف، حجم الأمراض التي قد ينقلها موس واحد يحلق لمئات الأشخاص.


بمجرد دخول فريق الحملة إلى السوق، وعلى الرغم من أن أياً منهم لا يرتدي زيه الرسمي، الكل يبدو وكأنه مشترٍ، وكذلك فريق «البيان»، إلا أن «حراس السوق»، الذين يجلسون على مداخله المختلفة، يعرفون أشكال القادمين من خارج المنطقة، على الرغم من اكتظاظها بالعمال، يركضون لإبلاغ البائعين، فيهرب الجميع، إلا 19 منهم، تمكن الفريق من ضبطهم، وهم باعة غير مرخصين، بينهم مخالفون لشروط الإقامة، أو هاربون من كفلائهم.


بعد مغادرة الجميع، يبقى السوق برائحته النتنة، وجميع الأدوات التي تركها العمال الهاربون على الأرض، والنيران المشتعلة، وبقايا الطعام، وبسطات الفاكهة والخضار، وكرسي الحلاق وأدواته الملوثة، بانتظار عمال البلدية وسيارات التحميل، لتنقلها كلها دون استثناء أي شيء منها إلى مكب النفايات.


بقي الفريق كاملاً حتى تم إتلاف 50 طناً من الأغذية، وضبط المخالفين، حيث استغرق العمل ما يزيد على 6 ساعات، بجهود مضاعفة من جميع الجهات المشاركة.



3
أماكن


أكد محمد عباس مدير مكتب الطوارئ البيئي في بلدية دبي، الذي رافقته «البيان» خلال الحملة، أن الحملات التفتيشية لا تهدف إلى ظلم هؤلاء العمال أو قطع أرزاقهم، مشيراً إلى أنه على الرغم من كثرة التوعية التي تقوم بها البلدية، والحملات التي تنفذها باستمرار، إلا أن الباعة يعودون كل مرة، دون أدنى خوف أو حذر.


وأوضح أن الأسواق العشوائية غير المرخصة، والتي تقدم جميع أنواع الأغذية غير الصالحة للاستخدام، تقع في 3 أماكن رئيسة في الإمارة، هي جبل علي الصناعية، والقوز، ومنطقة محيصنة، وكل من تلك المناطق، تضم من 3 إلى 4 أسواق بنفس الطريقة والمواصفات.