تتضمن عملية الصياغة التشريعية في إمارة دبي ثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى تتضمن الدراسة التي يتم خلالها تحديد الأسباب الموجبة، وتحضير المادة الفنية للتشريع.
وتأتي بعدها المرحلة الثانية، وهي الصياغة، حيث يتم في هذه المرحلة تحديد الأداة التشريعية للموضوع المزمع تنظيمه قانونياً، وتجسيد الحاجة لوجود التشريع في قالب قانوني منضبط يحقق الأغراض التي يسعى التشريع لتحقيقها ويلبي ما تم تحديده في الأسباب الموجبة له؛ وعملية التجسيد هذه تتبلور في شكل مسودة مشروع التشريع المزمع إصداره.
وآخر هذه المراحل الإصدار، وتتولى هذه المرحلة السلطة التي تملك قانوناً هذه الصلاحية، وهي بالنسبة لإمارة دبي صاحب السمو حاكم دبي بالنسبة للقوانين والمراسيم والقرارات والأوامر، وسمو رئيس المجلس التنفيذي بالنسبة للأنظمة والقرارات التي تصدر عن المجلس التنفيذي للإمارة، والمديرون العموم للجهات الحكومية ومن في حكمهم بالنسبة للقرارات التنظيمية والقرارات الإدارية والتعليمات واللوائح التنظيمية والتنفيذية. وفي هذه المرحلة تقوم السلطة المختصة باعتماد التشريع بصيغته النهائية وتمنحه القوة القانونية الملزِمة، وهذه المرحلة تشمل، إضافة إلى اعتماد التشريع، إصداره، وذلك من خلال تحديد رقم الإصدار وتاريخه، وبعد ذلك نشره في الجريدة الرسمية.
أداة فاعلة
يقول محمد صلاح العطيوي، مستشار قانوني أول، رئيس المكتب الفني بالأمانة العامة للجنة العليا للتشريعات في إمارة دبي: إن التشريع يسمح للمجتمع أن يختار مستقبله، فهو مصنوع دائماً في الماضي من أجل تطبيقه في الحاضر حتى يأخذ المجتمع شكلاً ما في المستقبل، مبيناً أنه يُنظر إلى التشريع على أنه أداة فاعلة في تنظيم المجتمع، ووسيلة هامة لتحقيق الرفاهية والنمو والاستقرار له، وذلك من خلال ضبطه لسلوك الأفراد وحماية حقوقهم، وتنظيم القطاعات الحيوية، وإنشاء المرافق العامة القائمة على إدارة تلك القطاعات وحمايتها وضمان ديمومتها واستمرارها، وكذلك تنظيم حصول الأفراد على الخدمات التي تقدمها تلك المرافق بعدالة ومساواة.
فالتشريع وفقاً لهذه النظرة يعتبر بحق المرآة التي تظهر مدى التطور الذي يشهده المجتمع، ويعكس الأهداف والخطط الاستراتيجية للدول وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية.
قواعد قانونية
ويضيف: إن كلمة الصياغة في اللغة مصدرها «صاغ»، وصاغ الشيء أي هيأه على مثال مستقيم، وصاغ الكلمة أي بناها من مجموعة من الأحرف على هيئة مخصوصة، والصيغة هي النوع أو الأصل، ويقال صيغة الأمر أي هيئته التي بُني عليها، و«صياغة التشريعات» تعني خلق القواعد القانونية وبناؤها على هيئة مخصوصة وفقاً لقواعد مضبوطة، بهدف تلبية حاجة تستدعي التنظيم في سلوك الأفراد والهيئات على نحو ملــزِم.
ويقول: إن صياغة التشريعات فن لا بد لتمام معرفته من دراسة مستفيضة وتجربة طويلة، فلا بد لمن يمارس هذا العمل أن تكون لديه مقدرة كبيرة من العلم والمعرفة في علم القانون وأصوله، عارفاً بتاريخ القانون وتطوره، مدركاً ظروف الزمان والمكان والبيئة التي نشأت فيها القواعد القانونية السابقة، قادراً على التفرع منها إلى الأصول التي هو راغب أو مكلّف بوضع حلول لها على شكل قاعدة قانونية من صفاتها العموم والتجريد والإلزام.
وهناك متطلبات أساسية لا بد من توفرها لصياغة التشريع، ولعل من أهمها: وجود جهة متخصصة في صياغة التشريعات، تعنى ببناء القواعد القانونية وصياغتها، وذلك لضمان سلامة العملية التشريعية من حيث الضبط والصياغة، وهذه الجهة موجودة في إمارة دبي، وهي اللجنة العليا للتشريعات المنشأة بموجب المرسـوم رقم (23) لسنــة 2014.
كذلك توفر كادر بشري مؤهل قادر على النهوض بالعملية التشريعية على الوجه الذي يضمن الإسهام في بناء النظام القانوني بصورته المرغوبة، ويحقق الاستقرار في الخدمات المقدمة بفعالية وتميز، والكادر المطلوب لهذه الغاية هو الذي يمتلك التأهيل العلمي والاحتراف المهني القائم على تجربة طويلة، ومعرفة واعية بفقه التشريع وأصوله، ومصادر التشريع والثقافة القانونية السائدة في البيئة المحيطة، ويمتلك فنون التحليل والكتابة، وهذا الكادر متوفر في دبي من خلال المستشارين القانونيين الذين تزخر بهم الجهات الحكومية في الإمارة، بمن فيهم مستشارو الأمانة العامة للجنة العليا للتشريعات.
ومن بين هذه المتطلبات وجود دراسة دقيقة للموضوع الذي سيتناوله التشريع، وتحديد واضح لأسبابه الموجبة، ومادة فنيّة تشكّل الهيكل الأولي له، حيث إنه استناداً إلى هذه المتطلبات يمكن لصانع التشريع أن يبني القواعد القانونية للموضوع المراد تنظيمه.
اعتبارات
ويشير المستشار محمد صلاح العطيوي إلى أن صياغة التشريع تتطلب مراعاة العديد من الاعتبارات، أهمها: تحديد ماهية التشريع وأغراضه وبيان الأهداف المراد تحقيقها منه، وتحديد العلاقة بين التشريع المقترح والتشريعات السارية، وذلك لضمان أن تكون نصوصه منسجمة مع النصوص ذات الصلة في تلك التشريعات.
وكذلك تحديد الأداة التشريعية المراد إعدادها، إضافة إلى وضع مسودة تشريع ذات بُنية منطقية ومفهومة، وملبية للأغراض المرجوّة، وضبط محتوى النص من حيث الدقة والوضوح، فكما هو معلوم فإن للقاعدة القانونية خصائص لا بد من مراعاتها والتأكد من توفرها في القاعدة التشريعية محل الصياغة، حيث إنه لا بد من التأكد أن محتوى القاعدة يظهر منه أنها «قاعدة عامة مجردة وملزمة».
كما تتضمن هذه الاعتبارات بناء المواضيع التي سيتم معالجتها في التشريع المقترح بطريقة يراعى فيها الترابط بين التشريعات السارية والتشريع المقترح؛ بهدف تلافي أي تداخل أو تعارض معها، إلى جانب المحافظة على أسلوب ولغة واحدة للتشريع المقترح، فأسلوب الصياغة له أهمية كبيرة في تحويل مواد التشريع إلى مجموعة متماسكة من القواعد المنسجمة غير المتعارضة التي يسهل استخلاص الأحكام القانونية منها على الوجه الذي ينسجم مع أغراض التشريع.
ويجب أن تكون لغة التشريع سليمة وواضحة وصياغته بسيطة وموجزة، وأن تكون عباراته ذات دلالة قاطعة على المعنى المقصود منها بعيدة عن الغموض والإبهام، ويجب تجنب استخدام عبارات أو مصطلحــــات غير مفهومة أو غامضة أو متعارضة، علاوة على ضبــط التعريفات وذلك بتخصيص المعاني الدقيقة التي يرمي التشريع إلى فهم دلالة الكلمة أو العبارة منها، لذلك ينبغي استخدام التعريفات فقط عندمـــا يكــون معنى المصطلح مهماً لفهم وتطبيق التشريع المقترح أو إذا تم استخدام المصطلح بشكــل متكــرر فــي التشريــع.

