المكانة الاجتماعية «البرستيج»، قناعة تشبث بها كثير من الأشخاص، وأصبح مفعولها يأطر نمط حياتهم، فلا قرار يعتمد دون النظر للقيمة الاجتماعية، ولا ضرر أن يتغير مجرى الطموح إن تعارض مع مفاهيمها، وبسبب هذه النظرة السطحية التي قد تنطبق على الوظيفة أو التخصص أيضاً، قد ترجح كفة المكانة الاجتماعية على مبدأ المسؤولية الاجتماعية، الذي بدون شك يؤدي تجاهله إلى حدوث خلل في الخبرات، ونقص حاد في بعض أنواعها، كما هو الحال مع عزوف المواطنين عن دراسة طب التخدير، الذي لا تتعدى مخرجاته على مستوى الدولة، أربعة مواطنين تحدوا بإراداتهم جميع العقبات التي ما زال البعض يضعها حاجزاً عن دراسة هذا التخصص.
نظرة دونية
وعلى الرغم من الدور الحيوي والأساسي الذي يقوم به أطباء التخدير في تخفيف الآلام ونجاح العمليات الجراحية، إلا أن هناك جحوداً أو نظرة دونية خلفها قصور الإعلام، لعدم تسليطه الضوء على الأدوار الجبارة التي تقوم بها هذه الفئة، انعكس تأثيرها سلباً على المجتمع، الذي يبحث عن طبيب العظام أو الجراح الماهر، دون أن يكون ذكر لطبيب التخدير الذي هو في حقيقة الأمر، العصب الرئيس للعمل الطبي، وبدونه لا يمكن أن تجرى عملية واحدة.
«البيان» رصدت أسباب عزوف الأطباء المواطنين عن دراسة التخدير، والتحديات التي يواجهها هذا التخصص، على الرغم من أهميته والحاجة المتنامية له، في ظل الزيادة المطردة للمؤسسات الصحية والمستشفيات في الدولة.
مهنة صعبة
الدكتور منصور نظري رئيس قسم التخدير في مستشفى راشد، قال إن النظرة الدونية للمجتمع تجاه أطباء التخدير، هي أحد أسباب عزوف المواطنين عن دراسة هذا التخصص النادر عالمياً، مشيراً إلى أن طبيعة مهنة التخدير، تعتبر من المهن الصعبة، لأن الطبيب يمضي وقته كله في غرف العمليات، ومسؤول مباشرة عن أي خطأ يحصل في عملية تخدير المريض، التي تخضع لعملية حسابية، تأخذ بعين الاعتبار طول وعمر ووزن المريض، والمدة الزمنية التي تستغرقها العملية.
وأضاف أن طبيب التخدير يرتبط عمله بالمستشفيات، ولا يمكنه فتح عيادة كباقي أطباء الأمراض الجلدية والأسنان وغيرهم، وهذا السبب يدفع أيضاً بالمواطنين إلى اختيار التخصصات التي تمكنهم من العمل مستقبلاً في عيادة خاصة أو مركز طبي، بحيث يكون له دخل ثانٍ إلى جانب الراتب الذي يتقاضاه من المستشفى الذي سيعمل به.
وأشار نظري إلى أن عدم وجود تخصص التخدير في كليات الطب في الدولة، يعتبر أيضاً من الأسباب الأساسية لغياب المواطنين والمواطنات عن تخصص التخدير، لأن البعض لا يحبذ الذهاب للخارج لدراسة التخدير، ويفضل دراسة تخصص آخر يحظى باحترام ومكانة في المجتمع، الذي ما زال للأسف ينظر بدونية لمثل هذه التخصصات، كما أن ضعف الامتيازات التي يحظى بها أطباء التخدير، لا تتناسب مع طبيعة المهنة وأهميتها.
عمود فقري
من جانبه، قال الدكتور خالد صالح علي اختصاصي أول تخدير بمستشفى دبي، إن نقص أطباء التخدير ظاهرة عالمية، وليست محصورة في نطاق معين، ولكن في الإمارات تبدو أكثر وضوحاً، خصوصاً أن عدد أطباء التخدير المواطنين يشكلون نسبة لا تكاد تذكر، مقارنة بعدد المستشفيات الحكومية والخاصة في الدولة، مشيراً إلى أن هناك أسباباً كثيرة، أدى تجاهلها إلى عزوف طلبة الطب المواطنين عن اختيار تخصص التخدير، يأتي في مقدمها ضعف دور الإعلام ومؤسسات المجتمع في تشجيع الأبناء على اختيار التخصص، الذي يعد بمثابة العمود الفقري لأي مستشفى، والذي في غيابه لا يمكن أن تجرى أي عملية أو يؤدي المستشفى دوره على أكمل صورة.
وأوضح أن النظرة الدونية لتخصص التخدير من قبل طلبة الطب، وحتى المجتمع، قلصت رغبة الولوج إلى هذا التخصص، الذي في حقيقة الأمر لا يقل شأنه عن سائر التخصصات الطبية الأخرى، مشيراً إلى أنه عند نجاح عملية لأحد المرضى، تجد مشاعر الثناء والشكر تتوجه إلى الطبيب أو الجراح الذي قام بالعملية، وليس طبيب التخدير الذي تكون مهمته دقيقة وفي غاية الخطورة، ولكن عند فشل العملية، فإن أصابع الاتهام الأولى ترفع في وجه اختصاصي التخدير.
معالجة فورية
وأشار صالح إلى أن الصورة الذهنية السائدة عن تخصص التخدير، تتطلب معالجة فورية، تبدأ بتغير نظرة الطلبة المواطنين، وتوعيتهم بالمسؤولية الاجتماعية التي يكون من ضمنها دراسة تخصصات دقيقة وصعبة، تخدم توجهات الدولة والمجتمع، وألا ينصب التفكير على الوضع المستقبلي أو القيمة أو المادية أو المعنوية التي يحصل عليها الشخص من الوظيفة التي يعمل فيها.
وأكد أن استقطاب الطلبة في تخصص التخدير، مهمة مشتركة، ومسؤولية يجب أن تبادر فيها المؤسسات من خلال توفير أجواء محفزة ومشجعة، تنعم بالاستقرار المادي والمعنوي، وذلك لكي تتكون صورة إيجابية تثير شغف طلبة الطب على اختيار تخصص التخدير.
وأوضح أن وضع أطباء التخدير في الوقت الراهن، بحاجة إلى ضخ مميزات وحوافز جديدة، قادرة على جذب الطلبة بقناعة إلى التخصص، وزيادة التثقيف حول أهمية هذا التخصص النادر، من خلال تقديم المحاضرات في المدارس والجامعات، وإقامة الورش العملية التي تحاكي عملية التخدير، إضافة إلى زيادة فترة التدريس لطلبة الطب المحصورة في الوقت الحالي من أسبوع إلى أسبوعين، مشيراً إلى أن هذه الفترة ليست كافية للتعريف بتخصص التخدير، الذي يتضمن معلومات دقيقة تبدو لمن يشاهدها أو يطلع عليها في غاية التعقيد والغموض.
ظهور إعلامي
من جانبه، قال الدكتور قتيبة حميد عميد كلية الطب في جامعة الشارقة، إن طبيب التخدير هو الجندي المجهول في العمل الطبي، نظراً للدور الكبير والجهود التي يبذلها، مشيراً إلى أن المجتمع لو يدرك أهمية طبيب التخدير، لبحث عن أفضلهم قبل أي عملية جراحية أو خطوة علاجية.
وأشار إلى أن تجاهل المجتمع لطبيب التخدير، له أسباب عدة، يأتي في مقدمها، ندرة ظهور أطباء التخدير في الإعلام، ونقص المواد التوعوية والدعائية التي تؤدي مشاهدتها إلى تحفيز العقول إلى دراسة هذا التخصص، إضافة إلى ضعف الإرشاد التوجيهي في المؤسسات التعليمية التي لها الثقل في توجيه مخرجات التعليم نحو التخصصات الحيوية والنادرة.
وأوضح أن طبيب التخدير يستحق أن تكون مميزاته وحوافزه في الصدارة، ومختلفاً عن سائر التخصصات التي يتهافت عليها البعض، طمعاً في المكانة الاجتماعية، إضافة إلى زيادة الفترة المقررة لدارسة مساق التخدير، حتى يحصل طالب الطب على صورة ذهنية متكاملة عن التخصص، بعيداً عن المعتقد السائد، وإلزام بعض الطلبة على دراسة التخصص، خصوصاً في البعثات الدراسية، بناء على الاختبارات الأولية، ليكون هناك توازن في المخرجات وعدم تركزها في اتجاه واحد.
مؤتمر
وجّه الدكتور خالد صالح علي دعوة إلى جميع طلبة الطب لحضور فعاليات مؤتمر التخدير العربي، الذي يعقد في نوفمبر من العام الجاري، ويشارك فيه أكثر من 1500 طبيب تخدير وعناية مركزة، والذي سوف يستمر على مدار ثلاثة أيام في دبي، يتحاور فيه أكثر من 50 متحدثاً من أنحاء العالم، وذلك للاطلاع على أفضل الممارسات والتقنيات التي توصل لها الأطباء في عمليات التخدير، إضافة إلى المشاركة في المحاضرات والورش التي سوف يتم فيها محاكاة عمليات التخدير، وتقديم صورة متكاملة وواضحة عن تخصص التخدير.




