يتحول العالم نحو اقتصاد المعرفة القائم على الإبداع والابتكار، واليوم، يعد موقع المرأة في الشركات والأعمال والحكومات مقياساً للصحة والنضج والنجاح الاقتصادي.
وقد دخلت المرأة مجالات التعليم والعمل منذ فترة طويلة، وبدأ ظهور تداعيات هذه المشاركة وتأثيراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ويواجه واضعو السياسات في العالم خيارات تحدد مستقبلنا، فإمَّا أن يستخدموا الشواهد التي تُظهِر المنافع الاقتصادية للمساواة بتنقية القوانين التي تنطوي على التمييز وتعوق مشاركة النساء، وإمَّا أن يحكموا على مجتمعات كاملة بالبقاء في براثن الفقر.
فالمرأة هي نصف السوق، وتتخذ 80% من قرارات شراء السلع الاستهلاكية. وحسب دراسة لشركة «بوز أند كومباني» ستدخل مليار امرأة سوق العمل خلال العقد المقبل، لتؤثر على الاقتصاد العالمي بمقدار تأثير سكان الهند والصين البالغ أكثر من مليار شخص، ما يعني أن تأثيرها سيفوق تأثير تلك البلدان كبيرة العدد، تأثير التكنولوجيا على مستقبل الأعمال.
وبينت الدراسة أنّ النساء تتولى مناصب قيادية في 20% فقط من شركات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقارنة مع 32% في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD و39% في أميركا اللاتينية والكاريبي. و9% فقط من نساء المنطقة العربية تؤسّسن شركاتهنّ الخاصة والنسبة هي 19% عند الرجال.
الابتكار
ويتطرق منتدى المرأة العالمي في دبي لمجموعة قضايا ضمن هذا الإطار إذ يناقش «الابتكار» الذي يشكل شعار المنتدى وذلك بهدف تحديد الدور الذي يمكن للتقاليد أن تلعبه في مجال الابتكار، فضلاً عن دور المرأة المستدام في عالم اليوم السريع الحركة والمتغير.
وأيضاً الطرق المختلفة لتعزيز دور المرأة ومساهمتها في الاقتصاد، وكيف يمكن لها إلهام الأجيال القادمة من النساء. وتسير الإمارات رائدة في المنطقة ضمن هذا الركب انسجاماً مع الأجندة الوطنية لتحقيق رؤية الإمارات 2021، التي تلحظ نصف المجتمع من أجل أي تغيير حقيقي.
وتركز الجهود المحلية على زيادة مشاركة سيدات الأعمال في الإمارات في سلاسل القيمة العالمية وضمان تمتعهم بمنافع اقتصادية أكبر من المشاركة في التجارة الدولية، وخلق حوار بين القطاعات والحكومة والمجتمع عن المرأة المهنية في مجال الأعمال التجارية والمشاريع. فالمرأة الإماراتية تشكل 66% من مجمل القوى العاملة في القطاع الحكومي علماً أن 30% من تلك النسبة تمثل القيادات النسائية التي تتبوأ مواقع صناعة القرار.
ولا يقتصر دور المرأة في الإمارات على الوظائف التقليدية بل يتجاوزه ليشمل ريادة الأعمال حيث يوجد في الإمارات أكثر من 12 ألف سيدة أعمال يدرن أكثر من 11 ألف مشروع تجاري، كما سجلت نسبة سيدات الأعمال المواطنات نحو 15% من عدد أعضاء الغرف التجارية والصناعية في الدولة.
الجندر والأعمال
ولم يعد «الجندر» (النوع الاجتماعي) قضية نسائية، وإنما تتعلق بالعمل التجاري. فلدى البلدان والشركات بواعث اقتصادية تجعل «الجندر» على قمة سلم أولوياتها.
من تلك الدوافع، المنافسة الحادة على الموظفين الموهوبين؛ إذ أصبحت الموهبة من أهم السلع المطلوبة في العالم، ونقصها يسبب مشكلات خطيرة. وستظل المواهب، وفقاً لمجلة «هارفارد بيزنيس ريفيو» أهم الموارد وأكثرها ندرة، وهي ما تتنافس الشركات للحصول عليه أكثر من أي شيء آخر، وتعتمد عليها، وتنجح بسببها.
والدافع الثاني للاهتمام بالجندر، هو امتلاك فريق القيادة المناسب والصحيح. ففي بيئة العمل التجاري التي تتسم اليوم بالمفاجآت والحاجة إلى التوقع والتنوع والتعدد، تحتاج إلى فريق قيادة وإدارة متنوع. وقد وجدت دراسة أميركية أن الشركات التي تضم أعلى نسبة من النساء في فريق إدارتها العليا، تفوقت في الأداء بشكل كبير على تلك التي تضم أدنى نسبة. كما أن النساء يمثلن نصف السوق.
ومن المؤكد أن التسويق الذي يستهدف النساء، مختلف عن الموجه للرجال. ولأجل الاستجابة لهذه الشريحة من المستهلكين (النساء) وفهم توقعاتها وطموحاتها، لا بد من عمل ابتكاري إبداعي في العلاقات مع الزبائن. وبالطبع، فإن الإدارة النسائية ستكون الأكثر قدرة ونجاحاً.
غالبية
وترى أفيفاه ويتنبرغ – كوكس، وأليسون ميتلاند مؤلفتا كتاب «دور المرأة في الاقتصاد مؤشر لانطلاق ثورتنا الاقتصادية المقبلة»، أن النمو الاقتصادي تحركه النساء؛ لا الصين أو الهند أو الإنترنت، وتعتبران أن قوة المرأة المتنامية أشعلت الثورة الاقتصادية، بحيث لا يمكن لأي نشاط تجاري أو شركة تجاهلها.
فالنساء يمثلن اليوم غالبية خريجي الجامعات (54%) في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (وتكاد تكون النسبة نفسها في كثير من البلدان النامية). ونسبة النساء الجامعيات أكثر من الرجال، وهن الأكثرية فيمن يحصل على الشهادات العليا (الماجستير والدكتوراه). وتُظهر الأبحاث تفوق الإناث في المواد والموضوعات على كل مستوى أكاديمي تقريباً.
ونظراً إلى تفوق النساء تعليمياً، وانضمامهن إلى شركات عدة، يبدو من المنطق السليم تمكينهن من أجل تقاسم القيادة. إن عدم استغلال الإمكانات الكاملة للمرأة في وقت تعاني فيه الأعمال من نقص المواهب، إنما يؤدي إلى زيادة الخسائر، أو تقليل نسب الأرباح والنجاح.
التحديات
ومن أكثر التحديات انتشاراً على صعيد توظيف المرأة، أن النساء يتجهن بعد سنوات من الالتحاق بالعمل إلى الاستقالة للتفرغ للأسرة، أو بحثاً عن عمل يتيح المجال للتوفيق بين التزامات العمل والأسرة، لكنّ هناك أسباباً أخرى أيضاً لترك المرأة للعمل، تتعلق ببيئة العمل وثقافته.
وكانت دراسةٌ أجرتها مبادرة بيرل في عام 2015 في دول مجلس التعاون الخليجي قد أشارت إلى أن المرأة تَعتبر تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية أهم عائقٍ يقف أمام تحقيق طموحاتها المهنية. كما يرى البعض أن النساء تضيقن الخناق على أنفسهن.
إذ يرى خبراء أنه رغم وجود التمويلات المخصصة للشركات المحلية في منطقة الخليج بسخاء، فإن رائدات الأعمال المحتملات لسن طموحات بما يكفي بشأن خطط أعمالهن. كما قالوا إن على النساء إنتاج المزيد من الابتكارات والمشاركة في شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الناشئة، بدلاً من الشركات التي تتركز في قطاع الضيافة أو التجزئة.
نسب التمثيل في مجالس الإدارة
رغم وجود أدلة على أن الفِرق متوازنة الجنسين ومتنوعة الإدارة على جميع المستويات الهرمية تحقق نتائج تجارية إيجابية. ولكن الصور النمطية عن المرأة في سائر السياقات الاجتماعية والثقافية تحد من فوائدها ومساهمتها الاقتصادية. وبالتالي، لا تزال المواهب الهائلة التي تمثلها المرأة إضافة إلى تحصيلها العلمي الذي غدا أعلى من أي وقتٍ مضى غير مستغلَّة إلى حدٍّ بعيد.
لكن مكانة المرأة في الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا آخذةٌ بالتحسن وإن كانت طاقاتها لا تزال غير مستغَلَّةٍ بصورةٍ كاملة، ما يفضي إلى ضياع فرصٍ مهمة للتنمية الاقتصادية في المنطقة.
وحسب منظمة العمل الدولية، لا تتجاوز هذه النسبة 7% في الشركات التي شملها المسح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. رغم أن مسحاً استقصائياً متعدد البلدان شمل 6500 شركة أظهر أنه حيثما يزيد تمثيل النساء في مجالس الإدارة، يقل احتمال أن تتعرض هذه المؤسسات لفضائح مثل الرشوة أو الاحتيال.
وأفاد تقرير لمنظمة العمل الدولية بعنوان «المرأة في قطاع الأعمال والإدارة: اكتساب الزخم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» أن الصور النمطية الثقافية وضعف تقدير الذات يعيقان أيضاً تطور المرأة وظيفياً.
كما يمكن أن تعمل التشريعات المنحازة للرجل وضعف إمكانية الحصول على التمويل والتشبيك بمثابة مثبطاتٍ تَحول دون دخول المرأة إلى سوق العمل أو خروجها منها ودون ممارستها لمهنتها.
وأشار التقرير الإقليمي إلى أن نسبة المديرات التنفيذيات 23% في المغرب و17% في الإمارات العربية المتحدة و16% في مصر و7% في قطر. علاوةً على ذلك، تبلغ نسبة الرئيسات التنفيذيات في المنطقة 13% مقابل 21% في سائر مناطق البلدان النامية.
تصحيح الانحياز البنيوي والمقاربات التمييزية
يشكل الفهم المتوازن لدور المرأة الاقتصادي وأعباء الرعاية الملقاة على عاتقها أساس الحوكمة والإدارة الاقتصادية السليمة، وهو ما يطرح تحديات حول قدرة الإصلاحات السياساتية على معالجة مجموعة من أوجه الانحياز البنيوي.
ويبرز أثر جهل النوع الاجتماعي والمقاربات التمييزية اللذين لم يؤثرا سلبياً على النساء فقط بل وضعا المنطقة العربية بمجملها في أسفل سلم الأداء العالمي من حيث النمو والمشاركة الاقتصادية والإنتاجية والاستخدام.
ورغم التحسُّن، لا تزال القوانين المقيَدة للفرص الاقتصادية أمام النساء شائعة حول العالم، فحسب تقرير صدر عن مجموعة البنك الدولي بعنوان المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2016 فإن المُعوِّقات القانونية أمام النهوض الاقتصادي بالمرأة منتشر على نطاق واسع، ويمنعها من تولِّي وظائف مُعيَّنة، تُقيِّد حصولها على الائتمان، وخلص التقرير الذي يتناول القوانين التي تعوّق توظيف النساء وريادتهنّ بالأعمال إلى أنَ النساء يواجهن قيوداً في التوظيف في 100 من أصل 173 اقتصاداً.
فعلى سبيل المثال، تُمنع المرأة من العمل في وظائف مُعيَّنة في المصانع في 41 اقتصاداً، وفي 29 اقتصاداً يُحظَر عليها العمل ليلاً، وفي 18 اقتصاداً لا يُسمح لها بالحصول على وظيفة دون إذن زوجها.
ويتواجد نظام إجازة الأبوّة فقط في نصف الاقتصادات التي شملها التقرير، وأقل من ثلث الاقتصادات يوجد فيها نظام إجازة الوالدين، الأمر الذي يُقيِّد قدرة الأبَ على المشاركة في تحمُّل مسؤوليات رعاية الأطفال. وفي 30 اقتصاداً، لا تتمتع المرأة المتزوجة بحرية اختيار المكان الذي تعيش فيه، وفي 19 اقتصاداً، يلزم القانون النساء المتزوجات بإطاعة أزواجهن.
ولهذه التباينات ومجموعة من التفاوتات الأخرى التي رصدها التقرير عواقب بعيدة المدى، إذ تُؤثِّر سلبياً لا على المرأة نفسها فحسب، ولكن أيضاً على أطفالها ومجتمعها واقتصاد بلدها. ويُحصِي التقرير نحو 950 مثالاً للتفاوت وعدم المساواة بين الجنسين في إطار سبعة مؤشرات.
