اتصل بوالدته قبيل ارتقائه إلى منابر شهداء الواجب والوطن ليقول لها: «غداً زفافي»، وكانت الأقدار تخبئ له زفافاً من نوع آخر، أشرف وأعلى مكانة، فكُتب لـلجندي أول عبدالله جمعة حسن بن لوحيد القطري الشامسي ذي الـ21 عاماً من منطقة شعم في رأس الخيمة أن يلتحق بكوكبة شهداء الإمارات البررة، وذلك بعد قرابة أسبوعين فقط من مغادرته أرض الوطن لتلبية نداء الواجب ضمن الدفعة الثانية المشاركين في عملية إعادة الأمل في اليمن الشقيق، تاركاً وراءه زوجة، عقد قرانه عليها، بانتظار حفل الزفاف بعد شهر، حيث كان من المقرر أن يقام عرس عبدالله في 18 مارس المقبل.

ووصل إلى مطار البطين الخاص بأبوظبي أمس جثمان الشهيد عبدالله جمعة حسن الشامسي على متن طائرة عسكرية تابعة للقوات الجوية والدفاع الجوي يرافقه عدد من ضباط، وضباط صف القوات المسلحة.

وجرت على أرض المطار المراسم العسكرية الخاصة باستقبال جثمان الشهيد، وكانت القيادة العامة للقوات المسلحة أعلنت استشهاد أحد جنودها البواسل وإصابة آخر، أمس، ضمن المشاركين في عملية «إعادة الأمل» مع قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية للوقوف مع الشرعية في اليمن.وتقدمت القيادة العامة للقوات المسلحة بتعازيها ومواساتها إلى ذوي الشهيد، سائلة الله عز وجلّ أن يسكنه فسيح جناته ويتغمده بواسع رحمته.

زفاف الشهيد

خلف الشامسي شقيق الشهيد عبر عن فخره بالتحاق أخيه بموكب الشهداء، وقال: «رزقنا الله أن نزفه شهيداً، ونحتسبه عند الله شهيداً، ولن نبخل بدمائنا لأجل الوطن، وكلنا على استعداد أن نقدم الغالي فداء للحق ونصرة لأهله، ونحمد الله على كل حال»، وكان آخر اتصال هاتفي بين الشهيد وشقيقه سأله فيها عن موعد زفاف ابنه، الذي كان محدداً له نهاية الشهر الجاري ليتسنى له الحضور.

بدورها قالت حصة الشحي زوجة الشقيق الأكبر خلف: «أمس كان فرحنا واليوم هو عزاؤنا» بالإشارة إلى أنه أول من أمس السبت زفت ابنها البكر، لتزف اليوم ابنها الثاني عبدالله عريساً، ولكن إلى دار الشهادة؛ مشيرة إلى أن الشهيد ولد بـتاريخ 28 من فبراير في 1995 بمنطقة شعم، وهو نفس الشهر الذي ودع فيها الحياة، ونشأ على الالتزام والمحافظة على دينه، حيث ترعرع وسط عائلة كبيرة مكونة من 18 من الأبناء بينهم 10 أشقاء و8 شقيقات من أمهات مختلفات، وترتيب الشهيد قبل الأخير بين أشقائه الذكور، وجميعهم تربوا على حب الوطن والالتزام بالدين والإيمان، ولفتت إلى أن والده قد توفي منذ ثلاث سنوات.

وأضافت أن الشهيد درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدارس شعم الحكومية، دون أن ينهي المرحلة الثانوية ليكمل مشواره الدراسي، مفضلاً الالتحاق بالقوات المسلحة وبالتحديد في القوات البرية في عام 2011 اقتداءً بأشقائه الذين يحتلون وظائف في القطاعين العسكري والداخلية.

استعداد للسفر

كم تمنت «آسيا»، أم الشهيد، أن يأتي اليوم الذي تستعد فيه لتزويج ابنها، ولكن الأقدار قضت بأن تجهز حاجياته من أجل سفره الأخير نحو الاستشهاد على أرض اليمن تلبية لواجب وطنه ومساعدة الأشقاء، وسترفع رأسها بعبدالله لآخر لحظة في حياتها.

وتضيف: «قبل سفره أخبرني أنه سيذهب مطلع هذا الشهر تلبية للواجب العسكري إلى اليمن، ورغم خوفي، إلا أنه أصرّ وكان سعيداً بالالتحاق برفاقه، فأعددت له حقيبته وكأني أعد حوائج عريس ووضعت ثيابه وأغراضه وكل الأشياء التي يحبها، وكأني أجهزه للانتقال لدار غير دارنا».

وتكمل: «حرص خلال سفره على التواصل معي عبر الهاتف، وكان يتصل كلما سنحت له الفرصة، وآخر تواصل بيننا كان قبيل وقت المغرب، أي قبل توجهي مباشرة لحضور زفاف ابن شقيقه "علي"، وقال: "اليوم هو زفاف "علي" وغداً زفافي". دون أن تعير أي اهتمام من كلامه على اعتبار أن الشهر القادم سيكون موعده زفافه. وأكدت أنه ليس من السهل أن تفقد الأم ابنها، كم تمنت أن تفرح به وتزفه لعروسه، لكن الحمد لله، قدر الله وما شاء فعل.

وأوضحت أنه عُرف منذ صغره بالهدوء واتصف بأخلاقه الطيبة والنبيلة، كان شاباً طيباً، محباً للناس، ذا روح مرحة ويحب الحياة. وكانت تربطه علاقة ملؤها الحب والاحترام بينه وبين إخوانه وأصدقائه وكل من حوله، وعرف بطاعته لوالديه وحنوّه على إخوانه. ونظراً لأخلاقه العالية وصفاته الحميدة، أحبه جميع من حوله. واتصف بقدرٍ كبير من الحياء، حيث كان مثالاً للشاب الخلوق الملتزم بطاعة الله. وتختتم كلامها قائلة: «نحن لا نحسبه ابننا فقط، بل ابن كل إماراتي، عبدالله رفع رؤوسنا، وقد رزقه الله الشهادة». واعتبرت أن الله رزقها وعائلتها هذا الشرف الكبير حيث أكرم الله بيتهم ليخرج منه شهيد.

وسام فخر

وفي السياق ذاته، أكد ناصر شقيق الشهيد أنه على استعداد للعودة مرة ثانية إلى الأراضي اليمنية لاستكمال مسيرة شقيقه الأصغر. وأضاف: كنت ضمن جنود الدفعة الأولى التي عادت إلى أراضي الدولة الفترة الماضية، قبل أن يذهب الشهيد «عبدالله» ضمن الدفعة الثانية لاستكمال أداء الواجب الوطني لينال شرف الشهادة التي كنت أتمناها خلال انضمامي لقوات التحالف لإعادة الشرعية.

وأضاف أن استشهاد شقيقه الصغير فداءً للواجب الوطني، هو وسام فخر على صدورنا، وأن الأسرة تلقت خبر استشهاده باحتساب وصبر كبيرين، إيماناً بأنه كان يؤدي واجبه ويلبي نداء الوطن، وهو شرف لا يضاهيه شرف، مؤكداً أن جميع أشقائه على استعداد لإكمال مشواره في الدفاع عن الوطن الغالي بأرواحهم التي تهون أمام ما يقدمه الوطن والقيادة لأبنائهم المواطنين.

مواساة

نعت رئاسة هيئة الأركان العامة اليمنية شهيد الوطن عبدالله جمعه الشامسي. وأكد بيان لرئاسة هيئة الأركان أن الشعب اليمني لن ينسى للإمارات وبقية دول التحالف العربي كرم المبادرة ومد يد العون والمساعدة لاستعادة الدولة اليمنية ورفع الظلم والعدوان الذي تعرض له أبناء الشعب اليمني على يد ميليشيا الحوثي وصالح الانقلابية وبذل الغالي والنفيس للحفاظ على استقرار وأمن اليمن والمنطقة.

وعبر البيان عن التعازي الحارة لقيادة وحكومة وشعب الإمارات وأسرة الشهيد، سائلا المولى عزل وجل أن يتقبل الشهيد بواسع رحمته ويسكنه الفردوس الأعلى ويغفر له وينزل سكينته على قلوب ذويه وأن يمنّ على الشعب اليمني وعلى شعوب العالم بالخير والسلام.