أبرز التقرير الذي نشرته شركة «كي بي أم جي انترناشونال» بعنوان «حالة المستقبل 2030»، وبثه موقع القمة العالمية للحكومات المنعقد في دبي، تسعة توجهات عالمية كبرى رئيسية تتحكم بأوضاع المستقبل وتؤثر في الحكومات والمواطنين على حد سواء حتى عام 2030..

وركز التقرير الذي تم إعداده بالاشتراك مع جامعة تورنتو على أهمية هذه التوجهات العالمية الكبرى لمستقبل الحكومات، كما لمسؤوليتها الرئيسية في رعاية الازدهار الاقتصادي والأمن والترابط الاجتماعي والاستدامة البيئية، مبيناً التغييرات التي ستحتاج هذه الحكومات إحداثها لمواجهة التحديات التي تفرضها هذه التوجهات الكبرى كما الاستفادة من الفرص التي تتيحها.

وقسم التقرير التوجهات الكبرى التسع إلى ثلاث فئات مترابطة، منها تغيرات تتعلق بأوضاع الأفراد وتوقعاتهم كخصائص التركيبة السكانية وتطور الفرد والتكنولوجيا، وأخرى تتعلق بالتغيرات في أوضاع البيئة الطبيعية كالتغيير المناخي والضغط على الموارد والتوسع العمراني، وأخيراً تغيرات في أوضاع الاقتصاد العالمي كالترابط الاقتصادي والدين العام والتحول في القوة الاقتصادية.

فالعالم يتغير بسرعة هائلة، والتكنولوجيا تزيد من ارتباط الناس داخل حدودهم ومع الخارج، ويؤدي تراكم الدين العام إلى الحد من نطاق عمل الحكومات في مجالات السياسة العامة، فيما يزيد التغيير المناخي من وتيرة وجسامة التحولات الطبيعية، وأكثر من أي وقت في تاريخ البشرية نعيش في عالم حيث الأحداث في طرف من العالم يمكنها أن تؤثر في حياة الطرف المقابل من الكرة الأرضية.

لكن مع شدة ترابط هذه التوجهات الكبرى، يؤكد التقرير أن آثارها الفردية ستكون بعيدة المدى على كل بلد من البلدان، مبيناً الخيارات الممكنة للحكومات الوطنية في استخدام أدوات السياسة المتاحة، إلى جانب نوع السياسات والاستراتيجيات والأنظمة والبرامج والمهارات التي تحتاجها من أجل الوصول إلى حكومة تتسم بالممارسة المثلى.

وفي هذا الإطار، قال معد التقرير رئيس البنية التحتية في شركة «كي بي أم جي انترناشونال» نيك تشيزم، «إن الاستراتيجية الملائمة للنجاح في المستقبل سوف تشمل مزيداً من التعاون على الساحة الدولية، وتشجيع التغيير السلوكي لدى المواطنين والتشديد المتزايد على التدابير الاستباقية لتخفيف أسوأ التأثيرات المحتملة»..

مشيراً إلى أن الحكومات ستنتقل لتصبح أكثر تكاملاً وتحقق استفادة أكبر من التكنولوجيا المتاحة، وأن تنمية القدرات على تطوير السياسات المستندة إلى معطيات، وإدارة أصحاب المصلحة والشأن، أمر أساسي لتحقيق الاستفادة القصوى من الفرص وفي إدارة المخاطر في عالم متغير.

وتوقع التقرير أن تكون لهذه التوجهات الكبرى أهمية تمتد لعشرين سنة على الأقل، وأن تعمل على تشكيل دور الحكومات في الفترة التي تلي عام 2030، مؤكداً عدم وجود مسار واحد يتعين أن تسلكه جميع الحكومات، بل مقاربات مختلفة، ذلك أن تأثير التوجهات الكبرى على المستوى المحلي جنباً إلى جنب مع احتياجات الدول ذات الأحجام المختلفة ومستويات التطور الاقتصادي ونماذج الحكم، يفرض ذلك.

وستحتاج الحكومات أن تكون على استعداد للاستفادة من هذه الفرص، وعدم التركيز فقط على إدارة المخاطر، وهي وفقاً للتقرير لن تنجح دون التخطيط المدروس والاستجابة الملائمة لها، وفي مجالات معينة لا يتعلق الأمر بمسألة التعامل مع المخاطر التي تتعرض لها فحسب..

ولكن أيضاً بكيفية زيادة الفرص التي تقدمها هذه التوجهات، ذلك أن كل الحكومات سوف تستفيد من تدفق المعلومات والبيانات، ولهذا سيكون النمو في رأس المال المعرفي المواكب للتكنولوجيا القدرة على إحداث تغييرات غير متوقعة في مجالات مثل الطب والهندسة والنقل والزراعة، وعلاوة على ذلك، من المحتمل أن تحدث تلك التغييرات بسرعة أكثر بكثير من التغييرات التي تمت في العقود الماضية.

ويشير التقرير إلى المخاوف الأمنية المتزايدة لكنه يشير إلى استبعادها ضمن التوجهات الكبرى على أساس أنها دائمة وثابتة، على الرغم من طبيعتها المتغيرة.

ومن أهم ما أورده التقرير بشأن التوجهات التسعة الكبرى:

الخصائص

1السكانية:

يؤدي ارتفاع متوسط العمر المتوقع وانخفاض معدلات المواليد إلى زيادة نسبة المسنين في العالم، وهو ما يشكل تحدياً لقدرة أنظمة الرعاية الاجتماعية بما في ذلك المعاشات والرعاية الصحية عدا عن مشكلة دمج أعداد كبيرة من الشباب في أسواق العمل المشبعة.

وبحلول 2030 سيتضاعف عدد الأشخاص الذين تصل أعمارهم إلى 65 عاماً فوق المليار نسمة على مستوى العالم، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بإنتاجية سوق العمل وقدرة الأنظمة المالية على الصمود في وجه ضغوط الشيخوخة، وفي المقابل تعاني العديد من البلدان النامية زيادة مطردة في عدد الشباب، وهو ما يخلق عوائد ديمغرافية للحكومات التي يمكنها التغلب على تحديات دمج المواطنين الشباب بنجاح في سوق العمل.

وأهم ما يقترحه التقرير على الحكومات في الجانب الديمغرافي دراسة مسألة الشيخوخة ورصد وضبط السياسات لاستيعاب آثارها على الرعاية الصحية والمعاشات والبنية التحتية وغيرها..

وبدء إصلاحات التقاعد لتوزيع عبء المساواة بين الأجيال، كرفع سن التقاعد وتغيير الأهلية أو الضريبة، وإيلاء اهتمام لبدء إصلاحات الضمان الاجتماعي والمعاشات وتوسيعها حتى يتم تمويل عبء الشيخوخة، أو تعديل سن استحقاق المعاش التقاعدي وغيره.

وعلى صعيد الزيادة المطردة في عدد الشباب يقترح على الحكومات وضع سياسات لتشجيع الاستثمار من قبل أصحاب العمل، والتركيز على الاستثمار في رأس المال البشري كالتعليم المهني والتدريب الفني وتطوير الموظفين، ووضع استراتيجيات من أجل معالجة مشكلة تشغيل الشباب وتقديم الدعم لتوظيفهم.

وستحتاج الحكومات إلى استخدام معلومات سوق العمل ووضع خطط طويلة الأمد لتحقيق التوازن بين احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية..

والانخراط في تعاون أوثق مع القطاع الخاص والقطاعات غير الربحية لتوفير ضمان اجتماعي وفرص للشباب، وزيادة التعاون الفعّال بين الوكالات الحكومية لمواجهة التحديات التي تفرضها الحقائق الديمغرافية الجديدة، وضمان الوصول إلى مهارات السياسات المالية، وتحسين مهارات الاتصال من خلال قنوات الإعلام الاجتماعي وغيرها.

تمكين

2الفرد:

ساعدت التطورات التي شهدها العالم في التعليم والصحة والتكنولوجيا في تمكين الفرد، مما أدى إلى زيادة الطلب على الشفافية والمشاركة في الحكومة وفي صناعة القرارات العامة. وستستمر هذه التغيرات في تمهيد الطريق لحقبة جديدة في التاريخ الإنساني، حيث سيرتقي الكثير من الفقراء إلى الطبقة الوسطى بحلول عام 2022.

ووفقاً للتقرير، يصل معدل الأمية العالمي حالياً نسبة 84%، كما يتحسن وضع المرأة في المجتمع ويتم انتشال ملايين الفقراء من براثن الفقر..

ويوفر الإنترنت منبراً لكل من لديه وسيلة للاتصال بالشبكة العنكبوتية، ومع ذلك لا يزال هناك مخاوف بشأن العمالة وكلفة التعليم وجودته، والحصول على الرعاية الصحية. وعدم المساواة ستكون قضية ينبغي أن تراقبها الحكومات عن كثب، حيث قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية.

وإجمالاً، يعتبر التركيز على الاستثمار في تعليم الفتيات والنساء أمراً مهماً للقضاء على الفقر والتقليل من عدم المساواة والتنمية، والتمكين المتزايد للفرد يقدم تحديات عدة، لكن إذا تم تسخير الأمر بشكل سليم فيمكن أن يحقق تقدماً اجتماعياً.

وتحتاج الحكومات في البلدان النامية وفقاً للتقرير إلى معالجة توفير الخدمات لطبقة وسطى أكثر تطلباً، وإعادة تقييم عدم المساواة في الدخل لضمان مشاركة جميع طبقات المجتمع في فوائد الازدهار، أما حكومات البلدان المتقدمة فستحتاج إلى تحويل توجهات السياسة التجارية وبرامج المساعدات الصناعية من أجل الوصول إلى مواءمة أفضل مع فرص النمو، مثل زيادة التركيز على أسواق الطبقة الوسطى الناشئة الجديدة، حيث يشير التقرير إلى كل من إندونيسيا وميانمار.

أما كيف ستنفذ الحكومات عملية التغيير فإنها ستحتاج في سبيل ذلك إلى وضع خطة لمعالجة الطلب المتزايد للطبقة الوسطى، ودراسة أنظمة الضرائب، وإنشاء وتحديث الهياكل لتقديم كفء للخدمات المتعددة، وتحسين مهارات إدارة أصحاب المصلحة والشأن لا سيما في مجال وسائل التواصل الاجتماعي.

تمكين

3التكنولوجيا:

أحدثت تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات تحولاً في المجتمع على مدار الثلاثين عاماً الماضية، ولعبت التقنيات القائمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات دوراً أساسياً في تطور العديد من المجالات المتعلقة بالعلوم التطبيقية والهندسة والصحة والنقل.

وهناك موجة جديدة من التقدم التكنولوجي تخلق فرصاً جديدة، وتختبر قدرة الحكومات على الاستفادة من مزايا هذا التقدم. وقد أدى النمو الهائل في حجم وسرعة الحصول على المعلومات والاتصالات إلى توليد أسواق جديدة. وفي حين يمكن للبلدان المتقدمة الوصول إلى العديد من هذه التقنيات، توفر العديد من الابتكارات عدداً كبيراً من الفرص للدول الأقل نمواً من أجل الاستفادة من الأسواق الجديدة والمتغيرة.

وفيما يقدم التحول الرقمي العديد من الجوانب المتعلقة بحياة الناس والأعمال وفرصاً هائلة لتحسين الكفاءة والإنتاجية، فإن هناك تهديداً ناشئاً عنها يتمثل في الأمن الإلكتروني.

وسوف تواجه الحكومات تهديدات لم تشهدها من قبل، ويتوقع معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية أن يصبح مجال الإنترنت في العقدين المقبلين ساحة للصراع بين الدول من جميع الشرائح السياسية، وهو ما سيعرض أيضاً البنية التحتية لتهديدات بطرق جدية، من محطات الطاقة النووية إلى تعطيل الأنظمة المالية.

أما أهم الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الحكومة فتكمن في تقييم أثر التكنولوجيا على الاقتصاد والصناعات والأسواق في البلاد، والتقدم التكنولوجي من أجل تطوير قنوات لتسليم الخدمة المشتركة المتكاملة الأسرع، ووضع برامج للتدريب ومهارات.

أما حكومات الدول النامية، فيقترح التقرير عليها النظر في كيفية توفير فرص بالاستفادة من هذه التكنولوجيا ووضع خطة لتنمية المهارات، واستخدام تكنولوجيا وسائل التواصل الاجتماعي من أجل التواصل مع المواطنين، ووضع الحكومات نفسها كمعتمد تكنولوجي رائد عوضاً عن أن تكون تابعة..

والنظر في الهياكل التي تسهل الاعتماد المبكر للتكنولوجيا كأولوية، مثل جعل منصب الرئيس التقني وظيفة عليا، والتأكيد على تدريب المديرين التنفيذيين بالحكومة، وضمان الوصول إلى تفكير رائد حول التقنيات والاستثمار على سبيل المثال في معاهد البحوث المرتبطة بالجامعات.

الترابط

4الاقتصادي:

سوف يشهد الاقتصاد العالمي المترابط زيادة مستمرة في مستويات تدفق رؤوس الأموال والتجارة الدولية ولكن التقرير يرى أنه قد لا يتسنى تحقيق التقدم والفوائد الاقتصادية المثلى ما لم يتم تعزيز الاتفاقيات الدولية، إذ يجلب هذا التوجه بالنسبة للحكومات إمكانات كبيرة يمكن أن تنتشل 650 مليون شخص من براثن الفقر على مدى 10 إلى 20 عاماً..

ومع ذلك هناك تحديات جديدة مع مخاطر تتجاوز الحدود الوطنية، تتحرك بسرعة، ليس هذا فحسب، بل تتحدى النطاق الوطني مما يستلزم تعاوناً دولياً.

وفي مقابل نمو التجارة والاستثمار، فإن للترابط الاقتصادي مخاطر كبيرة اقتصادية ومالية متنقلة. وتحتاج الحكومات إلى إدارة مخاطر الترابط المتعلقة بالقطاع المالي وإخفاقات السوق، والاستمرار في تشجيع النمو في العلاقات التجارية..

وأن تكون أنظمتها متوافقة مع النظم الدولية، وأن تكون أكثر وعياً بالآثار الاقتصادية الناجمة عن الترابط مثل النظام الضريبي والتحكيم والأسواق العالمية للعمل والبحوث وتدفقات رأس المال. وقد تحتاج الحكومات لتنفيذ ذلك إلى استراتيجيات لمواءمة أنظمتها مع الأنظمة العالمية والمعايير الرقابية للسوق الوطني..

وسياستها الوطنية مع الاتفاقيات الدولية. ويمكن أن يكون لاتفاقيات تجارية مثل الشراكة عبر المحيط الهادي والتي تغطي إلى جانب التعريفات الخدمات والاستثمار ومجالات السياسة المحلية مثل المشتريات الحكومية والملكية الفكرية والزراعة وقضايا البيئة والاتصالات تأثيرات أكبر على الترابط الاقتصادي مع الوقت، وأن تسهم في زيادة حجم التجارة العالمية بنسبة 12% بحلول عام 2025.

الدين

5العام:

من المتوقع أن يشكل عائقاً كبيراً فيما يتعلق بالخيارات المالية والسياسية للحكومات حتى عام 2030 وما بعدها، وسوف يؤثر على قدرة الحكومات على السيطرة على الديون وإيجاد وسائل لتقديم الخدمات العامة والاستجابة للتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

وما تحتاجه الحكومات وفقاً للتقرير هو التركيز على استعادة صحة الميزانيات الحكومية، وأن يكون لديها سيطرة أكبر على الإنفاق، وتحسين المعايير المالية، ووضع آليات مستقبلة لإعداد السياسة المالية، وإعداد تقارير دورية وإعداد الخطط لأولويات البنية التحتية وإنشاء هيئات استثمارية مستقلة تقدم المشورة للقادة وتركز على نوعية الإنفاق، وتحتاج الحكومات إلى إظهار مزيد من الالتزام والقدرة على التحكم بالموارد المالية.

التحول في

6القوة الاقتصادية:

تنتشل الأسواق الناشئة الملايين من براثن الفقر في الوقت الذي تحقق مزيداً من التأثير على الاقتصاد العالمي، ومع إعادة توازن القوى العالمية ستحتاج كل من المؤسسات الدولية والحكومات الوطنية إلى زيادة التركيز على الحفاظ على الشفافية والشمولية.

وقد أصبحت اقتصادات السوق الناشئة التي تشمل الصين والهند والبرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا والمكسيك وإندونيسيا أطرافاً أكثر أهمية في مجال التمويل الدولي. وتحرير التجارة وحرية حركة رأس المال والتكنولوجيا من البلدان المتقدمة إلى العالم النامي، أفرز تحديات حيث اكتسبت الدول المزيد من الثورة مع تنامي عدم المساواة داخل حدودها.

والإجراءات التي تحتاج الحكومات إلى تغييرها وفقاً للتقرير تتمثل في تعزيز فهم الميزة النسبية الاقتصادية للدولة في عالم ما بعد هذا التحول في القوة، وتبني نهج مختلف لتنسيق تدفقات التمويل الرأسمالي والاستثمارات، ووضع سياسات واضحة تدعمها أنظمة تتعلق بتنظيم الملكية الأجنبية الحكومية للأصول والموارد الوطنية الرئيسية.

وقد تحتاج حكومات الدول النامية إلى التركيز على الأسواق الجديدة والناشئة والوصول إلى الأسواق بما في ذلك إبرام اتفاقيات تجارية والتوسع في عدد من البلدان الجديدة تجارياً، أما كيف تنفذ هذا التغيير فإنها ستحتاج إلى مراجعة كيفية إدارة الاستثمار الأجنبي المباشر للأصول الوطنية والنظر في كيفية المساعدة في ضبط الاقتصاد الوطني..

وتنفيذ استراتيجيات لجذب الاستثمارات الداخلية بما في ذلك سياسات ضريبية تفضيلية وتعلم المهارات، وتوسيع مشاركتها في اتفاقيات التجارة الدولية. وقد تحتاج الحكومات إلى إنشاء مجالس لمراجعة الاستثمار الأجنبي.

التغير

7المناخي:

تؤدي انبعاثات غازات الدفيئة إلى التغير المناخي وإلى مزيج معقد من التغييرات البيئية غير المتوقعة، وسيكون صعباً على معظم الحكومات تحقيق التكامل السليم بين سياسات التكيف مع والتخفيف من آثار تلك الغازات.

ويعتمد عدم اليقين المرتبط بالتغيير المناخي على شل حركة العمل الحكومي على المستويين الوطني والدولي، ومكافحة تغيير المناح سوف يتطلب مستويات غير مسبوقة من التعاون متعدد الأطراف.

وتحتاج الحكومات إلى وضع أهداف لتسعير الكربون وبرامج محلية للتصدي لآثار تغيير المناخ للحد من استخدام الكربون، كما وضع خطط طويلة الأمد مع استراتيجيات بهذا الشأن..

ويعد هذا الأمر مهماً خاصة للموانئ التي تعتبر مسؤولة عن التعامل مع النسبة الأكبر من التجارة العالمية، لأنها ستكون عرضة لأخطار ناتجة عن العواصف وارتفاع مستويات البحر، وتقليل الاعتماد الاقتصادي على الكربون وبدء الاستثمار في الطاقة المتجددة.

ويشير التقرير إلى تجربة مدينة روتردام الهادفة إلى تخفيض 50% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول 2025، والتي تحقيقاً لهذه الغاية وضعت مسارات منفصلة لراكبي الدراجات، وشجعت الحدائق على الأسطح من أجل امتصاص ثاني أكسيد الكربون وقدمت دعماً لإنشاء الحدائق كما مجموعة واسعة من الحلول المبتكرة لتخزين مياه الأمطار.

الضغط

8على الموارد:

يشكل النمو السكاني والاقتصادي ضغطاً متزايداً على الموارد الطبيعية الأساسية بما في ذلك المياه والغذاء والأراضي الصالحة للزراعة والطاقة، مما يستلزم إدارة مستدامة للموارد في قلب برامج الحكومة.

ومن المتوقع أن تؤدي التغيرات الكبرى بحلول عام 2030 في الإنتاج والاستهلاك العالمي، بالإضافة إلى الآثار التراكمية لتغيير المناخ إلى المزيد من الضغوط على الموارد العالمية المحدودة، وعلى قدرة الحكومات على تقديم ركائز سياسة الرخاء الاقتصادي والأمن والتماسك الاجتماعي والاستدامة البيئية.

ومن أهم الإجراءات التي تحتاجها الحكومات وضع بيانات ورصد كل مقاييس جانب الطلب والعرض فيما يتعلق بهذه الاحتياجات، والتعاون بين المنتجين والموردين وأصحاب المصلحة من أجل تأمين الاحتياجات وكفاءة جانب العرض في الاستخراج والإنتاج والتوزيع، والتعاون بين المستخدمين وأصحاب المصلحة من جانب الطلب وبخاصة المواطنين لتلبية مستوى الإدارة المطلوب وقيادة كفاءة جانب العرض..

واعتماد نهج التخطيط والمشاركة في المحافل الدولية المعنية بهذه الموارد والعمل على تنفيذ الضوابط التشريعية التنظيمية بصرامة لتكون أداة فعّالة في إدارة مشكلة الضغط على الموارد، وبناء بنية تحتية إضافة لدعم جهود تغير المناخ لا سيما فيما يتعلق بتحديات الأمن المائي.

التوسع

9العمراني:

سوف يستوطن نحو ثلثي سكان العالم في المدن بحلول 2030، وسيخلق التوسع العمراني فرصة كبيرة للتنمية أكثر استدامة، ولكنه سيزيد الضغوط على البنية التحتية والموارد ولا سيما في مجال الطاقة.

وفي حين أن معظم حركات النمو الخاصة بالتوسع العمراني تتم في الدول النامية، سيكون التأكد من حسن إدارة المدن أولوية لدى الحكومات في الدول المتقدمة أيضاً، ومن أكبر التحديات التي ستواجه واضعي السياسات في العالم ستكون مراقبة عملية التوسع العمراني وإدارة النمو بشكل مستدام مع توفير المساكن الكافية والمياه والطاقة لجميع المواطنين..

ويحتل الوعي بالتأثيرات الاجتماعية والخدمية للتحضر الأهمية نفسها، سواء أكانت إيجابية مثل الكفاءة في خدمة السكان بالمناطق الأكثر ازدحاماً أم سلبية مثل انتقال سكان الريف إلى المدن وفقدان التماسك الأسري والضغوط النفسية وغيرها.

ومن أهم ما تحتاجه الحكومات هو وضع خطط متكاملة طويلة الأجل للبنية التحتية في المدن والمناطق التي تتوقع زيادة سكانية خلال 50 عاماً على أن تتمتع بأنظمة متكاملة، ويحسن أن تتم إدارة التوسع العمراني من خلال خلق توازن ما بين البنية التحتية الصلبة والناعمة، مثلاً في الاستثمار في النقل للمتوجهين إلى أعمالهم، أما للعاملين من المنزل فمزيد من الاستثمار في التكنولوجيا..

والتيقن من أن النمو السكاني يوافق النمو الاقتصادي وقدرة الحكومات على توفير الخدمات، واستخدام نموذج تشريعي يضطلع بمسؤولية توفير الخدمات، ووضع نماذج لتقديم الخدمات تعمل على الاستفادة من الكفاءات التي تم اكتسابها من المناطق التي تتمتع بكثافة سكانية أكبر، علاوة على التعامل مع التحديات الاجتماعية الناتجة عن التوسع العمراني.

أما كيف تنفذ الحكومات ذلك، فإنها ستحتاج إلى وضع خطة شاملة تجمع بين البنية التحتية الخاصة بالمواصلات والمرافق العامة ومجموعة من الخدمات التعليمية والصحية وبمستوى البلديات، وإقامة منتديات تخطيطية وآليات خارج الهيئة التشريعية والحكومة لدعم التخطيط المتكامل كما تحتاج إلى تنمية مهارات إدارة المدن في مجال الاقتصاد والتخطيط والبنية والتحتية والنقل وغيره.

إدارة متعددة الجنسية للموارد المشتركة

يبرز تقرير حالة المستقبل 2030 كيف ترتبط التوجهات العالمية عند أكثر من منعطف، مشيراً إلى أهمية اعتماد جميع الحكومات لنهج شامل عند تقييم الآثار والاستجابة لها.

فهناك على سبيل المثال علاقة للتغيرات الديمغرافية والضغط على الموارد وتغير المناخ. فمع الزيادة المتوقعة في عدد السكان وتزايد أعداد الطبقة المتوسطة، من المرجح أن تكون هناك ضرورة لتحقيق قفزة بنسبة 50% في إنتاج الغذاء، من أجل تلبية الطلب المحتمل مستقبلاً، وهو الأمر الذي سيتطلب أيضاً استهلاكاً إضافياً للمياه والطاقة.

وسيزيد تغير المناخ بدوره من تفاقم الضغط على الموارد والتي قد تكون آثاره المدمرة المحتملة التي لا رجعة فيها إمكانية التعرض للجفاف والظواهر الجوية الأخرى، عوضاً عن تأثير تغير المناخ على التحضر.

مع تزايد الضغط العالمي على الغذاء - سواء لعوامل من جانب العرض، مثل تغير المناخ، أو عوامل من جانب الطلب، مثل تزايد عدد سكان في العالم، فإن الدول المستوردة للغذاء بحاجة للحصول على مزيد من الضمانات فيما يتعلق بأمن إمداداتها الغذائية من خلال آليات تشمل التشديد في الأنظمة..

كما أن الضغوط على كل من الطاقة والغذاء التي من المرجح أن تزداد على مدى العقود المقبلة، بما في ذلك على أسعار هذه المواد، وحجم للضغوط على الحكومات الوطنية من أجل استيعاب وإدارة وربما تمويل إجراءات دعم في كثير من الحالات، سوف تتطلب تعاقدات دولية موسعة لتأمين الإمدادات الغذائية.

وبالمثل، سوف تتطلب الحاجة إلى تأمين إمدادات المياه أيضاً، حيث مصادر المياه مشتركة بين حكومات عدة، مجموعة من الاستجابات سواء على مستوى الحكومات الإقليمية والحكومات دون الوطنية..

وهذه قد تشمل إدارة متعددة الجنسية للموارد المشتركة (مثل دور اللجنة الدولية المشتركة في إدارة المياه العذبة في الولايات المتحدة وكندا البحيرات العظمى)، وكذلك الاتفاقيات الخاصة بتقاسم الموارد في أوقات الضغط، والبرامج الخاصة بإنشاء مزيد من البنية التحتية والاستثمارات اللازمة في مجال التكنولوجيا من أجل تحسين الكفاءة.

السياسات والأنظمة والبرامج والاستراتيجيات مطروحة أمام الحكومات

وفقاً لتقرير «حالة المستقبل 2030» تحتاج الحكومات إلى إجراء التغييرات التالية:

على صعيد السياسة، من خلال وعي المشاركة في المنتديات الإقليمية والدولية، حيث تحتاج العديد من القضايا المترابطة والشائكة، كما مطلوب النمو في حجم ونوعية السياسات المستندة إلى الدلائل والبيانات ذات الجودة والمدعومة بمهارات تحليل البيانات، وهذا سيحتاج إلى مهارات إضافية ومساحة أوسع من التفكير السياسي وتركيز على السياسات طويلة المدى..

والحكومات بدأت في المضي على هذا النحو على سبيل المثال الجهود العالمية المشتركة لجمع البيانات عن مسألة الشيخوخة.

وعلى صعيد الأنظمة، تشجيع سلوكيات معنية أو تغييرات سلوكية للحد من تأثيرات التوجهات الكبرى وإدارتها حين يكون التغير في السياسة والبرامج غير فعّال، وربما قد تحتاج الحكومات إلى الانتقال من التوعية والتوصية إلى المنع والتغريم. ويمكن استبدال التقنيات التي تستهلك طاقة بتقنيات أكثر تشريداً، ومنع استخدام الأكياس البلاستيكية غير قابلة للتحلل..

والوفاء بمعايير هندسية محددة موفرة للطاقة، بالإضافة إلى تطبيق الممارسة السوقية بما يتماشى مع أولويات الخيارات الحكومية، وقد تحتاج الحكومات إلى إدخال تغييرات في أساليب ملكية الاستثمارات والأصول.

وعلى صعيد البرامج، وهذه تتعلق بتقليص التكلفة المتزايدة على الحكومات من خلال تقليل تكلفة / سعر الوحدة، وحتى استحداث السداد الجزئي والترتيبات الخاصة بمساهمة أطراف عدة في مجالات الرعاية الصحية، ويمكن للحكومات أيضاً أن تحول التكلفة بالكامل متى كان هذا متاحاً، والحد من الطلب على الخدمات الحكومية وإلقاء نظرة أكثر شمولاً على أنظمة البنية التحتية على المدى الطويل.

وعلى صعيد الاستراتيجيات: التخطيط طويل الأجل في النظر إلى التحديات والفرص، والرؤى السلوكية واستخدامها لتشجيع الأشخاص على التصرف بشكل يمكنه أن يساعد بشكل استباقي في التقليل من التبعات السلبية، والنتائج والمقاييس، وسيساعد التقييم المستمر للبرامج تخصيص الأموال مثل التأكد من فاعلية البرامج، ومرونتها، والتفكير الابتكاري والبنية التكنولوجية.

هذا إلى جانب زيادة الوعي بالتوجهات العالمية لإدماجها في صنع القرار، وتعميق المعرفة بأسواق رأس المال الدولية بدرجة كبيرة، وفهم الفوائد والمخاطر المحتملة للتطورات التكنولوجية واستخدام قنوات جديدة لوسائط التواصل الاجتماعي، وتقييم المخاطر وإدارة عملية التغيير.