تفرض تغيرات العالم المتسارعة على صناع القرار في دول العالم أجمع، الارتقاء بالتعليم باعتباره ضرورة ملحة لمسايرة ركب تقدم الأمم، باستثمار ما يتوفر لديها من طاقات بشرية متعلمة ومدربة، تجيد السير على درب النهضة في قاطرة التقدم إلى التنمية الشاملة.

تربويون تطرقوا إلى 10 مهارات أساسية يجب أن تتمتع بها الكوادر العاملة في المستقبل، تشمل: الفهم العميق للمسائل والقضايا التي يتم التعبير عنها، والذكاء الاجتماعي، والتفكير الخلاق، وكفاءة الأداء في بيئات ثقافية مختلفة، والتفكير الحاسوبي، والقدرة على فهم ونقد الإعلام الحديث، والقدرة على فهم الأفكار والمفاهيم المختلفة، والقدرة على أداء وتطوير المهام والمسؤوليات لتحقيق النتائج المرجوة، وإمكانية فرز المعلومات حسب أهميتها باستخدام الأدوات والوسائل المتنوعة، والقدرة على العمل بإنتاجية وضمن فريق عمل.

جيل الـ«آيباد»

الدكتور عبداللطيف الشامسي مدير مجمع كليات التقنية العليا، اعتبر أن ربط التعليم بالتكنولوجيا الحديثة أصبح ضرورة وليس امتيازاً، نظرا لاختلاف جيل اليوم عن الأمس، فجيل الـ«آيباد» محاط بالتكنولوجيا التي يمارسها يوميا في حياته، والتي تجذبه وتثير شغفه وفضوله، وعلينا الاعتراف بالتغيرات الجذرية التي تنظم عالم هذا الجيل، والذي أضحت فيه الوسائل التكنولوجية أداتهم الوحيدة للتفاعل معه، لذلك فمن البديهي أن يطوروا قدرات متقدمة في استخدام التكنولوجيا، ما يمكنهم من الولوج السهل الى الكم الهائل من المعلومات والمعرفة المتجددة.

وأضاف أنه يجب على العاملين على صناعة التعليم، تطوير نظام تعليمي قادر على تحقيق مخرجات تلبي متطلبات التنمية وفي الوقت ذاته يقدم تعليما يتوافق مع قدرات وتطلعات جيل الـ«آيباد»، فحاجات الوطن وطموحاته في بناء مجتمع الاقتصاد المعرفي المتكامل، تعتمد في الأساس على بناء رأس المال البشري، لذا يتوجب علينا إعادة صياغة التعليم بشكل نوعي يجعله أكثر متعة وابداعاً ومواءمة لجيل اليوم.

ثروة المعرفة

وذكر الدكتور الشامسي، أن مؤسسات التعليم في المستقبل وحتى تتمكن من تحقيق رؤى القيادة والوصول لاقتصاد المعرفة الذي يحول المعرفة الى ثروة، عليها إعداد منظومة تعليمية متكاملة تقوم على الاعداد الجيد للمعلمين وتمكينهم من المهارات والقدرات اللازمة لجذب الطالب نحو التعليم النوعي الذي يمكنه من النجاح وصناعة المستقبل بقدراته، والاعتراف بضرورة التخلي عن الأساليب النمطية للتعليم وتقديم عملية تعليمية تفاعلية بوسائل وتقنيات حديثة، والعمل على تطوير مناهج وأساليب منسجمة مع تطلعات الجيل، وضرورة إثراء العملية والبيئة التعليمية ببرامج داعمة لا تقل أهمية عن المكونات الأكاديمية، فبرامج الإعداد المهني والسمات الشخصية لها دور هام في توجيه الأجيال الحديثة.

وأكد الحاجة الماسة لاكتشاف المواهب الوطنية وتنمية روح الابداع فيها وصناعتها بشكل منهجي لتساهم في مستقبل التنمية.

وأشار الدكتور الشامسي، إلى أن عالم التكنولوجيا المتسارع يحتم على مؤسسات التعليم أن تتابع وتواكب التغيرات التكنولوجية لتتمكن من الوصول للمخرج القادر على تلبية حاجات سوق العمل المستقبلية، خاصة أن الدراسات العالمية تؤكد أن الآلات ستسيطر على الوظائف مستقبلاً، وبالمقابل أيضا فإن التطور التكنولوجي يخلق وظائف جديدة وأدوات جديدة تزيد من كفاءة الأداء لدى العاملين، وطبقا لدراسة في كلية مارتن بجامعة اكسفورد عام 2013، فإنه يُقدّر أن يتم استبدال الكوادر العاملة بالآلات بنسبة 47 % خلال العقدين المقبلين.

عصر التعليم الذكي

أما الدكتور منصور العور رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، فأكد أن العصر الحالي هو عصر التعليم الذكي ولابد من مواجهة التحديات، والعمل على الارتقاء بمستوى الخريجين، ومواصلة الحوار العلمي والهادف مع القائمين على المؤسسات الوطنية للاعتماد الأكاديمي لإدخال التعديلات الواقعية على شروط الاعتماد، بما يناسب الطبيعة الخاصة لمؤسسات التعليم الذكي، ويدعم مسيرته في نشر العلم والمعرفة.

وتطرق العور إلى التعليم الذكي الذي يواجه كما يرى، العديد من التحديات التي تعيق تقدمه، يتمثل أهمها في عدم الاعتراف بالشهادات الصادرة عن مؤسسات التعليم الذكي لدى كثير من الدول العربية التي لا تقرّه من حيث المبدأ، ما يؤدي إلى إحجام الكثيرين عن الالتحاق بمؤسسات التعليم الذكي بسبب سيطرة الفكر التقليدي. ومن التحديات التي تواجه التعليم الذكي بعض الاشتراطات التي تفرضها مؤسسات الاعتماد الأكاديمي في الوطن العربي والتي لا تتفق وطبيعة هذا التعليم، كاشتراط حضور الدارسين لنسبة معينة من المحاضرات حضوراً فعلياً داخل قاعات الدراسة وجهاً لوجه مع معلميهم، وإلزام مؤسسة التعليم الذكي بتوفير عدد معين من أعضاء هيئة التدريس بمقر الجامعة.

مواجهة التحديات

وأضاف أنه لابد من بذل مزيد من الجهود لنشر ثقافة التعليم الذكي في الوطن العربي، والتعريف بدروه في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتأكيد على أنه البديل الوحيد للتعليم التقليدي في المستقبل، إلى جانب العمل على أن تحظى الشهادات التي تمنحها مؤسسات التعليم الذكي والمعتمدة من قبل وزارة التعليم العالي بالاعتماد لدى جميع الدول العربية، من خلال التعاون مع جامعة الدول العربية أو إحدى الهيئات التابعة لها.

وتابع: يجب أن يدرك الجميع أن تطلعات المجتمع العربي نحو غد أفضل في مختلف مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا يمكن أن تتم بمعزل عن الاستفادة من تكنولوجيا العصر، خاصة في مجال التعليم.

اهتمام واستثمار

بدوره؛ اعتبر الدكتور سمير البرغوثي نائب رئيس جامعة الفلاح، التعليم أكثر القطاعات الحيوية، وذات الهيكل الأساسي لبناء أي مجتمع، لذلك يتم تخصيص جزء مهم من موازنة الدول لتطوير قطاع التعلم باستمرار.

وقال: اهتمام الحكومات للاستثمار في تطوير منظومة التعليم، هو استثمار في بناء الإنسان الذي يعيش في هذا المجتمع، وبالتالي اكتساب الخبرات والمهارات التي تساعد الفرد على أن يكون نافعاً ومفيداً ومساهماً في تطوير المجتمع والنهوض به نحو الأمام، مشيراً إلى أن ظهور اهتمامات جديدة لدى شباب اليوم، بسبب النقلة النوعية في التكنولوجيا، أدت إلى إيجاد جيل ذكي، ذوي معرفة تامة، في كيفية التعامل مع المجريات والمتغيرات السريعة الحاصلة، لذا ظهرت الحاجة لضرورة مواكبة التعليم للحداثة، وإيجاد طرق تعليمية حديثة تعتمد على الأساليب التكنولوجية الجديدة تطبق في الجامعات، بحيث تكون قادرة على استيعاب الاهتمامات الجديدة المعاصرة، للوصول إلى العقول الذكية للأجيال القادمة، بعيداً عن النظام التعليمي التقليدي.

وأضاف أن التطور التكنولوجي، أجبر الجامعات على طرح برامج أكاديمية جديدة، تساعد على فهم المتغيرات الحديثة بأساليب علمية متطورة، تمكن الطلبة من ممارسة جميع اهتماماتهم الجديدة داخل الإطار الجامعي.

رؤية مستقبلية

وأوضح الدكتور محمد أحمد عبد الرحمن مدير كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، أن التعليم هو نتاج العملية التعليمية المتصل بعمليات اكتساب السلوك والخبرات والتغيرات التي تطرأ عليها، مشيرا إلى أنه يجب تصميم المناهج بحيث تكسب المتعلم المهارات والمعلومات التي تحقق رؤية الدولة المستقبلية وتحدث النمو الشامل والمتكامل.

وأضاف أن التعليم الذكي مكمل أساسي للتعليم المنهجي للوصول إلى التعليم المدمج، إذ لا يمكن تجاهل التكنولوجيا الحديثة ودورها في التعليم الحديث خاصة مع أجيال الإنترنت التي تستخدم بشكل واسع الأجهزة الذكية بما يضيف قيمة نوعية للتعليم.

 

جامعات المستقبل

أجمع أكاديميون على وجوب الأخذ بعين الاعتبار لدى تصميم جامعات المستقبل، إعادة النظر في هيكليتها من حيث تصميم المباني والقاعات الدراسية، بما يتوافق ومعايير المدن الذكية، بحيث تكون موائمة لمتطلبات العصر وتخدم فكرة التعليم المدمج، كأن تتحول الألواح الصفية إلى ذكية، تتيح نقل المعلومات إلى المتلقي بطريقة لاسلكية.

وأكدوا أن جامعات المستقبل يجب أن تكون حديثة في برامجها، ومتطورة بأساليبها التعليمية، وتحاكي لغة العصر، وتحتوي على خدمات ذكية تدعم عملية التعليم المتجددة.