شغفها بالطبيعة والنباتات دفعها إلى تأسيس مشروع فريد من نوعه في المنطقة، وفي الدولة ككل، حيث مضت المواطنة مريم علي الحمودي من إمارة الفجيرة نحو حلمها في إنشاء أول مشتل للنباتات البرية الجبلية، أطلقت عليه اسم «جذور»، وذلك في مزرعتها الخاصة بمنطقة البدية، بعد أن نجحت في جمع ما يقارب 105 أنواع من البذور والشتلات البرية لأنواع لا تنمو إلا في جبال المنطقة الشرقية.

وأكدت لـ«البيان» أن حبها وعائلتها للزراعة منحها الدافع وراء بدء مشروعها في تأسيس مشتل خاص بإكثار النباتات البرية بطريقة طبيعة من دون إضافة الكيماويات أو المقويات النباتية، ويتفاعل جميع أفراد أسرتها في إدارة هذا المشروع، الذي بدأ بجمع البذور وحتى نجاح عملية الإنتاج، بهدف إكثار النباتات المحلية واستزراعها في مناطقها الطبيعية، والمحافظة على الأنواع النادرة منها من الانقراض.

ولنقرأ معاً تفاصيل المشروع في الحوار التالي:

البدايات الأولى

كيف كانت بداياتك في مجال الزراعة وحب النباتات البرية؟

قد تكون بدايتي صدفة غريبة، حيث تعود زوجي في بداية حياتنا الزوجية الخروج بي إلى البر في المناطق الجبلية، للبحث عن نباتات عشبية أو طبية، كونه مهندساً زراعياً ويعشق النباتات أيضاً، وكنت في البداية لا أستمتع بالموضوع إلى أن وقعت عيني على إحدى النباتات البرية النادرة التي تفاجأ بها زوجي وأخبرني بأنها شبه منقرضة منذ وقت طويل، حيث حملنا الشتلة معنا لإكثارها في المزرعة والمحافظة عليها من الانقراض. وهنا بدأ شغفي بهذه الهواية، التي تحولت إلى مشروع نما بداخلي وحلمت بتطويره.

وتبلورت الفكرة بعد أن رصدنا في حياتنا اختفاء الكثير من أنواع النباتية المحلية الرئيسة في مواقعها الطبيعية، نتيجة عوامل الجفاف والتلوث والتمدد العمراني والأنشطة الحضرية، إلى جانب رغبتي في نشر التوعية بأهمية هذه النباتات، نظراً لما تمثله من خيار استراتيجي للحفاظ على مخزون المياه، وما تحتويه من فوائد اقتصادية عديدة يمكن الاستفادة منها في المجالات المتنوعة، كما أطمح في أن تستبدل الجهات الحكومية زراعة المسطحات الخضراء بنباتات من بيئتنا الطبيعية بدلاً من النباتات المستوردة من الخارج.

ما هي أنواع النباتات التي يحتضنها مشروعك؟

يقتصر مشروعي على النباتات البرية التي تنمو بطريقة طبيعية في منطقة الجبال والمقتصرة على الساحل الشرقي من الدولة فقط، حيث نقوم بشكل منظم أنا والعائلة برحلات إلى مختلف المناطق البرية المحيطة بنا لجمع بذور النباتات أو الشتلات التي نعمل على إكثارها في مزرعتنا الخاصة.

ومن بين الأنواع المتواجدة حالياً وحسب مسمياتها المتعارف عليها محلياً: نبات الظفر، الغزغاز، السريو، الصقل، العسبق، ونبات الغلي، والشحس، السدر، السمر، الغاف، الشوع الجبلي، الطلح، المرخ، السحا، الأرى، الصخبر، الحناء، نبتة الحلول، والفاغي، والعشرج، والعسبق، والحميض والريحان، والكثير ممن دونته في كتيب يجمع ما يقارب 105 أنواع جميعها تدخل في سجل النباتات البرية لدولة الإمارات ومن المنطقة الجبلية، إضافة إلى بعض أنواع الأشجار المحلية مثل أشجار النخيل والهمبا.

ما أهم الأنواع النادرة التي نجحت في إكثارها؟

من أهم النباتات البرية التي نجحت في إكثارها، أزهار اللافندر البري أو ما يعرف محلياً بـ «الغزغاز»، وعشبة السريوو، التي تستخدم في تقوية العظام وعلاج الكسور، فضلاً عن عشبة الحلول البرية التي بدأت في الاندثار من مناطقنا الجبلية بسب التلوث، ونبتة العشرج التي تستخدم في علاج أوجاع الأمعاء والمعدة، كما نجحنا في تربية وإكثار نبات العسبق، الذي أصبح مؤخراً من النباتات النادرة، ويصعب أيضاً تربيتها كون زراعته لا تنجح إلا إذا بدأت في شهر أبريل من كل عام. وأغلب هذه النباتات ذات استخدامات طبية كان آباؤنا يستخدمونها في الطب الشعبي.

ماهي الاستخدامات الطبية لنباتات تم استنباتها في مشتلك الخاص؟

من الجميل تجربة نبات «الغلي» الذي يؤكل في شكل سلطة حيث تحمل أوراقه طبقة ملحية رقيقة تسهم في إعادة توازن المعادن والأملاح في الجسم عند فقدها، إلى جانب نبات الحميض البري فقد نجحت تجربة زراعته على مدار العام وهو من النباتات الورقية المفيدة للجسم وذات طعم لذيذ أيضاً، وهنالك نبات الشوع الجبلي الذي تستخدم بذوره في علاج ألام المفاصل والركب عبر استخراج المادة الزيتية منها، عشبة الصخبر، التي تشرب شاياً مهدئاً للأعصاب. وشجرة الحناء الغنية عن التعريف.

كيف تتم عملية الإكثار في المشتل؟

نحرص على عدم إضافة الكيماويات أو التطعيمات التي قد تغير من سلالة النبتة، وتعد مرحلة جمع البذور هي الأهم، فقد أصبحنا على دراية بمواسم البذور التي نجمعها ونخزنها في درجات حرارة منخفضة لزراعتها في الموسم المناسب لكل نبته. ونعمل على نقل الشتلات بعد أن تنبت في أحواض متدرجة الحجم حسب طول النبتة لكي نحافظ على جذورها ونمنحها مساحة أكبر لتنمو.

من يدعم هذا المشروع؟

أشكر جمعية الفجيرة الخيرية التي قدمت لي الدعم المادي والمعنوي لتأسيس المشروع ضمن مشاريع الأسر المنتجة، خصوصاً بعد أن طرحت الفكرة التي نالت استحسانهم كونها الأولى من نوعها في المنطقة وتحافظ على النباتات البرية لبيئتنا الطبيعية، وأخص بالشكر سعيد محمد الرقباني رئيس مجلس إدارة الجمعية والمستشار الخاص لحاكم الفجيرة، الذي أحب الفكرة وأسهم في تحفيز عائلتي على المضي فيها، وقد غير التربة السطحية للمزرعة بعد أن أصبحت مالحة بسبب المياه.

وأنشأت أنا وزوجي جهاز تحلية لمياه البئر لإنجاح المشروع وتأمين المياه الصالحة للزراعة.

ما أكثر الأنواع طلباً من حيث الشراء؟

الأشجار الحولية والمعمرة مثل السمر والسدر والغاف هي الأكثر طلباً، فضلاً عن النباتات البرية التي يمكن زراعتها لعلف المواشي مثل نبات «اسحا» والشحس والأرطا، فضلاً عن أزهار اللافندر البري التي يتزايد الطلب عليها.

ماذا تعلمتم من هذا المشروع؟

اكتسبت خبرة كافية في معرفة النباتات البرية للمنطقة الشرقية واستخداماتها، فضلاً عن أن زوجي أحمد محمد الحمودي (مهندس زراعي) نجح في اكتشاف طرق الاستنبات ومواسمها بعد سلسلة تجارب طويلة قد يكون فقد فيها الكثير من البذور النادرة التي جمعناها بصعوبة من بين صخور الجبال، إلا أننا الآن نسير على قواعد ناجحة في إكثار كل نوع حسب جداول وضعناها لكل نبته.

وتضيف أن زوجها المهندس أحمد شريكها في المشروع وسر نحاجها، يشاركها في كل صغيرة وكبيرة بخبرته ومجهوده اليومي معها في رحلاتهم اليومية للمشتل، كما تعد مشاركتها الأولى في معرض «من صنع يدي» للأسر المنتجة تجربة ناجحة تكللت بحصولها على ميدالية ذهبية، من حيث نحاج الفكرة.

سفيرة البيئة

مريم علي الحمودي مواطنة من منطقة البدية بإمارة الفجيرة، عملت مسؤول التنسيق البيئي في بلدية الفجيرة سابقاً، وتعمل حالياً مفتشاً ميدانياً بيئياً في هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة- فرع خور فكان، أم لستة أبناء، وطالبة جامعية حالياً في مسار العلاقات العامة، كما منحها تلفزيون الحرة في عام 2009 لقب سفيرة البيئة.

وتطمح مريم مستقبلاً إلى إنجاز كتابها تحت عنوان «التنوع النباتي في البيئة الجبلية لإمارة الفجيرة»، حيث وضعت المسودة الأولى للكتاب، ويتضمن مسميات النباتات وفصائلها والوصف النباتي لها، إضافة إلى بيئاتها التي تتكاثر فيها واستخداماتها، كما يتضمن صوراً عديدة التقطتها مريم أثناء رحلاتها البرية مع عائلتها إلى الجبال.