تحمل الأيام الماضية ذكريات وبصمات جميلة لا يستطيع الإنسان نسيانها مهما مر من وقت أو زمن، فما أجمل تلك الأيام التي عاشها أهالي الإمارات قديماً حيث وجدوا الحل لحرارة الصيف برحلاتهم السنوية إلى المزارع الخضراء وتجمعات المياه في رأس الخيمة، التي كانت تحتوي على أماكن معدة للسباحة من المياه العذبة.
حكايات جميلة
ارتبطت هذه الرحلات بذكريات وحكايات وقصص لم يعد لها ذكر في عصر التكنولوجيا والمنازل والسيارات المكيفة حتى أصبح جيل اليوم لا يعرف المعنى الحقيقي لارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في عصر النهضة العمرانية الذي تتوافر فيه كل سبل الراحة ووسائل التبريد والتدفئة، ليحتفظ كبار السن بذكريات وتجارب حية اختزلتها ذاكرتهم الممتلئة بالتحديات يحدثون عنها أحفادهم وتزين حروفها التاريخ.
رحلة المقيظ
مع بداية فصل الصيف قديماً كانت تنشط حركة السفر والترحال من أجل المقيظ «المصايف» والمعروفة عند سكان الإمارات قديماً بـ«الكيظ» أو «القيظ»، وهو الموسم الذي ترتفع فيه درجة الحرارة، إذ غالباً ما تتجاوز 40 درجة، كما ترتفع نسبة الرطوبة، خصوصاً على السواحل، ويبدأ موسم القيظ في الإمارات تحديداً مع دخول شهر مايو وظهور نجم الثريا أول نجوم الصيف «القيظ»، وما يلحق بها من ظواهر أخرى مثل انتشار الرطب منها النغال والصلاني، وينتهي موسم «القيظ» في شهر سبتمبر وتحديداً وقت دخول «الأصفري»، أي فصل الخريف عند طلوع نجم سهيل.
تتجه العائلات إلى المقيظ في رأس الخيمة ومسافي ودبا وكلباء، حيث الهواء البارد المنعش والطقس المعتدل والماء العذب وثمار الفواكه اليانعة، وهرباً من الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية بحثاً عن النسمات الباردة.
وكانت الرحلات تبدأ بالتزامن مع رحلات الغوص التي تستمر خلال أشهر الصيف من شهر يونيو وحتى شهر أغسطس، حيث تتولى النساء أمر رحلة القيظ بالاتفاق مع صاحب ومؤجر الإبل «الكري» على موعد ومسار الرحلة، فيما كان الرجال يشدون أشرعة السفن للدخول إلى البحر والغوص في أعماق البحر بحثا عن «اللؤلؤ».
ويتفق أهالي الفريج مع «الكري» وهو شخص معروف لديهم، قبل السفر بأسبوع حتى يكون هناك متسع من الوقت يسمح بالتجهيز للرحلة في جو مفعم بالفرح والسعادة، حيث يحملون احتياجاتهم الخاصة والملابس والمواد الغذائية، وتكون الرحلة جماعية تضم ثلاث أو أربع عائلات تتجمع في منطقة واحدة لركوب الجمال وبدء الرحلة إلى وجهتهم والتي تختلف من مكان لآخر حيث كان يفضل أهالي دبي والشارقة الحضور إلى مناطق شعم وخت وغليلة والحيل وشمل، إضافة إلى دبا ومسافي في المنطقة الشرقية، وهي وجهات يفضلها الأهالي خلال فصل الصيف لأن الرياح الباردة تهب عليها من جهة بحر العرب فتنخفض درجة حرارتها وتكثر فيها أشجار التين والنخل وخلايا النحل التي كانت مصدراً طبيعياً للعسل، فيما كان الأهالي يأتون إلى منطقة الحمرانية للتنزه، وخلال الرحلة كانت العائلات تجلس ليلاً لتروي القصص وأحاديث السمر للتخفيف من طول مسافة الطريق والتي كانت تستغرق من يومين لأسبوع.
ألعاب شعبية
وعقب انتهاء حفظ القرآن الكريم ينطلق الأطفال للبحث عن أقاربهم والتعرف على الأصدقاء الجدد للعب معهم الألعاب الشعبية مثل: «الجحيف والصقلة والمريحانة»، وكانت فرحتهم خلال البحث لرصد استواء ثمار النخيل والليمون والتباهي بجمع أكبر كمية، والسبق في رؤية أول الرطب عن البلوغ «البشارة» حتى يحين موعد قطافها يجتمع الجميع ليبدأ الوالد بتسلق النخل وإلقاء التمر ليشارك الجميع في تجميعه ثم تقسيمه حتى يحين موعد قطف آخر نخلة، والتي تكون إشارة للعودة مرة ثانية إلى «الفريج» لبدء حساب الأيام خلال فصل الشتاء للعودة مرة أخرى إلى المقيظ «المصيف».
ظلال وماء
تبدأ العائلات رحلتهم من الفريج إلى المزارع، للاستمتاع بالأجواء الباردة المحملة بروائح النخيل، ويجمعهم الفلج الذي يروي العطشى، وفي الصباح يتجمع الأطفال أمام المطوع لتعليم أبجديات الحروف و سور من القرآن الكريم.
