منذ تأسيسه عام 2002 وحتى الآن؛ بلغ عدد مدمني المواد المخدرة الذين خضعوا للعلاج في المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي، 2853 شخصاً، منهم 2259 شخصاً تم علاجهم داخل المركز، و594 آخرين عولجوا في العيادات الخارجية، علماً بأن الكلفة العلاجية للمدمنين داخل المركز تتجاوز الـ90 مليون درهم سنوياً، في حين أن الأعباء الاقتصادية وفقدان الإنتاجية والوقاية ومكافحة انتشار المواد المخدرة وغيرها، تكلف خزينة الدولة سنوياً نحو 20 مليار درهم.. هذا الواقع يكشف عن مكامن خلل لا بد من ردمها لوقف نزيف الأدمغة الذي تسببه المخدرات، فضلاً عن خفض كلفتها الباهظة على الدولة والتي تصل إلى نحو ملياري درهم سنوياً.
رغم فداحة تلك الأرقام، هناك حاجة ملحة لتعديل قانون العقوبات؛ كما اقترح المركز على الجهات المختصة، والتخفيف من تشدده عبر تقديم المسألة العلاجية على العقوبات القانونية، وذلك بعد حل مشكلة عدم وجود أدلة استرشادية لإحالة ومتابعة المرضى المدمنين أو المتعاطين بين الجهات المعنية، ونقص المراكز العلاجية والكوادر المتخصصة، ما يخلف قوائم انتظار يتهددها شبح العودة إلى الإدمان.
90 مليوناً
دون أي مقابل يقدم المركز الوطني للتأهيل خدماته للمدمنين، رغم أن هناك كلفة لتسيير المنشأة بالموظفين القائمين على علاج المرضى، إذ يبلغ متوسط الكلفة اليومية لعلاج المريض داخل المركز نحو 1902 درهم ومتوسط مدة الإقامة في المنشأة نحو ثلاثة أشهر، ما يعني أن كلفة علاج المريض الواحد تصل إلى 156 ألفاً و621 درهماً.
الدكتور حمد عبدالله الغافري مدير عام المركز الوطني للتأهيل، اعتبر الإدمان مشكلة عالمية تواجه جميع دول العالم، ويمكن اعتبارها مشكلة قومية وأمنية ذات أخطار كبيرة إن لم يتم التعامل معها بحكمة.
وقال إن المركز رفع خلال العام الجاري توصيات إلى الجهات المعنية، تتضمن تطوير استراتيجية وطنية لمعالجة الإدمان، عبر تبني مقاربة جديدة لمعالجة ظاهرة تعاطي وإدمان المواد المخدرة، تعتمد على إعادة النظر في القانون رقم (4) لسنة 1995 في شأن المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، والذي يعد «مشدداً» بالنسبة للمدمنين كونه يرهن مستقبلهم بين جدران السجون بدل مساعدتهم على تخطي مشكلة الإدمان، بحيث يكون أكثر مواكبة للمستجدات.
عقوبات اجتماعية
وأضاف أن التوصيات شملت ابتكار مجموعة من العقوبات ذات طبيعة مجتمعية، وتضمينها في قانون المواد المخدرة، بهدف التخفيف من العقوبات المشددة التي ينص عليها، وإنشاء لجنة وطنية لمكافحة المخدرات تعنى بجوانب خفض الطلب والعرض في الوقت نفسه، وإجراء كشف مخدرات عشوائي على جميع طلبة المدارس في الدولة، ومركز تدريبي متخصص يعنى ببناء قدرات العاملين في العلاج والتأهيل.
وشدد الدكتور حمد الغافري على أهمية تطوير برامج التوعية والتثقيف في مجال مكافحة المخدرات من خلال استخدام برامج وطرق مسندة علمياً تهدف إلى دعم دور الأسرة لوقاية أبنائها من المخدرات وحماية الأفراد، وتمكين الشباب من مناهضة المخدرات وتفعيل برامج وقاية تستهدف الفئات الأكثر عرضة للمخدرات مثل النساء والشباب.
واختتم أن المركز الوطني للتأهيل المتخصص في علاج الإدمان على المخدرات، يحث جميع الراغبين في التواصل معه إلى الاتصال على رقم 8002252 أو حجز موعد عبر الموقع الإلكتروني (info@nrc.ae)، مشدداً على أنه ليست هناك أي مساءلة قانونية لمن يطلب العلاج من الإدمان طواعية.
إزالة السمية
من جهته، استعرض الدكتور علي المرزوقي مدير إدارة الصحة العامة والبحوث في المركز الوطني للتأهيل، معوقات الوصول إلى الخدمات العلاجية والتأهيلية والتي تتضمن عدم وجود أدلة استرشادية لتحويل ومتابعة المرضى بين الجهات المعنية، ونقص في مراكز العلاج المتخصصة، إضافة إلى أن هناك حالات تحتاج إلى تدخل طبي سريع، خاصة في إزالة السمية، ويتم تأخيرها نظرا للإجراءات الطويلة التي تتطلبها عملية التحويل وعدم وجود مراكز علاجية كافية.
ونوه إلى ضرورة توضيح المخاطر والأضرار الصحية الناجمة عن تناول مثل هذه المواد، موضحاً أن حالات المدمنين الصحية التي وردت إلى المركز، تُعامل بسرية تامة صوناً لخصوصية المريض.
وقال: الخوف من الملاحقة القضائية والحرج الاجتماعي يعتبران من الحواجز والمعوقات الرئيسة لطلب العلاج، لذلك فقد انتهج المركز كافة الإجراءات التي تحفظ للمريض السرية وحقوقه القانونية.
قضايا الأحداث
ويبلغ متوسط عدد قضايا المخدرات التي تنظرها محكمة جنايات أبوظبي شهرياً نحو 38 قضية، حيث تصدر المحكمة في حق المتهمين المدانين فيها، أحكاماً تتراوح بين السجن 4 سنوات إلى 25 سنة أو الإعدام.
وأشار المستشار محمد راشد الضنحاني رئيس نيابة بني ياس الكلية، إلى انخفاض قضايا الأحداث في أبوظبي خلال الشهور الـ11 الأولى من العام الجاري بشكل لافت، إذ بلغت نسبة الانخفاض في معدلات جرائم المخدرات نحو 59% قياساً بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وعزا هذا الانخفاض إلى نجاح مبادرة «عام 2015 عام ثقافة الطفل القانونية» التي أطلقتها دائرة القضاء في أبوظبي، وما تضمنته من حملات تعريفية ووقائية شملت مختلف مناطق أبوظبي، مستهدفة بها عدة شرائح في المجتمع ذات العلاقة مع الطفل وتضم الأسرة والمدرسين والطلبة.
20 شخصاً
من جانبها، قالت الدكتورة سميرة محمد حسن الحمادي رئيس قسم الطب الشرعي في دائرة القضاء في أبوظبي، إن الإجراءات الخاصة بتشخيص الحالات الطبية ذات الطابع القضائي خلال العام الماضي 2015، كشفت عن وفاة أكثر من 20 شخصاً نتيجة تعاطيهم المواد المخدرة. وأضافت أن القسم يعكف حالياً على إعداد مبادرات توعية بالتنسيق مع الشركاء للتصدي والحد من تعاطي المواد المخدرة، وتوضيح مخاطرها وأساليب الوقاية منها. ونوهت إلى أن الإدمان على المخدرات والمؤثرات العقلية مرض مزمن له آثار نفسية واجتماعية وعضوية، والإهمال في علاج هذا المرض قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تشكل تهديداً حقيقياً على حياة الفرد.
قدرت دراسة تقييم وضع المخدرات والمؤثرات العقلية في الدولة، والتي أجراها المركز الوطني للتأهيل ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بأن هناك نحو 1408 متعاطين للأفيونيات أو المستحضرات الأفيونية في الدولة، فضلاً عن نحو مليون و468 ألفاً و411 مدخناً للتبغ، منهم 80248 مدخناً دون الـ20 سنة، وأن أكثر من 99 % من المدمنين هم مدخنون في الأساس.
ونوهت الدراسة إلى أن المركز الوطني للتأهيل يعاني نقصاً في الأسرّة، ولديه قوائم انتظار فضلاً عن نقص في الكوادر المؤهلة، وأن الخدمات العلاجية التي تقدم من بعض الجهات ينقصها المتابعة وإعادة التأهيل للتأكد من عودة المرضى بشكل تدريجي للمجتمع.
وأشارت الدراسة إلى أن بعض الآباء يفضلون عدم الاعتراف بمشكلة إدمان أبنائهم على المخدرات ويرفضون تحويلهم للمركز للعلاج، في الوقت الذي يشكل فيه الأحداث نحو 46% من إجمالي عدد الأحداث المتورطين في قضايا المخدرات. ودعت الدراسة إلى إعادة النظر في قانون المخدرات الحالي، خاصة أنه لا يعطي الصلاحية للمدعي العام لتحويل مرضى الإدمان الذين يتم القبض عليهم للعلاج مباشرة، بل يجب أن يتم عرض مثل هذه الحالات على النيابة العامة، وهذا الإجراء يسهم في تأخير عملية التحويل للعلاج.
99% من المتعاطين مدخنون


