مجلس الحارة «الفريج» أو كما كان يطلق عليه في مجتمعات دول الخليج «ديوانية»، عادة متوارثة وملتقى لأهل الحي الواحد، ظل يعتبر نافذة يطلون من خلالها على كل جديد في الحياة، عبر صور اجتماعية تعكس بجلاء أحوال وظروف مجتمع الثمانينيات والتسعينيات، حين عاش في طفرة التقارب والترابط الاجتماعية. كان أفراد الأسرة والجيران والأقارب والأصدقاء ينتظرون وقت العصر أو ساعة «المغربية»، حيث الاجتماعات الدائمة للرجال بصفة عامة الذين يبحثون عن سعة الصدر بعد يومٍ طويل قضوه في عناء العمل وطلب الرزق ومشاغل الأسرة، وفي المقابل؛ تعقد جلسة النساء أو كما كان يطلق عليها «القهوة» فترة الضحى في أحد المنازل، وعلى الرغم من أن البيوت كانت صغيرة إلاّ أنها كانت واسعة بسعة صدور أصحابها وقناعتهم.
في هذا الصدد؛ تستطلع «البيان» جملة من الآراء عن أهمية المجالس التي كانت واحدة من أهم دعائم الحياة الأسرية في الماضي، للتعرف على الانطباعات حولها والمستجدات التي طرأت.
دور ريادي
المواطن عبدالله حسن أشار إلى أن المتمعن في الثقافة الإماراتية والخليجية لا يمكنه أن يغفل الدور الريادي الذي أدته المجالس التقليدية في الماضي، والتي كانت منتشرة في الكثير من البيوت العريقة سليلة العلم والمعرفة، إذ سعت إلى إذكاء جذوة الوعي ونشر القيم الثقافية النبيلة في الإمارات. وهي تتنوع بين مجالس تقليدية ارتبطت باسم العائلة ومجالس الشباب والتسلية التي يجتمع أصحابها للعب «الورق والدومنة»، ومجالس الجيرة والأقارب. وفيها كان يحلو السمر مع السوالف والقهوة والرطب والطازج والبلاليط، ولم تكن الجلسات تقتصر على مجلس واحد، بل يتناوبون على مجالس مختلفة.
خلية اجتماعية
أوضح بدر محمد الهاشمي من مواطني رأس الخيمة، أن المجلس كان المكان المخصص للقاء العام وكان عبارة عن خلية اجتماعية فاعلة ومتفاعلة، حيث يتكون البيت الإماراتي عادة من ساحة واحدة، والأسر المقتدرة تشيد ساحة منفصلة أو غرفة إلى جانب البيت يطلق عليها «مجلس»، وهي مكان عام لاستقبال الضيوف والتقاء الجيران والأصدقاء والأقارب لمناقشة الأحداث وتبادل الأحاديث والآراء في وقت الفراغ. وكان المجلس مقتصراً في النصف الأول من القرن الماضي على البيوت الكبيرة، خاصة لدى العاملين في التجارة وصناعة الغوص، وتمثل امتداداً للنفوذ والسلطة، مثلما تعتبر مكاناً لتبادل الآراء واستقبال العاملين في المشروع أو المشاريع التي تقوم بها الأسرة، أو حتى تستخدم كمضيف لمن يأتي من المتعاملين من الخارج. وكانت لها وظائف عدة، فهي مكان للقاء واستقبال الضيوف، ويوجد في كثير منها قسم خاص للنوم والسكن، حيث لم يكن ثمة فنادق في ذلك الوقت في المنطقة.
أرصفة واستراحات
أما المواطن فيصل عبدالله المنصوري فتطرق إلى فترة الثمانينيات حيث غلبت جلسات الأرصفة، بعد انتشار الطرق الدائرية والطويلة وإنارتها، حيث بدأت اجتماعات الرجال وأرباب الأسر تنحصر على «العزايم» والمناسبات. ومع بداية التسعينيات، طغت المقاهي والاستراحات على التجمعات الشبابية والعائلية، كما عُرفت خلال هذا العقد ظاهرة «الملحق». وفي الألفية استمرت المقاهي والاستراحات وبيوت الشعر داخل المنازل، لافتاً إلى أن مجالس «الطيبين» كما يصفها شباب هذا الزمان، كانت حافلة بـ «علوم الرجال»، حيث لا تنقطع «السوالف» عن قصص وحكايات الأولين، ومكارم الأجداد السابقين، إلى جانب الخرافات، كما كان ثمة حضور للشعر، والطرائف، والمُلح، والنوادر الأدبية، ناهيك عن التطرق إلى أحداث الساعة وأحوال المجتمع.
مجلس افتراضي
أكد علي الشحي؛ وهو من قاطني منطقة الخران في رأس الخيمة، أن شكل الاتصال «المجلس» فرض نوعاً من العلاقات الاجتماعية، بدأت تتغير اليوم بظهور ما يمكن تسميته «المجلس الافتراضي»، حيث ظهرت تجمعات أخرى يمكن أن تسميتها بالتجمعات الافتراضية من خلال «فيس بوك وتويتر» وغيرهما من وسائل الاتصال الحديثة، التي ربطت بين مجموعات بشرية داخل الإمارات وعلى امتداد العالم، يتبادلون من خلالها المعلومات والإشاعات والأخبار دون أن ينتقلوا من مكانهم، وهناك مميزات حصرية لهذه المجالس الفضائية الجديدة.
مجالس عائلية
أشارت أمل سعيد عبدالله، ربة منزل، إلى تنوع المجالس وتعدد أشكالها، وكل منها له طعمه الخاص وفقاً للمواضيع المتداولة فيه، أو الغاية من تأسيسه، وقد غدت تأخذ طابعاً رسمياً كالمجالس الرمضانية ومجالس الداخلية، ما يؤكد أهميتها ودورها في الارتقاء بالعنصر البشري وفكره على اعتبار أنها فرصة للتواصل والمشاركة المجتمعية، وذلك كان دورها في السابق. وأضافت أن المجالس العائلية التي تلتئم مع نهاية عطلة الأسبوع أو في المناسبات، تظل ذات خصوصية فريدة، وهي لم تنقطع إلى الآن، وتعد مكسباً للجميع، حيث يجد فيها أفراد العائلة الكبيرة وسيلة للتعرف على أقاربهم عن قرب.




