مناسبات عديدة كانت تجمع الأسرة بصغارها وكبارها، يتشاركون فيها أمتع اللحظات ويتقاسمون من خلالها مختلف المهام، كل ذلك يتم بسلاسة فطرية ودون الحاجة لتوجيه بطاقات دعوة، أو مكالمات هاتفية، أو رسائل نصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يكاد وقت المناسبة يحين حتى يتوافد أفراد الأسرة مجتمعين بلا أعذار، حيث كانت الأسر سابقاً تضم الأبناء والأحفاد، ربما يشاركهم الجيران من الصغار والكبار.. تلك هي الصورة التي ظلت تؤطّر مظاهر ترابط المجتمع والأسر في الماضي، والتي أصبحنا نفتقدها في وقتنا الحالي؛ ليس تقاعساً أو انعدام رغبة الأفراد أنفسهم، بقدر ما هي مواكبة لمتطلبات الحياة وتطورها الذي أحال العديد من مظاهرها الاجتماعية إلى ذكريات مرتبطة بمرحلة زمنية لا يمكن إحياؤها بسبب غياب المقومات والطقوس التي كانت رائجة في الماضي، خصوصاً أن بعضها مرتبط بمهن وحرف قد اندثرت.
مشاركة الجميع
أم محمد سيّدة في العقد الخامس من العمر، تحدثت عن الكثير من تفاصيل الماضي، حيث قالت إنها لا تزال تحن إليها في أوقات مختلفة، خصوصاً عندما يتغيب أحد أفراد أسرتها عن التجمع في المناسبات المختلفة، مشيرة إلى أن تطور الحياة وانشغال الأفراد بتقنياتها ومظاهرها البراقة، قلّص من حجم المناسبات الاجتماعية وبدّل مفهومها، حيث أصبحت المشاركات المجتمعية محصورة بمراسم الزواج وطقوس العزاء، بخلاف الماضي الذي ظلت فيه المناسبات الاجتماعية لا تعد ولا تحصى.
وأوضحت أن هناك العديد من التجمعات الموسمية، خصوصاً في فترة الصيف الذي يكون دسماً بالمناسبات، وعلاوة على مناسبات الزواج كانت هناك فترة جني ثمار النخيل «اليداد» الذي يعد مناسبة موسمية ينتظرها الكثيرون بفارغ الصبر، ولا يزال البعض يسرد تفاصيلها حتى يومنا هذا، مشيرة إلى أن ما يميز هذه العادة، مشاركة جميع أفراد الأسرة والجيران صغاراً وكباراً، بحيث يكون لكل منهم مهمة خاصة يؤديها بفرح واندفاع وحماس.
وأشارت إلى أن شروق الشمس كان بداية لمناسبة سعيدة يلتم فيها شمل الأسر والمجتمع، حيث تحرص ربات البيوت على اصطحاب وجبة الإفطار معها «الريوق» لتناولها بعد ساعات قليلة من العمل المتواصل التي يكون فيه الرجال فريقاً يتولون جني الثمار ونقل أوزانها الكبيرة، بينما يتولى الصغار جمع المتناثر منها ونقل الفراش الذي يحيط بالنخلة لكي لا تسقط ثمارها على الأرض، فيما تتولى النسوة فرز الثمار واختيار المناسب للأكل ثم نشره على مسطحات مخصصة بهدف تجفيفه وتناوله طوال العام.
قيم أصيلة
من جانبه؛ قال سعيد القيشي إن المناسبات الموسمية التي كان تجتمع فيها الأسر قديماً، تختلف باختلاف المكان الذي يعيش فيه الشخص، بحكم تنوع المهن والحرف التي كان يزاولها الناس قديماً، فأهل الساحل يجتمعون على صيد السمك وجني بعض المحاصيل، وأهل البادية يجتمعون على زراعة الأرض وتحويل ما تجود به المواشي إلى أطعمة وألبسة، مشيراً إلى إيجابية تلك الأيام في الأجواء الحميمية والجميلة التي كانت تخلفها اللقاءات، سواء من حيث تربية الأبناء وتقوية أواصر الترابط بينهم، أو من خلال غرس العادات والقيم الأصيلة في نفوسهم، والتي ينتج عنها في نهاية المطاف مجتمع مترابط بحيث يشعر الجميع بما يصيب أي فرد منه.
وأوضح أن الحرف والمهن التي يقتات منها الأشخاص في الماضي، كانت تشكل منصات دائمة لتجمع الأسرة ولقاءات الجيران، حيث ظل الصغير يساعد الكبير، وتتشارك الأسرة تنفيذ المهام بجميع أفرادها، خصوصاً أن بعض الأمور كان يتطلب جهوداً جماعية، وزيادة الإنتاج تعتمد على الكادر البشري والطاقات التي يقدمها، لعدم توفر الآلات والأجهزة التي حلت مكان سواعد الإنسان.
زفانة الدعون
ولفت القيشي إلى أن من أبرز الحرف التي كانت تتطلب جهوداً جماعية؛ صناعة المظلات والجدران المكونة من سعف النخيل، والتي يطلق عليها عملية «زفانة الدعون»، حيث تتطلب هذه الحرفة على الأقل تواجد 5 أشخاص للقيام بالمهمة التي كان يكثر صناعتها في فصل الصيف نظراً لقطعها السعف بهدف التخفيف عن النخلة، وترك مساحات لتهوية الثمار، إضافة إلى ذلك هناك صناعة الفخار والأدوات الحديدية.
وفي السياق ذاته؛ قال أحمد بوجسيم إن البيئة البحرية جسدت ملتقى للأسر وأفراد المجتمع، الذين يتشاركون بسواعدهم في إنجاز عمليات صيد السمك؛ وخصوصاً السردين الذي يتطلب جهوداً جماعية لجر الشباك من أعماق البحر إلى اليابسة في عملية يطلق عليها «الضغوة»، والتي يشارك فيها الصغار والكبار من أبناء «الفرجان» التي تطل على السواحل، كون البحر ظل مصدر الرزق والدخل الذي يقتات منه السكان في مواجهة صعوبة الحياة، حيث تبدأ المهمة منذ لحظات نصب الشباك في البحر؛ والتي تعقبها عملية الجر؛ ومن ثم فرز الصيد ونشره وتجفيفه على اليابسة لبضعة أيام؛ ومن ثم تخزينه وبيعه، مؤكداً أن هذه الأعمال في حد ذاتها كانت مناسبات اجتماعية تعزز ترابط المجتمع والأسر التي كانت من خلال لقاءاتها الموسمية، يدرك كل فرد فيها تفاصيل حياة الآخر وظروفه.
جسد واحد
أوضح أحمد بوجسيم أن المجتمع اليوم أصبح يفتقد نسبياً للتجمعات الأسرية التي كانت تتكرر أسبوعياً، ويلتقي فيها الصغار والكبار في حب وانسجام، ومن صور هذه التجمعات التي لا يزال البعض يحافظ عليها؛ اللقاءات العائلية في يوم الجمعة، والتي تبقى ناقصة نظراً لمحدودية التداخل والانسجام بين الأفراد، ناهيك عن أن التركيز اليوم يكون منصباً في الغالب على الهواتف الذكية وبرامج التواصل الاجتماعي، بخلاف لقاءات الماضي التي شكّل فيها الجميع جسداً واحداً.


