نسمع كثيراً كلمات من باب «راحوا الطيبين» و«زمن لول غير» و«ليت أول يرجع»؛ هي أماني من غير الممكن عودتها وإن كان صداها صاخباً في ذاكرة العقود السابقة.

أيام مضت تقول نورة البلوشي من رأس الخيمة، لكنها وثّقت في بساطتها صوراً وذكريات عالقة في ذهن من عاش ذاك الزمن الجميل أو شيئاً منه، لتكتشف بها سبباً لتغير من حولك هذه الأيام، مشيرة إلى أن مصطلح «الطيبين» في النطق العامي الدارج يتعدى الطيبة بمعناها اللغوي إلى البساطة، حيث لا يزال أفراد المجتمع يحنون لشيء من الماضي، مستذكرين المعاني الطيبة والجميلة آنذاك بعد أن اختبروا هذه الحياة المتكلفة في كثير من أجوائها، وعاشوا وعرفوا معنى آخر للأعباء الاجتماعية والمظهر الاجتماعي المرتبط بالواقع؛ أو ذلك البعيد عنه المفروض علينا.

وأوضحت البلوشي أن القلوب لا تزال متعلقة بأيام ماضية، والواقع يؤكد أن الشخص وإن اقتنى سيارة جديدة أو امتلك منزلاً جميلاً، تجده يتمنى لو عادت به الأيام إلى أول ما اشتراه أو تملكه من مركبة أو مسكن أو سواه، إلى جانب الحنين لمن فقد ورحل ولم يعد لهم أثر، ذلك إحساس غريب وجامع بلا تفسير.

أيام نادرة

أكدت البلوشي أن الأيام التي عشناها في الماضي تظل «عملة نادرة» ولا يمكن أن تعود، مرجعة ذلك إلى العلاقات الاجتماعية سواء بين الأسرة الواحدة أو الجيران والأقارب، مضيفة أن الناس كانوا يعيشون بعفوية تامة، ولا يفكرون بأي كلمة خرجت من الآخرين، مؤكدة أن «فريج» عائلتها القديم لا يزال يتحلى بهذه الصفة الباقية وهي شيء من الماضي، حتى أن والدتها لا تريد الرحيل عن بيتها الشعبي القديم لهذا السبب، وتؤكد أن عــــلاقتها بين أشقائها وشقيقاتها قائمة على العفوية والحب والاحترام الذي أطلقت عليه بالعامية «الأولي».

صدق العلاقة

وتطرقت إلى عامل آخر يتمثل في صدق العلاقة بين الناس وبراءتها قديماً، والتي كانت مكتسبة من علاقة الجار مع جيرانه، فكان كل جار بمثابة المعلم والمربي الذي كان يوجه وينصح، وهو ما كان سبباً في قوة وبساطة العلاقات بين الجميع التي تعززها الزيارات المتكررة، مضيفة أنه في ما مضى وصلت العلاقة بالجار إلى أن يعرف كل شيء عنك؛ وتلك السمات من محاسن الحياة قديماً.

وأوضحت البلوشي أن البعض هذه الأيام؛ يحاول أن يعيد جمال الأيام الخالية؛ التي لطالما ترسخت في جلسات البر والرحلات العائلية، وربما يجتهدون للقاء في المكان القديم نفسه الذي كانوا يجتمعون فيه، المشكلة إن كان ما حولك قد تغير في شكله وجوهره، مبينة أن الحياة في الماضي مختلفة تماماً عن حالنا اليوم؛ ولو حاولنا إعادتها وتمثيلها لن ننجح.

المقيض

قالت نورة البلوشي إن مظاهر الحياة القديمة مثل «المقيض» و«الألعاب الجماعية» ظلت تحظى بتأثير قوي في النفوس، وهي تفصّل التعامل مع الحياة بكل بساطة وشفافية، للتغلب على همومها وتجاوز مشكلاتها، ذاكرة أن الخير والمعروف حاضران في حياتنا الحالية لكنهما لا يشبهان ما كان في الماضي، لأن الأيام الخالية كانت محفوفة بالبساطة والعفوية والصفح والتسامح إلى أقصى حد.