عبر وزير الخارجية البريطاني السابق وليم هيغ عن سعادته بالعودة إلى دبي، التي لفت إلى زياراته العديدة إليها أثناء تسلمه منصبه، وانحيازه إليها وإلى تجربتها الفريدة، مذكراً بأنه صوت باقتناع لصالح استضافتها لإكسبو 2020.
وعبر هيغ، في مستهل جلسة خصصها المنتدى الاستراتيجي العربي لمناقشة «حالة العالم سياسياً»، التي أطلق خلالها جملة من التوقعات المثيرة، عن أمله أن تكون سياسة بلاده متوافقة على الدوام مع سياسة الإمارات لافتاً إلى العلاقات الوثيقة التي تربط بلاده بالدولة.
وفي تقديمه لحديثه، الذي جاء في صيغة توقعات مثيرة ومحددة، أشار إلى أن الفترة الحالية من عمر العالم هي صعبة وعصية على التوقعات، وبات غير المتوقع كثير الحدوث، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء البريطاني الحالي لم يكن شخصاً متوقعاً لهذا المنصب، وأن كاميرون نفسه لم يكن في وارده أن يكون رئيساً لوزراء المملكة المتحدة.
تقسيم أوروبا
وفي توقعاته، بدأ وزير الخارجية البريطاني السابق بالقارة الأوروبية، مذكراً أنه توقع مبكراً أن اليورو لن يعمر طويلاً، وأن اليونان ستشهد أزمة كبيرة، وأكد في السياق أن مستقبل اليورو لا يزال غامضاً، إلى درجة تجعل من السهل أنه لن يدوم.
وأكد هيغ أن الأوضاع في أوروبا ستستمر بالسوء. وأنه يرى أن اليورو سيختفي في إيطاليا بسبب الركود الذي لن يترك لهذا البلد فرصة أو خيار آخر، فيما تشهد فنلندا جدلاً حول هذا الموضوع، بينما إيرلندا مقبلة على التخلي عن اليورو.
ولفت هيغ إلى أن هذا، وغيره سيؤدي إلى تقسيم أوروبا؛ معتبراً أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أخطأت في موضوع الهجرة، بينما قال إن منطقة الشيغن ستتعرض لضغوط كبيرة نتيجة القرارات الألمانية بشأن الهجرة، لا سيما أن ألمانيا بحسبه لن تستطيع الالتزام بها.
وتوقع هيغ، أن يواصل الركود في أوروبا، الذي لن يصل إلى مرحلة انهيار، ولكنه سيؤدي إلى بطالة على المدى الطويل، تعزيز فرص اليمين المتطرف في الصعود في أكثر من بلد أوروبي.
البقاء في الاتحاد الأوروبي
وجزم هيغ أن المملكة المتحدة ستبقى في الاتحاد الأوروبي، وأن مواطني بلاده سيصوتون في الاستفتاء الذي سيجري العام المقبل لصالح البقاء في أوروبا، مشيراً إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيدفع اسكوتلندا للخروج من المملكة المتحدة، وهذا وحده كفيل بلجوء البريطانيين إلى التصويت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.
ولفت هيغ إلى أن هناك فوائد للخروج من الاتحاد الأوروبي، بالنسبة للمملكة المتحدة. لافتاً إلى أن إيجابيات ذلك ليست قليلة، غير أن الضرورة تفرض التفكير باعتبارات أخرى غير الفوائد المباشرة. وفي جانب آخر، أكد هيغ أن المملكة المتحدة مستعدة لتوسيع دورها في العالم.
وفي توقع آخر، بما يتعلق بالولايات المتحدة، قال وزير الخارجية البريطاني السابق أن الرئيس الأميركي المقبل سيكون ذا قدرة وعزم أكبر من مثيله الحالي. لافتاً إلى أن توقعه هذا يقوم على قناعته بأن المرشح دونالد ترامب لن يصل الرئاسة في أميركا، مرجحاً أن يحسم السباق الرئاسي لصالح هيلاري كلينتون أو مرشح جمهوري قوي. وبالتالي، فإن الرئيس المقبل سيكون ميالاً للتدخل في القضايا العالمية الشائكة، ولن يتردد في اقتحامها.
ظاهرة ترامب
وحول ظاهرة ترامب، قال هيغ إن السياسة الخارجية تعتمد كثيراً على هذه منطقة الشرق الأوسط. وسياسة الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما هي رد فعل على سياسة جورج بوش، ويتمثل رد الفعل هذا بالهرب من التدخل في النزاعات الضخمة. وهناك نقاش أميركي في الإدارة الأميركية حول ذلك.
وبالنسبة إلى ترامب، فإن ما يحظى به من تأييد في أميركا هو بسبب أنه يقول ما يفكر به، ولأنه نقيض الدبلوماسية، ولكن هذا لا يعني أن أفكاره تلقى تأييداً أو ترحيباً.
الغرب وروسيا
وتوقع هيغ أن تتراجع حدة الخلافات بين الغرب وروسيا، عزياً ذلك إلى أن أوروبا ستجد أن من الصعوبة بمكان مواصلة فرض العقوبات ضد روسيا، إضافة إلى أن ظهور عدو مشترك هو تنظيم داعش، الذي توقع له أن يستمر ويحافظ على وجوده، وأن يجد أماكن أخرى يظهر فيها إن واجه الهزيمة في العراق وسوريا.
وشدد هيغ على أن تحسن العلاقات الأوروبية مع روسيا أمر مهم جداً؛ قائلاً: «علينا أن نفكر بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في روسيا على المدى الطويل». روسيا بلد كبير ومهم، وعضو في مجلس الأمن، وتمتلك حق الفيتو، وأظهرت أن لديها استعداد لاستخدامه بلا تردد. ونحن نعرف أن وزراء خارجية دول العالم مضطرون للتعامل مع روسيا كل يوم. وقد كانت أساسية في الاتفاق النووي مع إيران. وهي كذلك أساسية في سوريا.
وحول الأزمة بين روسيا وتركيا، قال هيغ إن «العلاقة بين البلدين يجب أن تدار بشكل حكيم. ولم يكن على الروس أن يصعدوا، كان على تركيا أن توجه الإنذار للطائرة». ولكننا نتحدث هنا عن قائدين في البلدين لديهما كبرياء شديد. لافتاً إلى أنه لا يتوقع أن يؤدي إسقاط الطائرة إلى تغيير دائم في العلاقات بين روسيا وتركيا.
إيران وسوريا
وفي الشأن الإيراني، قال إن العلاقة بين الغرب وإيران ستظل في حالة من التململ وعدم الارتياح من الطرفين، لافتاً إلى أن ذلك لا يعني أن طهران لن تنفذ الاتفاق النووي، لكنها لن توقف سياساتها التدخلية.
وقال: «سياسة إيران الخارجية ستتغير بشكل بطيء، هذا إن كانت ستتغير، وهي لن تخبرنا أنها ستتغير. وسياستها في اليمن والعراق وسوريا ستستمر لوقت، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى حرب بالوكالة».
في الملف السوري، جزم هيغ أن العام المقبل سيشهد تركيزاً ملحوظاً على موضوع دستور سوري جديد، مشدداً أن النزاع هناك سيتم تجميده.
وبالمقابل، توقع هيغ أن تتجه النزاعات في شرق آسيا نحو التصعيد وليس التراجع.
وحول القضية الفلسطينية قال هيغ، إن وزير الخارجية الأميركي جون كيري اعتقد قبل عامين أنه يمكن أن يحقق نجاحاً في ملف التسوية السياسية، «وأنا بنفسي نصحته باستثمار الفرصة السانحة لتحقيق نجاح في هذا المضمار، ونرى اليوم أن ذلك لم يتحقق. لم تستجب القيادة الإسرائيلية للفرصة، فانتهت جهود كيري»، لافتاً إلى أن موقف إسرائيل سيكون أضعف وأضعف بمرور السنين طالما لم تصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين.
توقعات عشوائية
وفي توقعات أخرى، قال هيغ إن العام المقبل سيشهد هجوماً إلكترونياً ضخماً، سيطال المؤسسات المالية، ربما يأخذ نشر حسابات ووثائق سرية أو السيطرة على منظمات حساسة، ما سينجم عنه تغيير في الوضع وانهيار مؤسسات ضخمة في العالم.
وفي توقع متفائل، قال هيغ إن العام الجديد سيشهد اختراقات علمية ضخمة، في الطاقة الشمسية أو المواد الخفيفة، تنقل العالم إلى عصر تكنولوجي جديد تماماً.
مسيرة
كان وليام هيغ من أبرز الزعماء السياسيين البريطانيين لأكثر من 20 عاماً، حيث تولى رئاسة حزب المحافظين إضافة إلى عمله كوزير للخارجية. وبعد إعلانه عن نيته التنحي عن منصبه، ختم مسيرته السياسية في وزارة الخارجية وفي مجلس العموم.
خلال السنوات الست التي أمضاها وزيراً للخارجية، تعامل هيغ مع أوضاع مضطربة تمثلت في الأزمات التي شهدتها ليبيا وسوريا إضافة إلى مسألة انسحاب القوات البريطانية من أفغانستان، وأزمة أوكرانيا، وتحديات مكافحة الإرهاب والعلاقات البريطانية الأوروبية.
قاد وليم هيغ المفاوضات التي أدت إلى تشكيل حكومة التحالف في العام 2010. ويمتاز بخبرته في الشؤون الدولية والمحلية وبمعرفته الواسعة في خبايا السياسة وأسباب تنامي الاضطرابات. ويعتبر متحدثاً بارزاً ومرجعاً في تأثيرات التطور التكنولوجي، والتغيير الديموغرافي.
