تحت رعاية سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، وبرئاسة عبد الله بن بية، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية، ونخبة من العلماء وأصحاب الفضيلة والسماحة المفكرين، أعلن منتدى تعزيز السلم في اجتماع عقد في أبوظبي أمس عام 2016 عاماً لمكافحة التطرف والإرهاب، وذلك في ظل الظروف الراهنة وتسارع الأحداث التي تحتم على علماء الأمة تنسيق جهودهم ضمن عمل مؤسسي قادر على مواجهة التطرف.
بناء الهياكل
وأكد عبد الله بن بية، في الاجتماع التأسيسي لمجلس أمناء المنتدى، أن الاجتماع يأتي ضمن جدول أعمال المنتدى وخططه وبناء هياكله، ويهدف إلى تفعيل دوره وما تمخضت عنه الملتقيات الدولية والدورات السابقة من توصيات.
وقال إن المنتدى، تحقيقاً للأهداف التي قام بها، عمل على وضع وتنفيذ خطط قريبة المدى، تتمثل في التدخل في مناطق التوتر في المجتمعات الإسلامية والإنسانية، وخطط سريعة لإصدار منتجات علمية وفكرية لتصحيح المفاهيم المغلوطة وتأصيل قيم السلم، لافتاً إلى أن أهم ما سيعلَن عنه في الأمد القريب «موسوعة السلم» التي ستكون أول موسوعة في التاريخ الإسلامي حول موضوع السلم، وكذلك خطط للتكوين ضمن برنامج علمي محكم ينتسب إليه الرجال والنساء، وإقراراً بمبدأ أهمية دور المرأة في تعزيز ثقافة السلم، وبحث سبل إنجاح مؤتمر حماية الأقليات الدينية في الديار الإسلامية (للإطار الشرعي والدعوة للمبادرة) الذي سينعقد تحت رعاية الملك محمد السادس، ملك المملكة المغربية، وتنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، بالشراكة مع منتدى تعزيز السلم ـ أبوظبي بمدينة مراكش في 25 ـ 17 يناير 2016، تمهيداً لمؤتمر ثانٍ حول الأقليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة (الإطار القانوني والدعوة إلى المبادرة).
تنسيق الجهود
وأشار بن بية إلى أن الاجتماع التأسيسي لمجلس أمناء المنتدى يهدف إلى تنسيق جميع الجهود لتحقيق السلم، وإعلان عام 2016 عاماً لمكافحة التطرف والإرهاب.
وأضاف: «في ظل عدم فعالية الخطاب الفكري والمنهجية التي يمكن أن تقي الشباب من السقوط في أحضان الفكر المتطرف الذي تسارعت خطاه ووتيرته في استقطاب فئات واسعة منه في المجتمعات الإسلامية والإنسانية، فإن الضرورة أصبحت ملحة إلى قيام كيان مؤسسي يسارع الخطى بحسب الممكن نحو تشخيص أسباب السقوط، ووصف الأدوية الوقائية من هذا الوباء أولاً، ثم القضاء عليه ثانياً، باعتبار ذلك واجب الوقت الذي ينبغي أن يؤديه علماء المسلمين».
وذكر أنه كان لانعقاد الملتقيين السابقين لمنتدى السلم في أبوظبي صداهما لدى المؤسسات الرسمية والدولية، وصار المنتدى محل استشهاد به في المنتظمات الدولية، واستدعي رئيسه للمشاركة في قمة مكافحة التطرف العنيف، وألقى فيها خطاباً يبحث من خلاله عن أولي بقية من عقلاء الإنسانية تنقذ ما يمكن إنقاذه، لكن لم تنفك الأحداث تتسارع بمستوى لم يعد معه أمام علماء المسلمين خيار إلا تنسيق جهودهم لإعلان الحرب الفكرية على التطرف أياً كان نوعه ومصدره، وإعلان 2016 عاماً لمكافحة التطرف والإرهاب.
بناء السلام
وجاء تأسيس منتدى تعزيز السلم استجابة لضرورة الواقع، والحاجة الملحة إلى خفض حرارة جسد الأمة الذي يوشك على الانفجار، ككيان مؤسسي قام في ملتقاه الأول بأبوظبي في مارس 2014م، وملتقاه الثاني في أبريل 2015م، باستثمار اجتماع أكثر من 450 شخصية علمية وفكرية وسياسية لتشخيص أسباب هذه الظاهرة ومعالجتها، بما يحقق السلام والوئام الإنساني، ويساعد على التنمية في مختلف مجالاتها.
ورداً على سؤال لـ«البيان» عن عزم المنتدى الثاني لتعزيز السلم تشكيل فرق من علماء المسلمين للسفر إلى المناطق الملتهبة، وعقد حوارات فكرية لتصحيح الأفكار المغلوطة، وموقف علماء الإسلام من تصريحات المرشح الأميركي دونالد جون ترامب العنصرية التي دعا فيها إلى عدم السماح للمسلمين بدخول أمريكا، قال بن بية: «إنه على الرغم من صعوبة هذه المهمة بسبب تأزم الأوضاع الميدانية في مناطق عدة في الدول الإسلامية، تم إرسال وفد إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، لدراسة الإسهام في بناء السلام والمصالحة بين أطراف الصراع، كما تم استقبال وفود من نيجيريا، وبحثنا معهم السبل الكفيلة بإخماد حرائق الفتن والتطرف».
وأفاد بأنه تمت الدعوة إلى اجتماع طارئ في نيويورك لمنظمة أديان من أجل السلام حضرها قادة دينيون من الكاثوليك والبروتستانت وممثلون عن مركز خادم الحرمين الشريفين للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وصدر عقب الاجتماع بيان حول الوضع في جمهورية أفريقيا الوسطى، وشدد على ضرورة حماية الأقلية المسلمة المضطهدة فيها، ووقف جميع الأطراف لتيار العنف المتصاعد في هذه المنطقة، كما تم الاتفاق مع المسيحيين على ضرورة إيقاف هذه الحروب، ولدينا اجتماع أيضاً في فيينا في شهر فبراير المقبل.
وفيما يخص تصريحات ترامب، أبان بن بية أنه «قال هذا الكلام لمصلحة شخصية، ولكسب المزيد من الأصوات في المعركة الانتخابية»، مؤكداً أن هذه التصريحات لا تعبّر عن السياسة أو الثقافة الأميركية المنفتحة على العالم، ولافتاً إلى أن تلك التصريحات انتُقدت من معظم الأميركيين، ومنهم الرئيس أوباما وهيلاري كلينتون.
إعلان مراكش
وأعلن بن بية عن بيان إسلامي عالمي «إعلان مراكش» سيصدر في مؤتمر مراكش الذي سيعقد في 25 يناير المقبل بمشاركة ما يزيد على 300 عالم من جميع الأديان السماوية، مشيراً إلى أن البيان سيذاع متضمناً «وثيقة المدينة» التي أصدرها الرسول صلى الله عليه وسلم في مجتمع المدينة المنورة قبل 1400 سنة الداعية إلى التسامح والتعايش السلمي والمحبة بين جميع الأديان.
حماية الحريات
وأشاد بن بية بقانون مكافحة التمييز والكراهية الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مؤكداً أن هذا القانون جاء تتويجاً لدور الدولة الرائد في حفظ المصالح وحماية الحريات، وهو أحد مظاهر الرقي والحضارة التي تتمتع بها الإمارات في ظل القيادة الرشيدة، ومشيراً إلى أن القانون جاء إعلاء للقيم الجميلة والمثل الرفيعة وإظهاراً لوجه شريعتنا المشرق التي جاءت لجلب المصالح ودفع المفاسد.
وبيّن أن مشروع القناة الفضائية التي طُرحت في المنتدى في دورته الثانية لا يزال قيد الدراسة، ويحتاج إلى المزيد من التمويل والدعم الفني ليخرج بصورة لائقة ومشرفة تعبر عن التوجهات الحقيقية للإسلام ولمنتدى تعزيز السلم.
تهدئة الأوضاع
ووجه بن بية وسائل الإعلام في أنحاء العالم الإسلامي بتقديم الأخبار بشكل مسؤول وحيادي، وطالبهم بتحمل المسؤولية في توجيه الرسائل التي تسهم في تهدئة الأوضاع، كما دعا فضيلته الإعلاميين إلى الابتعاد عن الجدل واللغط ولغة الحرب، منبهاً إلى أن كل فرد في المجتمع المسلم تقع عليه مسؤولية الإسهام في إبعاد شبح الصراعات المدنية والسياسية والابتعاد عن تأجيجها.
وأد بؤر الإرهاب
وصف فضيلة الشيخ مصطفى سسيريتش، رئيس علماء البلقان ومفتي البوسنة والهرسك السابق، الجماعات المتطرفة بالذئاب الذين اختطفوا الإسلام وشوهوا صورته النقية ليتربحوا به، ليزيد ذلك من مسؤولية العلماء في استعادة الإسلام وإبراز صورته السمحة أمام العالم، مشيراً إلى أن منتدى تعزيز السلم في أبوظبي يقوم بهذه المهمة ولا يقوم بردّ الفعل، بل يقوم بالفعل نفسه.
وأوضح أن علماء الأمة تنبهوا أخيراً لتلك المخاطر التي أصّلت للتطرف، وبدأوا بعلاج القضايا والآثار الناتجة عن التطرف والإرهاب بالعودة إلى المصادر النقية والمقاصد الشرعية والمصالح العامة التي يرعاها الإسلام، كما هي الحال في هذا المنتدى الذي تستضيفه الإمارات، حيث يسعى العلماء إلى تعزيز السلم ونشر ثقافة السلام ووأد بؤر الإرهاب والتطرف والحروب.
إشادة بريادة الإمارات في إصدار أول قانون عربي لمكافحة التمييز والكراهية
أشاد مجلس أمناء منتدى تعزيز السلم، في بيان صدر أمس، بمناسبة انعقاد الاجتماع التأسيسي الأول لمجلس الأمناء الذي عقد في أبوظبي، خلال الفترة من 11 ـ 12 ديسمبر الجاري، بريادة الإمارات في إصدار أول قانون عربي لتجريم أفعال وأقوال التكفير، فضلاً عن تجريم ازدراء الأديان والمقدسات، ومكافحة جميع مظاهر التمييز والكراهية على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفية أو ما سوى ذلك من مبررات التمييز.
تشويه
وندد المجلس بالأحداث التي وقعت في عواصم عالمية مثل باريس وتونس ومالي وكاليفورنيا التي استفزت العالم وألبته على المسلمين، وأشعلت فتيل الكراهية بين المواطنين في البلد الواحد، وشوهت سمعة الإسلام والمسلمين، مؤكداً أن هذه الجرائم لا يمكن أن تنسب إلى الإسلام، دين الرحمة الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إلى المسلمين، بل ولا إلى العقلاء من بني البشر، فلا منطق لهذه الأفعال الشنيعة إلا أن يكون للعبث نفسه منطق.
ودعا المجلس مقترفي هذه الجرائم إلى الإقلاع فوراً عن هذه الأعمال التي آذت الإنسانية وشوهت الإسلام وأرهقت المسلمين وكفرت الناس وأزهقت الأرواح وأراقت الدماء المعصومة، فلم تستثن النساء ولا الشيوخ ولا الصبيان، ودمرت المساجد ودور العبادة، فاستحقوا أن ينطبق عليهم قوله عز وجل: «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنهم ولبئس المهاد».
ودعا المجلس علماء الإسلام ومفكريه إلى تحمُّل مسؤوليتهم، والاصطفاف في صف واحد لمواجهة تيار الغلو والعنف بصراحة ووضوح لا لبس فيه، تثبيتاً لفئات كبيرة من المسلمين أنفسهم على ما ألفوه ومارسوه بوحي من دينهم من قيم السلم والتضامن والمحبة، ودفاعاً عن صورة هذا الدين التي أصابها من الغبش والتشويه بهذه الجرائم ما لم يصبها بالدعاية المغرضة والتشويه المتعمد.
ترتيب البيت الإسلامي
وأكد المجلس الضرورة الملحة والعاجلة لإعادة ترتيب البيت الإسلامي وإصلاح مكوناته أفراداً وجماعات ومؤسسات لإيجاد البيئة السياسية والاجتماعية والتربوية والأمنية المساعدة على الوقاية من هذه الآفة وعلاج آثارها ومخلفاتها.
كما دعا المجلس حكماء العالم في السياسة والفكر والدين والإعلام والفنون إلى أن يسهموا مع العالم الإسلامي في إيقاف هذا العبث بحياة الناس وأمنهم واختياراتهم الشخصية والمجتمعية وعيشهم المشترك.
وحذر المجلس علماء الإسلام من الانجرار إلى الاستغلال المغرض لمثل هذه الأحداث لمصالح سياسية ضيقة تحرم المسلمين- حيث هم أقلية - من حقهم في الاحتفاظ بخصوصياتهم الدينية والثقافية واللغوية، وترمي بهم في مهاوي الوصم والتمييز والتهميش، لأن ذلك هو فعلاً ما تهدف إلى تحقيقه هذه الأفعال الإجرامية الشنيعة، كي يتأتى لمدبريها تأليب المواطنين بعضهم ضد بعض، ليسهل عليهم في هذا الجو من الكراهية وانعدام الثقة تجنيد مزيد من المحبطين والمغرر بهم.
تعايش
دعا المجلس إلى دعم المجتمعات المسلمة في الغرب والأقليات المسلمة عموماً، خصوصاً فيما يتعلق بالتعليم الديني لتنجو من مزالق التطرف والعنف والصدام مع مختلف مكونات المجتمع، وتنخرط في تنمية أوطانها، بما يضمن التعايش للجميع وتصحيح صورة ديننا الحنيف وصورة أتباعه في الغرب.
المشاركون في الاجتماع التأسيسي لمجلس أمناء المنتدى
شارك في الاجتماع التأسيسي لمجلس أمناء منتدى تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية كل من الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالإمارات، الدكتور فيصل بن معمر، ممثل مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين أتباع الحضارات والأديان (السعودية)، الدكتور عبد الله معتوق المعتوق، المستشار بديوان أمير الكويت، ورئيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، الشيخ الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية، الشيخ الدكتور أحمد هليل، قاضي القضاة وإمام الحضرة الهاشمية بالمملكة الأردنية الهاشمية، الشيخ محمد أحمد حسين، المفتي العام بفلسطين وخطيب المسجد الأقصى، الشيخ حمدة سعيد، مفتي الديار التونسية، الشيخ محمد المختار ولد أمباله، رئيس المجلس الأعلى للفتيا والمظالم بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، الدكتور عبد الله عمر نصيف، رئيس المؤتمر الإسلامي، الدكتورة عائشة العدوية، رئيسة جمعية الكرامة بالولايات المتحدة الأميركية، الشيخ محمد تقي عثماني، نائب رئيس جامعة دار العلوم بكراتشي في باكستان، الشيخ مصطفى سيريتش، رئيس علماء البلقان، الدكتور عطاء الله مهاجراني، وزير الثقافة والإرشاد السابق بإيران، المفكر الدكتور رضوان السيد – لبنان، وعدد آخر من الشخصيات العلمية والفكرية. أبوظبي ـ البيان
دعوة إلى وضع استراتيجية تواجه خطر الحروب والعنف
أكد عبد الله بن بية، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية، أنه ألقى خطاباً في قمة القادة لمكافحة التطرف العنيف التي انعقدت بحضور عدد من قادة الدول بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا فيه جميع الأطراف إلى وضع استراتيجية ثقافية وفكرية تواجه خطر الحروب والعنف وجنون العصر.
كما دعا إلى إنقاذ سفينة البشرية وإطفاء الحريق الذي اشتعل في البيت العالمي، وألح على ضرورة التعاون والتضامن لتتكامل الجهود طبقاً لمستويات ووظائف الجميع.
وذكّر بن بية بوظيفة العلماء المسلمين وبتضحياتهم الكثيرة، قائلاً إن مهمة العلماء تغيير العقليات وتصحيح المفاهيم، ووظيفتهم إطفاء الحرائق في النفوس والقلوب، ومشبهاً الدين بالطاقة التي يمكن أن تنتج الرفاه والازدهار، كما يمكن أن تجلب الخراب والدمار، وداعياً إلى اعتبار الدين سبيلاً للسلام لا عدواً للبشرية.
وعرض بن بية، في هذا الصدد، بعض المشاريع الفكرية والميدانية التي يقوم بها منتدى تعزيز السلم، مثل مؤتمر حماية الأقليات في العالم الإسلامي. أبوظبي - البيان
