لمشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

بين المشرق القصي وأوسطه، حكاية عبور من نوع خاص وتاريخ يسير في اتجاهين يرسم علاقات ولدت لتعيش لأنها جاءت في لحظة تحد، وخلقت وتخلقت بإصرار لتبقى وتستمر، رسم طريق الحرير معالمها الأولى ناقلا جغرافيا الزمن الماضي، لتعانق الحاضر راسمة لوحة لاتخلو من بعض البثور لكن في كل جوانبها مشرقة، ربما لايوجد تاريخ محدد لبداية العلاقات العربية الصينية إذ تشكلت وفقاً للكثير من المراجع التاريخية مع بداية الخليقة ومعرفتها للترحال، ويجمع الكثيرون ان تاريخ العلاقات العربية- الصينية يعود إلى ما قبل الميلاد، حيث بدأت موجة الرحلات المتبادلة، وتطورت مع الزمن لتتوسع من مجرد علاقات تجارية إلى جسر تواصل حضاري وثقافي ومعرفي ينقل في الاتجاهين. ولم تنقطع هذه العلاقات على امتداد العصور، بل تطوّرت وازدهرت مع تطوّر الحياة وزيادة الحاجة إلى التعرّف إلى الثقافات الأخرى، ولاسيّما خلال العقود الأخيرة.

ولا يستطيع أي متابع لمسيرة العلاقات العربية - الصينية المعاصرة أن يتجاهل أهمية مؤتمر باندونغ الذي شكل نقطة انطلاق لتلك العلاقات من ناحية وبلورة الموقف السياسي الصيني تجاه القضية الفلسطينية من ناحية أخرى، ولعب الرئيس جمال عبدالناصر والديبلوماسي الفلسطيني في الوفد السوري أحمد الشقيري دوراً في التأثير إيجاباً على موقف رئيس الوفد الصيني شو ان لاي.

قبل مؤتمر «باندونغ» كان الموقف الصيني من القضية الفلسطينية لا يتجاوز حدود الدعوة إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، من دون الاهتمام بحقائق الصراع وتفاصيل القضية، وبعد المؤتمر تضمن الموقف الصيني تأييد النضال العربي ودعم الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.

علاقات دبلوماسية

لكن يظل عام 1956 هو عام غير عادي في تاريخ العلاقات العربية الصينية.

ففي هذا العام وعلى اساس روح مؤتمر باندونغ, أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية وكل من مصر وسورية واليمن، الامر الذي فتح الباب أمام العلاقات العربية الصينية في الوقت المعاصر.

كما بدأت الدول العربية بعد مؤتمر باندونغ عام 1955 الاعتراف بحكومة جمهورية الصين الشعبية وسحبت اعترافها بحكومة الصين الوطنية، حتى أصبحت جميعها الآن تتبادل التمثيل الدبلوماسي مع جمهورية الصين الشعبية.

وخطت العلاقات العربية الصينية نحو الامام في عام 1971 عندما أثيرت مسألة تمثيل حكومة جمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة.

وقد بدأ الموقف العربي يتبلور في هذا الصدد على ضوء قرار مؤتمر بلجراد لدول عدم الانحياز عام 1961 والذي دعا الدول المعترفة بحكومة الصين الشعبية إلى تأييد تمثيلها في الأمم المتحدة وحيث قررت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في اجتماعها في 17/‏‏9/‏‏1961 أن يترك لكل دولة عربية حرية اتخاذ الموقف الذي تراه أثناء عرض هذا الموضوع في الجمعية العامة في الأمم المتحدة.

وهكذا قد لوحظ أنه منذ عام 1965 لم يقتصر دور معظم الدول العربية على تأييد تمثيل الصين الشعبية في الأمم المتحدة بل اشترك بعضها في تقديم مشروعات القرارات الخاصة بذلك في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ففي ذلك العام اشتركت كل من الجزائر والصومال وسوريا في تقديم مشروع القرار الخاص بتأييد تمثيل الحكومة الشعبية الجديدة في هذه الدورة، وفي عام 1969 شاركت ست دول عربية في تقديم مشروع القرار وذلك بعد بحث المجموعة العربية في نيويورك لهذا الأمر في 14/‏‏11/‏‏1969 وفي اجتماع الدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة عام 1971 شاركت ثماني دول عربية في مشروع القرار الذي قدم لاستعادة الحقوق الشرعية للصين الشعبية في الأمم المتحدة هي: الجزائر- العراق- اليمن الديمقراطية- الصومال- السودان- سوريا- اليمن الشمالية- موريتانيا وذلك من بين 23 دولة قدمت هذا الاقتراح.

كما قامت معظم الدول العربية الأخرى بتأييد هذا المشروع عند التصويت عليه في الجمعية العامة. وعلى ضوء هذا اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار الدول الثلاث والعشرين باقتراع جرى بنداء الأسماء، وذلك بأغلبية 76 صوتا مقابل 35 صوتا وامتناع 17 عضوا عن الاقتراع، فصدر بوصفه القرار 2758 (الدورة 26).

دعم متبادل

وهكذا نجد ان الدول العربية قد دعمت الكثير من القضايا الصينية الاساسية. وبالمقابل، فان الصين تدعم القضايا العربية، حيث اتخذت الصين موقفا واضحا في دعم المقاومة العربية ضد اسرائيل، وساندت كفاح الشعب الفلسطيني بكل السبل لاسترجاع حقوقه، واعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية،ومنحتها سفارة في بكين.

وفي تلك المرحلة لعب العدوان الثلاثي على مصر دوراً في تطوير الموقف الصيني وتفعيل العلاقات العربية - الصينية التي دخلت مرحلة الاعترافات والاتصالات الرسمية، فالتدخل الأميركي المباشر في الحرب الكورية على حدود الصين الشمالية الشرقية 1950-1953 والتدخل الأميركي المساند للفرنسيين في الحرب الفيتنامية 1953-1955 على حدودها الجنوبية جعل الصين تستشعر أهمية دعم الأنظمة ذات التوجهات الاستقلالية وحركات التحرر الوطني لتوسيع الجبهة العالمية المعادية للاستعمار.

كما دفع التأييد الإسرائيلي للأميركيين في الحرب الكورية وابتزاز تل أبيب لبكين في موضوع مقعد تايوان في الأمم المتحدة والمشاركة الإسرائيلية في العدوان البريطاني الفرنسي على مصر، ماو تسي تونغ إلى بلورة موقف سلبي من إسرائيل واعتبارها قاعدة استعمارية وأداة إمبريالية. وهكذا يمكن القول إن الموقف الصيني من القضية الفلسطينية الذي اتسم بالحيادية في مطلع الخمسينات على قاعدة تركيز الاهتمام الصيني بتكريس النظام الاشتراكي وبقضايا الشرق الأقصى، انتقل نهاية الخمسينات إلى التعاطي الايجابي مع الموقف العربي على قاعدة التزام الصين بالسياسة المعادية للاستعمار الغربي والاستعمار الجديد، لكن هذا الموقف تطور على نحو كبير لصالح القضية الفلسطينية اعتباراً من أواسط الستينات نتيجة تطورات داخلية وعوامل خارجية.

واحتلت القضية الفلسطينية أهمية كبرى بالنسبة للصين وقادتها.. ولم يقتصر الدعم الصيني للفلسطينيين مادياً ومعنوياً ومناصرة حقوقهم المتمثلة في استرجاع أرضهم من الكيان الصهيوني الغاصب.. وإنما وصل الدعم الصيني حد السماح بتدريب المقاومين الفلسطينيين عسكرياً داخل الأراضي الصينية.

لكن بعد وفاة الزعيم الراحل ماوتسي تونغ في منتصف السبعينات من القرن الماضي وتسليم الحكم من بعده لقيادة جديدة انتهجت الصين سياسة أكثر انفتاحاً على العالم غلبت فيها مصالحها وابتعدت كثيراً عن السلوك السياسي الذي كان يجلب لها العداء مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية بشكل عام لتصبح أكثر قرباً منهم.. فتحققت المصالحة مع أميركا ومع روسيا ومع كل الدول الأوروبية التي كانت الصين الشعبية تختلف معها ايديولوجيا وسياسياًبمافيها دولة الكيان الصهيوني التي لم تكن الصين تعترف بها في عهد الزعيم ماوتسي تونغ والزعيم شوان لاي غير انها حرصت على أن لايؤثر ذلك على موقفها الثابت تجاه القضية الفلسطينية.

موقف ثابت

ويقول مبعوث الصين الخاص للشرق الأوسط وو سي كه إن موقف الصين الداعم للقضية الفلسطينية والتحرير السلمي لفلسطين لم يتغير قط.وقد بدأت الصين بدعم القضية الفلسطينية العادلة في وقت مبكر من عام 1960،وموقفها المؤيد للقضية العادلة التي يخوضها الشعب الفلسطيني ودعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ظل ثابتا وواضحا حتى اليوم. وقد دعمت الصين حركات التحرر الوطني في كثير من الدول في آسيا وأفريقيا وخاصة فلسطين التي كانت جزءا مهماً للغاية.

وذكر وو سي كه، إنه في العام 1964، التقى القادة الفلسطينيين في الصين بكبار القادة الصينيين. وفي عام 1965، فتح في بكين مكتب منظمة التحرير الفلسطينية يتمتع بجميع الامتيازات الدبلوماسية. ومنذ ذلك الحين، ظلت الصين تؤيد القضية الفلسطينية والنضال العادل للشعب الفلسطيني، وحافظت باستمرار بعلاقاتها الجيدة مع الدول العربية.

وأضاف وو سي كه أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال زيارته الاخيرة إلى الصين، أكد على أن الموقف الصيني الداعم للقضية الفلسطينية والوقوف إلى جانب العدالة ثابت ولم يتغير من الجيل القديم إلى الجيل الجديد من القادة الصينيين. علاوة على ذلك، فإن إثارة الصين أفكار واقتراحات مختلفة من أجل حل الصراع في الشرق الأوسط أحدث زخما إيجابياً. وأن الاقتراحات التي تقدمها الصين خلال المؤتمرات الدولية لتعزيز حل الصراع في الشرق الأوسط كانت بناءة دائما.

تحديات في طريق ممهد

لخص الخبير الصيني في الشؤون العربية بروفيسور تشووي ليه التحديات التي تواجه العلاقات العربية الصينية في الإرهاب ونزعة الهيمنة التي يفرضها القطب الواحد المسيطر على العالم. وقال في محاضرة له نظمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض في مايو الماضي إن العلاقات العربية- الصينية تبدو غير واضحة إبان الاستعمار الذي اجتاح كلاً من الطرفين غير أن هذه العلاقة قد تطورت وظهرت بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية حيث تتابع التعاون الصيني - العربي مع كافة الدول العربية بسبب رعاية قيادات الدول العربية للمصالح المشتركة.

وأوضح تشو بأن مظاهر التعاون بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أصبح على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية وفي العلوم والتكنولوجيا.

وأضاف بأن هذه العلاقات تواجه تهديدين في الوقت الحالي الأول هو الإرهاب الدولي والثاني نزعة الهيمنة (أحادية الجانب) لذا بدأت الصين والدول العربية تتجه للتكيف للمصلحة المشتركة لمواجهة هذه التحديات، وذكر بأن قيام منتدى التعاون الصيني - العربي الذي أعلن قيامه رئيس دولة الصين، وعقد مؤتمر رجال الأعمال الصيني - العربي في بكين جعل هذه العلاقة تتجه نحو مستقبل أفضل.

وذكر أيضاً بأن تعزيز التعاون الصيني - العربي أمر طبيعي بل ضروري ومنطقي لأسباب سياسية واقتصادية وثقافية حيث بيَّن بأن التبادل الثقافي مبني على التفاهم والتكامل حيث شهد توسعاً ملحوظاً بين القطبين رغم تزايد الضغوط الأجنبية، حيث اهتمت الصين منذ تأسيسها بإنشاء أقسام في الجامعات وصل اليوم إلى أربع عشرة جامعة لتدريس اللغة العربية والعلوم الإسلامية حيث شهدت الترجمة إلى اللغة الصينية ازدهاراً بشكل كبير من حيث النوع والكم في الأدب والفكر الديني وكذلك التاريخ.

وفي المقابل نجد أن كثيراً من كبار الإعلاميين والمفكرين العرب كتبوا مقالات كثيرة وألفوا الكتب حول مشاهداتهم للصين، واختتم الدكتور تشووي ليه محاضرته بقوله إن العلاقات العربية - الصينية تتمتع بأسس قوية سياسياً واقتصادياً وثقافياً حيث نتماثل في الحضارة العريقة وتاريخ طويل من المعاني السامية ونتشابه في المواقف من قضية صدام الحضارات والعمل على حماية تعددية الحضارة الإنسانية.

مصر وسوريا واليمن فتحت باب التبادل الدبلوماسي

الصين والعرب أصحاب تاريخ طويل وحضارات عريقة. وقد بدأت الاتصالات والتبادلات بينهما منذ القرن الثاني قبل الميلاد. والعلاقات الصينية - العربية فتحت صفحة جديدة منذ أكثر من خمسين عاماً عندما التقت الدول العربية والصين في التيار التاريخي للتحرر الوطني والتنمية، وعلى عكس العلاقات الدبلوماسية التي عرفت بانها عادة ماتكون محل مد وجذر ظلت العلاقات الدبلوماسية الصينية العربية محل ثبات وتقدم طيلة الفترة الماضية.

ولعل مايدعم ثبات العلاقات ان الصين تتبع سياسة واضحة تجاه القضايا العربية كما انها ظلت مساندا قويا للكتلة العربية في المحافل الدولية.

قائمة بتواريخ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية وجمهورية الصين الشعبية

اسم الدولة والتاريخ

جمهورية مصر العربية 30/‏5/‏1956

الجمهورية العربية السورية 1/‏8/‏1956

الجمهورية اليمنية 24/‏9/‏1956

جمهورية العراق 25/‏8/‏1958

المملكة المغربية 1/‏11/‏1958

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الاشتراكية 20/‏12/‏1958

جمهورية السودان 4/‏2/‏1959

جمهورية الصومال 14/‏12/‏1960

الجمهورية التونسية 10/‏1/‏1964

الجمهورية الإسلامية الموريتانية 19/‏7/‏1965

دولة فلسطين 1966

جمهورية جيبوتي 8/‏1/‏1971

دولة الكويت 22/‏3/‏1971

الجمهورية اللبنانية 9/‏11/‏1971

المملكة الأردنية الهاشمية 14/‏4/‏1977

الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى 9/‏4/‏1978

سلطنة عمان 25/‏5/‏1978

دولة الإمارات العربية المتحدة 1/‏11/‏1984

دولة قطر 9/‏7/‏1988

مملكة البحرين 18/‏4/‏1989

المملكة العربية السعودية 21/‏7/‏1990

وأكدت جميع البيانات المشتركة العربية الصينية الــصادرة بهـــذا الشأن، أن حكومة الصين الشــعبية هي المــمثل الشرعي الوحيد للصين، وأن تستند العلاقات بين الطرفين على أساس مبــادئ التعـــايش السلمي، وعـــلى تأييد الصــين للحقوق العربية وسيادة الدول العربية على أراضيــها ومقاومتها للعدوان الاستعماري والصهيوني، والتزام الصين الشعبية بما سبق أن أعلنه رئيس وزراء الصين الراحل شوان لاي في أثناء زيارته للقاهرة في عام 1964، من مبادئ خمسة تحكم علاقات الصين بالدول العربية وهي:

1 - تأييد الصين لنضال الدول العربية في مكافحة الإمبريالية ومحاربة الاستعمارين القديم والجديد ومن أجل الاستقلال الوطني.

2 - تأييد الصين لسياسة الحياد وعدم الانحياز التي تتبعها الدول العربية.

3 - تأييد الطريق الذي تختاره الشعوب العربية لتحقيق الوحدة.

4 - تأييد الحلول التي تتفق عليها الدول العربية لحل الخلافات بينها بالطرق السلمية وعدم التدخل في النزاعات العربية.

5 -احترام كل الدول لاستقلال وسيادة الدول العربية وعدم التدخل في شؤونها.