للأسواق الشعبية في كل دول العالم، قدرة فائقة على جمع مختلف فئات المجتمع، وفي عالمنا العصري؛ أصبحت تلك الأسواق رمزاً تاريخياً وتراثياً بعد أن مرت بمراحل عدة، من بيع المثل إلى بيع المبادلة إلى البيع بالنقود، وصولاً للبيع عبر بطاقات الائتمان.

وقد كانت الأسواق منذ قديم الزمان مصادر للرزق، وعرفت في الماضي بأسماء مناطقها، أو بأسماء المواد التي تبيعها، أو أسماء روادها. وهناك أسواق تعرف بأسماء أيام الأسبوع مثل: سوق الخميس، سوق الجمعة، سوق الأحد. وباتت تلك الأسواق مبعث رزق لصغار التجار، وملاذاً لأصحاب الدخل المحدود.

عبق التراث

من تلك الأسواق والتي يفوح منها عبق التاريخ والتراث، سوق مدينة العين القديم، لا يزال إلى اليوم يجذب في كل صباح عدداً كبيراً من الزبائن والمتسوقين الذين يجدون فيه ما يفي متطلباتهم من مختلف المواد الزراعية والتجارية والخضار والفواكه ومعدات زراعية ومعدات تربية الإبل والمواشي وحتى الطيور والأسماك والحبوب والتمور والسمون، ويعمل فيه تجار صغار وأصحاب بعض المهن التراثية.

ويعود سوق العين القديم في تاريخ نشأته إلى مطلع أربعينات القرن الماضي، عندما كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية، فكان الناس يتجمعون في منطقة قريبة من مجمع الواحات وقلعة المربعة، حيث يأتون منذ الصباح الباكر للتسوق من مختلف أطراف المدينة، وكل شخص كان يأتي بما لدية من بضائع ومنتجات بعضها محلي وقسم منها قادم من دبي أو من الهند، وتتم عملية التبادل والبيع والشراء إلى منتصف النهار، يعود بعدها كل شخص وقد حمل لعائلته ما يحتاج إليه من قوت يومه.

موقع تراثي

الشيبة مصبح الظاهري وهو واحد من أقدم تجار مدينة العين، اقترب عمره من 110 أعوام، يذكر أنه كان شاهداً على إنشاء السوق، وكان واحداً من الذين بنوا محلات عدة من سعف النخيل، إضافة لمقهى صغير، إلى جانب عدد من أبناء العين، منهم أحمد السلامي الذي لا تزال محلاته التجارية قائمة حتى الآن في المكان نفسه مع تغيير في الشكل والبضائع التي يبعها.

ويأخذ السوق أهميته كونه بات واحداً من المواقع التراثية في مدينة العين، وقد حرصت بلدية المدينة على صيانته وتطوير مرافقه، فرغم انتشار العديد من المحلات التجارية الكبرى في العين، إلا أن معظم السكان يفضلون الذهاب إليه مع الصباح الباكر، حتى يحصلوا على متطلبات حياتهم اليومية، حيث يتمتع السوق بوجود وفرة من المعروضات المحلية والشعبية وبأسعار بسيطة، يكفي أنك تستطيع أن تفاصل البائع على السعر الذي يستحق الدفع ويناسبك، وكما يقولون في المثل الشعبي «بين البائع والمشتري يفتح الله»، ومن ميزات السوق التاريخية والتراثية أيضاً أنه قريب من المتحف الوطني وقلعة المربعة وواحات النخيل والأفلاج، ويتوسط مدينة العين، وتقع خلفه مباشرة محطة حافلات النقل العام.

جدير بالذكر أن بلدية العين كانت قد افتتحت منذ سنوات عدة سوق الزعفرانة في منطقة الخبيصي بديلاً عن السوق القديم، إلا أن أصحاب محلات السوق القديم فضلوا البقاء في موقعه الذي عاشوا فيه واعتاشوا منه سنوات طويلة؛ هم وآباؤهم وأجدادهم.

مستلزمات شعبية

أمام باب السوق تفترش مجموعة من النسوة بملابسهن الشعبية التقليدية، الأرض لعرض ما لديهن من بضاعة، مثل الحناء وأنواع العسل وبعض أنواع الحبوب والأعشاب والملابس الشعبية، وخبز الرقاق، وحب الهريس والحلوى العمانية، وبعض أنواع العطور المركبة، والتلي والسدو، وحتى أنواع من الأواني، وكل ذلك دون رسوم تفرض عليهن، فيما تحتسب أجور رمزية على المحلات الموجودة في السوق، ما يسمح للبائعين تخفيض الأسعار إلى حد يجذب الزبائن والزوار.

يقول أحد أصحاب المحلات القديمة؛ عبدالله راشد، إنه يعمل في السوق منذ اكثر من 50 عاماً، في محل ورثه عن والده، متخصص في بيع أدوات ومستلزمات تربية الإبل، مثل الخطام والركاب والسراج، وغيرها من المستلزمات، التي تكاد لا تكون متوفرة إلا عنده، ويجد إقبالا من أصحاب الإبل ومربي المواشي. وبات محله يتمتع بصفة تراثية، حيث يأتي بعض السياح لالتقاط الصور التذكارية مع المستلزمات فيه.

أما عبد الله مصبح فلديه محل لبيع الحبوب وطحنها منذ أكثر من 40 عاما، إضافة لبيع بعض أنواع الأعشاب المحلية، التي تستخدم في الطب الشعبي وتحظى بإقبال كبير.

أسعار بسيطة

أم راشد التي اعتادت الجلوس في هذا المكان منذ أكثر من 20 عاماً تقول إنها تبيع خبز الرقاق والحناء والأعشاب الطبيعية، وتشعر بفرحة كبيرة وهي تستقبل زبائنها الذين يدفعون لها ما تريد، فأسعارها بسيطة جداً، وسعر أغلى قطعة لا يتجاوز 10 دراهم.

ويضيف أبو عبد الله من سكان مدنية العين إنه منذ أكثر من 35 عاما وهو يأتي كل صباح لشراء متطلبات المنزل من خضار وفواكه ولحوم وأسماك وبيض وسمون، فهو يجد كل ما يحتاجه وبأسعار أرخص بكثير من المجمعات التجارية.

وترى أم حسن ربة منزل، أن أسعار البيع تناسب أصحاب الدخل المحدود، وبإمكان الزبون مفاصلة البائع وتنزيل السعر بالتراضي، كما أن جميع المعروضات من خضار وفواكه ولحوم طازجة، أسعارها تختلف من الصباح إلى المساء.