أشجار السمر والغاف تعتلي الجبال، وتكثر في السهول والوديان، تتوزع هنا وهناك، لتجسد بظلالها الوارثة مناخاً طبيعياً، يحفظ اللمة الأسرية، ولقاءات المودة والاستجمام التي تفوح منها ملامح الترابط الاجتماعي. هكذا وصفت أسرة محمد سالم الشامسي من الفجيرة، رحلاتها المتكررة إلى البر، إذ تمضي هناك أمتع الأوقات في نسق حياة بسيطة ومثيرة بأدق تفاصيلها، خارج حدود البيت، بعيداً عن روتين الحياة المعتاد.
تشاور
يقول رب الأسرة أبو خليفة، إن للبر ورحلاته طعماً ونكهة استثنائية، إذ تتضح من خلاله العلاقة الأسرية الجميلة، وتبرز الصفات الجميلة لدى الجميع، لأن فيه حياة غير متكلفة أو رسمية، موضحاً أن لحظة اتخاذ قرار الخروج في رحلة إلى البر، تشعل لهيباً من الآراء حول المكان المفضل، فترى العائلة معاً في جلسة شورى لتأخذ لاحقاً برأي الأغلبية حول الوجهة المناسبة لقضاء يوم خارج المنزل.
وتلك المتعة المطلوبة نحتاج إليها في حياتنا لنبدد فيها زخم الأيام العادية، حيث تأخذنا مشاغل الحياة في وتيرة متسارعة ومنهكة، وهو أمر يجعلنا نبحث عن فرصة للقاء عائلي جميل تسود فيه روح الأسرة الواحدة والترابط، والأهم من ذلك تجسيد شعور بالدفء العائلي في أجواء ممتعة.
استعداد
ويضيف رب الأسرة، إن جلسة التشاور تفضي إلى إجراءات التنظيم والاستعداد، فتجد كل أفراد الأسرة يتعاونون للقيام بالرحلة على أكمل وجه، حتى الصغير في العائلة تجده بهمة الكبار يساعد كالبقية، وترتسم على وجهه البريء ابتسامة سرور وسعادة، وهو يتحفز للقاء البر، ولا أحد يتأفف من القيام بمهام جسام من أجل نجاح رحلات البر العائلية، فالكل يد واحدة.
وأضاف أن الخروج في رحلة برية مهمة اجتماعية جميلة تحمل في طياتها ملامح عديدة مثيرة ومحفزة، تجعل الأسرة تتكاتف بهمة واحدة، للقيام بالمطلوب، إذ تتقسم الأدوار بتلقائية، ويبرز عامل التنظيم بكل عفوية.
أدوار
ويوضح الشامسي أن دوره يتحدد في تأمين الخيمة ومعدات تجهيزها، أما ابنه البكر فهو مسؤول عن عدة الشوي من فحم وأسياخ وشبك وقاعدة زيت الإشعال والكبريت، ومهمة الأم تحضير الطعام المخصص للشوي والخضار والفواكه والمشروبات الباردة والساخنة، أما البنات فتكون مسؤوليتهن شراء وجبات السناك الخفيفة من مكسرات وشيبس وغيرها، وتوكل إلى الخادمة مهمة تجهيز الماء الخاص بالتنظيف والصابون والأواني والصحون والملاعق والسكاكين.
هذا ما يميز الرحلة العائلية؛ الكل سعيد ويشارك في تجسيد أقصى درجات المتعة والانسجام، حتى تشعر أن هناك روحاً من البهجة تطغى على وجوه الجميع، عكس ما نعيشه في بيوتنا، إذ أصبحت أيامنا تضج بالملل والرتابة والعزلة أيضاً، لذلك تسعى الأسر إلى تبديد هذه الأجواء أو تعويضها من خلال الفسح والرحلات البرية، للخروج من هذا الإطار الضيّق، وتعميق أواصر التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، وخلق روح التكاتف في أوقات سعيدة تدوم في الذاكرة.
طريق
الجميل في رحلات البر ساعة الانطلاق إلى الوجهة المحددة، فهي في حد ذاتها لذة تستمتع فيها العائلة من لحظة الانطلاق إلى التوقف عند بائع الحطب للتزود بعدد من الحزم المربوطة للتدفئة ولاستخدامها في الطبخ، ما يضفي طعماً مميزاً على الطعام المعد في إناء البساطة.
وفي الطريق لا بد من التوقف عند الأسواق الشعبية الزاخرة بالخضار والفاكهة الطازجة، لشراء ما لذ وطاب من المعروض فيها، الجميع يختار فاكهته المفضلة للاستمتاع بتناولها خلال الرحلة.
أجواء يصفها أبو خليفة بالحميمية إذ يتقارب فيها أفراد العائلة وتخلق في نفوس الأطفال لا سيما من هم في عمر المدرسة، فيشعروا من خلال مثل تلك الرحلات بالنشاط والحيوية والتجديد، خاصة أن رحلات البر تطلق العنان للجميع بالتنفيس عن رغباته وهواياته؛ في الجري واللعب والاستلقاء وأخذ قسط من الراحة وسط المناظر الطبيعية الخلابة من جبال ورمال وشواطئ خلابة، تعرف بها مناطق الساحل الشرقي.
وصول
عند لحظة الوصول للموقع تتصاعد الهمم، فتترجل عائلة محمد الشامسي من السيارة، وتستعد لتجهيز المكان، بداية بنصب الخيمة تحت شجرة وارفة الظل، وفرش الحصيرة وتجهيز عدة الشوي وإشعال النار ووضع الطعام على موقد الحطب ليطبخ على الجمر، ثم ينطلق بعدها الجميع للاستمتاع بالأجواء المنعشة؛ تجد الأطفال يلهوون ويركضون ويمرحون في كل مكان، معبرين عن فرحة ممتدة، أحدهم يلعب كرة وآخر يجمع الحصى وأخرى تلعب بالرمال، حياة مغايرة لأجواء المنزل، تنثر الفرحة على الوجوه وتستخرج الطاقات في أبهى الصور.
طعام
وإذ تحين ساعة تناول الطعام، يقول الأب محمد سالم الشامسي؛ تجد شهية الجميع مفتوحة على عكس المعتاد، يأكلون من هذا وذاك، من أطعمة ومشروبات وحلويات، وأعينهم تترقب الوجبة الرئيسة التي تعد على الحطب للتمتع بتناولها وسط الطبيعة الساحرة، ولحظة الإعلان عن جاهزية الطعام تجد الكل جالساً على السفرة يتلذذ بالطعام، على عكس حالهم في البيت، حيث اللامبالاة في تناول الطعام أو عدم الرغبة فيه، ما يجعل من لمة العائلة على سفرة واحدة أمراً نادر الحصول في الأيام العادية، أما في الرحلة البرية فيتجلى فيها حماس لدى الجميع ورغبة في تناول الطعام على اختلاف أصنافه، الأمر الذي يفرحه كونه أباً ويجعله يكرر مثل هذه الرحلات لما تعود به من فائدة صحية ونفسية واجتماعية على جميع أفراد الأسرة.
ساعات
تمر ساعات البر سريعاً على عائلة محمد الشامسي وينجلي الوقت مسرعاً، فتغرب شمس يوم جميل ويعم المكان ظلام دامس، فتضيء النار المشتعلة المكان في جو تسترخي فيه الأبدان بعد وجبة دسمة ولذيذة جمعت العائلة على سفرة الألفة والانسجام، وبعد ساعات قليلة، تبدأ العائلة في إعادة ترتيب حاجاتها استعداداً للرحيل، وعلامات الحزن على فراق ذلك المكان الجميل بادية على وجوه الأبناء، التي يبددها وعد من الأب والأم بالعودة مرة أخرى، والاستماع بأجواء البر خلال أيام قصيرة لاحقة.
