«اللاقط الهوائي اليدوي» بصمة شاهقة من الماضي تشمخ بذكريات تحمل عبق الطفولة وزمان الطيبين. تلك الأداة التي ظلت علامة فارقة فوق البيوت، كانت صورة من مشاهد الحياة الاجتماعية، وعكست بجلاء أحوال وظروف مجتمعنا الذي عاش في الثمانينيات والتسعينيات طفرة التقارب والترابط والتواصل.

«الأريل والعرشة»

عن ملامح تلك الحقبة يتحدث عبدالله صالح السعدي أحد الذين عايشوا تلك المرحلة التي ظل اللاقط الهوائي بطلاً لها فوق شاشات التلفزة، حيث قال السعدي: كان أفراد الأسرة والجيران والأقارب والأصدقاء بانتظار عرض البرامج التلفزيونية أمام شاشة التلفاز، كان ذلك تحديداً في الفترة ما قبل الغزو التكنولوجي للاتصالات، حيث لا وجود للقنوات الفضائية أو ما يسمى بـ«العربسات» و«النايل سات».

وأضاف: في الثمانينيات وما بعدها بقليل؛ امتلك غالبية الناس اللاقط الهوائي أو «الهوائي اللاقط»، حيث كان يطلق عليه مسميات محلية مختلفة منها «الأريل» وكذلك «العرشة» في محاولة لالتقاط إرسال بعض شبكات البث الأرضية التي كانت تحظى بصيت شعبي واسع. وعانى الناس كثيراً من محاولة الظفر بتلك القنوات، ما جسد محاولات حثيثة وطريفة في الوقت ذاته.

كبش فداء

من أجل ذلك، يتابع السعدي؛ كان يتم اختيار كبش فداء من بين أفراد الأسرة للخروج إلى ساحة المنزل (الحوش) وغالباً الصعود إلى سطح البيت إذ أن كثيراً من البيوت كانت تضع اللاقط على السطح، ويتولى هذا الشخص تحريك عمود اللاقط الحديدي يدوياً إلى جهات عدة بين اليمين واليسار، لالتقاط إرسال المحطة التلفزيونية المقصودة بأقصى وضوح ممكن.

في تلك المرحلة وفي هذه العملية تحديداً؛ كانت كلمة السر بصوتٍ عالٍ تتمحور حول ثبات الإرسال «صافي» من عدمه، حيث يقوم أفراد الأسرة أو الأصدقاء بتوجيهه، ويرد عليه المتسمّرون أمام شاشة التلفاز «حرك شوي يمين.. لا لا حرّكه صوب اليسار» إلى أن تتضح الصورة التلفزيونية بشكل يمكن للأسرة التمتع بمتابعة البرامج والمسلسلات المختلفة.

ظروف الجو

وأوضح السعدي أن عملية تعديل الموجة التلفزيونية كانت تصادفها محاولات حثيثة ومتكررة، وقد تكون دون طائل، ويضطر المجتمعون إلى ترك التلفزيون وقضاء وقتهم في أمور أخرى، وحين يكون الجو حاراً جداً أو بارداً تزداد مهمة الحصول على صورة تلفزيونية أفضل..

في حين لا يتم التقاط الإرسال في الوقت الذي يكون فيه الجو ماطراً أو أثناء الرياح الشديدة، وبعد أن عاش الجميع أياماً لا تنسى مع اللاقط الهوائي، نزل إلى الأسواق اللاقط الآلي؛ غير أنه لم يكن أفضل حظاً من الهوائي اليدوي.

حلقة ربط

وقديماً؛ كان اللاقط يعد حلقة الربط والتواصل مع العالم الخارجي على الرغم من إشكالية التعامل مع التلفزيون وصعوبات وضوح الصورة، وكيفية معالجتها بالأدوات والإمكانيات البسيطة المتوفرة لدى الأسر، وكان يجسد مربط العلاقات الإنسانية بين أبناء المنطقة أو الأخوة في بيت واحد، رغم حالة المعاناة التي كانت الأسرة تتكبدها لمشاهدة التلفاز في تلك الفترة، حيث ظل التلفاز جامع الأسرة، وهو بمثابة المجلس الصغير في كل بيت.

بعد الساعة التاسعة صباحاً من كل يوم؛ تبدأ مرحلة التسمُّر أمام شاشة التلفاز الصغيرة، الذي كان يواصل برامجه حتى العاشرة مساءً..

حيث يذهب الناس وقتها للنوم بقصد الاستيقاظ مبكراً، قبل أن يحل «الدش» الحديث والاتصالات العصرية والعالم التقني، محل أدوات الماضي الجميلة، وتنعكس معها الصورة حول العالم بأقصى درجات الدقة والسرعة والعبقرية والوضوح، هنا؛ يمكن لأي شخص المقارنة بين عقدين أو ثلاثة، ليستشف مفارقات لا تفارق الذاكرة.