18 دقيقة غيبت قلبها عن النبض لكنها لم تغيب مريم عن الحياة.. كانت تلك الدقائق فاصلاً زمنياً عاد مثقلاً إلى الوراء إلى كل الآلام والأوجاع التي مرت بها في رحلة العلاج مع الكيماوي ترقب وخوف واستنفار من قبل الأطباء في حجرتها والدموع تملأ عيني والدتها وهي تناظر ابنتها بين الحياة والموت لكن لمريم عمراً ستعيشه ولم يمنعها عن ذلك أي قاهر.

ولادة

«شعرت بالصدمة عند معرفة إصابة ابنتي بمتلازمة داون وخصوصاً مع عدم وجود هذا المرض في تاريخ العائلة» بهذه الكلمات وصفت الأم شعورها لدى قدوم طفلتها إلى الحياة، فمن أول نظرة ألقتها الأم على رضيعتها، شكت بإصابتها بمتلازمة داون بسبب شكل عينيها لكنها نفضت شكوكها في الهواء وتوسمت الخير أما الأب، فقد علم بإصابة طفلته منذ الساعات الأولى لولادتها بعد مراجعة الأطباء لكنه فضّل إخفاء الحقيقة على زوجته ليخبرها بذلك في اليوم الثاني،واليوم هاهي مريم ابنة 14 عاماً تبتسم للحياة بكل أمل.

عملية القلب المفتوح

حالة نفسية سيئة أصابت الأم بعد ولادتها حزناً على ابنتها لكنها وزوجها قررا الإيمان بما قسمه الله لهما والتعرف على هذا الاضطراب بشكل أكبر وبعد أشهر قليلة، نكأت واقعة جديدة جراح الوالدين حيث أصيبت مريم بمشكلة في قلبها وأجرت عملية ثقب في القلب وهي في شهرها السادس ويرجع ذلك لأن المصاب بمتلازمة داون يعاني من عيوب خلقية في القلب.

سرطان الدم

لم يدع المرض مريم وشأنها فعندما أصبح عمرها عاماً ونصف، حلّت فاجعة جديدة على العائلة حيث هاجم سرطان الدم أو اللوكيميا جسد مريم وهو ما كان أشد وطأة على والديها من خبر ولادتها مصابة بمتلازمة داون بدأت القصة عندما لاحظت الأم وجود حبيبات صغيرة حمراء تحت جلدها وبعد مراجعة الأطباء أوضحوا أن مريم تشكو من نقص في الصفائح البيضاء، مما استدعى تحويلها لقسم الطوارئ في أحد مستشفيات العين.

ومن تلك اللحظة، دخلت الأسرة والطفلة في دوامة مريرة مع العلاج الكيماوي ولياليه المضنية التي عندما يطبق الصمت عليها ترتفع أصوات صراخ مريم من الألم وقبل أن تخوض مريم رحلتها مع الكيماوي، قامت الأسرة بناءً على طلب المستشفى بالتوقيع على أوراق تفيد بتحملهم لكافة النتائج المترتبة على العلاج الكيماوي الذي يعجز الكبار عن تحمله. وبقيت مريم تعالج من المرض لعام ونصف ثم شفيت منه وهي في الثالثة من عمرها.

تعليم

ورغم إعاقتها، إلا أن درجة استيعاب مريم قوية فعندما تتحدث إليها، تشعر وكأنك تتحدث إلى طفلة سليمة وربما بدرجة وعي تفوق الأصحاء،حرص والدا مريم على أن ترتوي ابنتهما من وعاء العلم فعندما كانت في الخامسة من العمر، اصطحباها إلى «مركز العين للرعاية والتأهيل».

واليوم تتعلم مريم في «مركز النجاح» بالعين الذي يضم عدداً من الأطفال المصابين بمتلازمة داون وبحسب معلماتها، فإن مريم متفوقة في الدراسة وتتميز بمستوى مرتفع مقارنة بزملائها في الفصل المدرسي.

وتستطيع مريم القراءة وتتعلم الكتابة وهي صاحبة خط جميل. تقوم مريم بما يتكاسل عنه الكبار، فمع دخول الفجر وارتفاع صوت التكبيرات في المآذن، تستيقظ مريم لأداء صلاة الفجر يومياً، وإن حدث واستيقظت بعد فوات وقت الصلاة، تصاب ابنة الأربعة عشر عاماً بالحزن والاستياء تحب مريم قراءة القرآن الكريم وكثيراً ما تختلي بنفسها لساعات لسماع وترتيل القرآن عن طريق جهاز «الآيباد» كما أنها تحفظ سوراً قصيرة منه.

مواهب

وإن أخذ الله شيئاً من عبده، أبدله الله بأحسن منه وهذا ما تجسده قصة مريم المتعددة المواهب فهي تحترف التمثيل وتجيد الغناء وتشارك دائماً في الاحتفالات والمناسبات المدرسية.

كانت مريم سعيدة جداً بلقاء «البيان» معها ولترينا موهبتها في فن الخياطة بالصوف، أحضرت مريم عدة الحياكة من غرفتها واستكملت بأناملها الذهبية لوحة جميلة ستجد مكانها على حائط المنزل بعد الانتهاء منها. سقف الطموحات لدى مريم لا تحده السماء إذ استهواها الإعلام منذ صغرها وتطمح بأن تصبح إعلامية ومذيعة في المستقبل.