في الوقت الذي اقتحمت فيه المرأة سوق العمل لدوافع مختلفة، وصارت تؤدي مسؤولياتها جنباً إلى جنب مع الرجل في شتى الميادين، التي أثبتت فيها جدارتها وقدراتها العلمية والمهنية، أضحى غيابها عن البيت والأبناء أمراً ملحاً، وسمة يومية، للحفاظ على وظيفتها، والالتزام بإنجاز المهمات الموكلة إليها، سواء في القطاع العام أو الخاص.

في حضرة هذا الغياب الذي يستنزف نصف يوم المرأة الموظفة، لجأ العديد من الأسر والأمهات إلى الاستعانة بالمربيات أو جليسات الأطفال «خادمة أو عمة أو جدة أو خالة»، لرعاية الأبناء لا سيما الأطفال والصغار منهم، وتلبية متطلباتهم واحتياجاتهم، بصلاحيات تتفاوت بين أم وأخرى، فهل يمكن أن تكون المربية بديلة للأهل، وتحديداً الأم؟ وما تأثير ذلك على الأطفال؟ وهل بإمكان «الأم البديلة» منح الحب والحنان والأمان والاهتمام لهؤلاء الأبناء مثلما تعطي الأم الحقيقية؟

مؤيدة ولكن

ميّ حنين أم موظفة تقضي وقتاً طويلاً خارج البيت، اضطرت إلى الاستعانة بخادمة بعدما بلغ طفلها ثلاث سنوات، من أجل القيام بالواجبات المنزلية، واحتفظت لنفسها بحق القيام ببعض المسؤوليات لا سيما تلك المتعلقة بتربية وتدريس وإطعام الطفل، الذي اختارت له حضانة لإيداعه فيها خلال تواجدها في العمل، ولم تطمئن إلى إبقائه مع تلك الخادمة خصوصا في هذا العمر الحرج من حياة الطفل.

ميّ، التي تركت عملها لحين بلوغ طفلها ثلاث سنوات، لا تمانع وجود خادمة أو مربية في البيت، لكنها تعارض بشدة أن تتولى جميع المسؤوليات، بما في ذلك تربية ورعاية الأبناء وتؤكد على أهمية الاختيار الجيد لهؤلاء المربيات لجهة الديانة وإتقان الكتابة والقراءة حتى لو لم تكن اللغة العربية، ثم المستوى الثقافي، والسلوك الشخصي، لضمان تجنب نزعات الغضب والعدوانية والإيذاء الجسدي والنفسي.

وتستبعد ميّ فكرة أن تحل المربية محل الأم؛ أو أن تنجح في توفير الاحتياجات العاطفية والروحانية للطفل، خصوصاً إذا وفرت الأم الاحتياجات الأساسية لطفلها مثل التغذية، والتدريس، والتنظيف، والاحتضان..

لكنها تعترف أن ثمة أمهات سلَمن «الخيط والمخيط» للمربيات، وأوكلن إليهن الرعاية الشاملة لأبنائهن، وغفلن عن الأثر النفسي الذي سيلحق بأبنائهن عندما تحين الظروف والأوقات لرحيل هؤلاء المربيات، وإنهاء عملهن لدى تلك الأسر.

شعور بالخطر

هبة مصطفى ربة بيت استعانت بخادمة رغم أنها لا تعمل، لكنها عانت من تعلق أطفالها بها، وتفضيلها عليها، خصوصاً بعد مضي ثلاث سنوات من العمل لديها، فارتأت إنهاء خدماتها، وإنجاز إجراءات سفرها إلى موطنها، وجلب أخرى.

وتقول، إن تعلق أبنائها بالخادمة، وخصوصاً الابن البكر البالغ من العمر 7 سنوات، جاء نتيجة تساهلها في تركهم معها عندما كانت تخرج وحدها من البيت لأغراض الزيارات أو التسوق أو قضاء أي حاجة، إضافة إلى توكيل تلك الخادمة بالقيام ببعض الواجبات الخاصة بالأطفال، التي يفترض أن تكون من مسؤولية الأم مثل الإطعام والتنظيف والرعاية واللعب.

ورغم أهمية وجود الأم بجانب طفلها، إلا أن الأهم هو قيمة الوقت الذي تقضيه معه، وليس عدد الساعات التي ربما تكون عديمة الفائدة؛ تقول علياء الشمري، التي ترى أن غياب الأم عن طفلها ببدنها، لا يعني البتة غياب عاطفتها وإحساسها وأمومتها.

وترى أن نتائج الغياب يمكن تعويضها بمجرد عودة الأم من العمل إلى البيت، وتخصيص وقت كاف له ليشعر معها بالأمان والاستقرار العاطفي، لكنها تعارض فكرة أن المربية أو الخادمة يمكن أن تكون أماً بديلة.

الأم المربية

الأخصائية النفسية والتربوية الدكتورة أمل بالهول تقول، إن الأم هي التي تربي وتحضن وتبدي مشاعر الحنان، وليست التي تحمل وتلد، وقد تكون هذه الأم: العمة أو الخالة، أو الأخت، أو الجدة، أو حتى الخادمات والمربيات.

وتوضح أن الطفل في سنواته الأولى يبحث عن أي مصدر للاهتمام والرعاية والحنان والدعم العاطفي، وإذا ما وفرت الأم الحقيقية هذه الاحتياجات الأساسية للطفل فإنه سيكون في مأمن من خطورة تربية المربيات؛ خصوصاً التعلق العاطفي بهن، أو هجر الأم.

وتبين الدكتورة بالهول أن ثمة سببين ينزعان صفة الأمومة عن الأم الحقيقية للطفل، ومنحها للمربية، وهما إما أن تصاب هذه الأم باكتئاب ما بعد الولادة، الذي ينفرها من الأبناء ويقطع «حبل العاطفة» عنهم، و إما كثرة الأعباء الملقاة على كاهل الأم وساعات العمل الطويلة التي تقضيها خارج المنزل بعيدا عن الأبناء.

وفي ما يتعلق بالسبب الثاني، أشارت الأخصائية النفسية إلى أن زيادة عدد ساعات العمل، وتقليل مدة إجازة الوضع، ورفع سن التقاعد، عوامل أسهمت في بقاء الأم طويلاً خارج المنزل، وبالتالي حرمان الأبناء من الرعاية والحب والاهتمام، ونقل هذه المسؤوليات إلى المربيات وراعيات الأطفال.