في المقهى الباريسي تجلت له مع أصدقائه مأساة الشخصية العربية، التي عودت العالم على القراءة بعد إثرائه بالترجمات، ثم نسيت هذه العادة تاركة بقية البشر تسبقنا على سلم المعرفة.
الكتاب والقراءة تعنيان الكثير للإعلامي الشاب رافد الحارثي، الحاصل على بكالوريوس الإعلام ومقدم برامج في تلفزيون أبوظبي، فالكتاب بالنسبة له الصديق المخلص الذي لا يمل منه على الإطلاق، إذ يقول في دردشة هادئة أمام رفوف مكتبته:
حتى لو هجرته سنوات طويلة؛ فعندما أعود إليه وإلى الصفحة التي وقفت عندها أجدها كما هي لم تتغير.. أما القراءة فهي المتعة المستمرة والمتواصلة لسد حاجة النفس المتعطشة إلى المعرفة في كل جوانب الحياة.
يرى الحارثي أن القراءة مثلها مثل كل القيم الإنسانية المكتسبة التي يجنيها الإنسان طوال مراحل حياته المختلفة، فإذا نشأ في بيئة تشجع على القراءة وتحتفي بالثقافة والكتب، لا شك أنه سيكتسب بطبيعة الحال تلك القيمة الجميلة التي تتجلى إيجابياً في ثقافته وتفكيره وحتى في تصرفاته، أما من ينشأ في بيئة بعيدة عن الكتاب والقراءة فإن ذلك سينعكس سلباً على كل تصرفاته.
مقهى باريس
ويضيف: عدت للتو من رحلة إلى كوريا الجنوبية وفرنسا؛ وأثناء جلوسي مع مجموعة من الأصدقاء في أحد المقاهي الباريسية، كان من اللافت أن معظم رواد المقهى من الفرنسيين والأجانب منهمكون في القراءة، حتى إن أحداً منهم لم يكلف نفسه عناء النظر إلى التلفاز القديم الصاخب.. أجرينا مقارنة سريعة بين المجتمع الغربي القارئ والمجتمع العربي غير القارئ..
وبعد مناقشة جدلية تتعلق بأفضلية العرب على الحضارة الغربية من خلال حركة الترجمة الكبرى للكتب الإغريقية واللاتينية في العصر العباسي، قال أحد الأصدقاء مداعباً: «صدقوني لو نشأنا في فرنسا أو بريطانيا لأصبحنا مثلهم قارئين، لكنّا قبل قدومنا إلى هذا المقهى؛ أتينا محملين بكتب ابن سينا والرازي والمعلقات»!
مكتبة الأسرة
المكتبة المنزلية لدى الإعلامي رافد الحارثي هي بالأساس مكتبة لكل أفراد الأسرة، فمنذ أن أسسها والده أصبح الجميع يشارك في جلب وشراء الكتب لتصبح زاخرة بكل أنواع الكتب الدينية والأدبية والعلمية والتاريخية والفلسفية، إضافة إلى الروايات العربية الشهيرة وغيرها الكثير، خاصة أن أشقاءه يحرصون على حضور معظم المعارض واقتناء ما تيسر لهم من الكتب.
يقول الحارثي وهو في منتصف العقد الثالث: بدأت القراءة في المدرسة حيث كان الوالد يشتري لنا مجلات الأطفال مثل مجلة ماجد التي تحولت الآن إلى قناة تلفزيونية إلى جانب قصص الأطفال والمغامرات، إلا أن هواية القراءة بدأت تنضج وتكبر وتتسع لدي في مرحلة الجامعة، حيث اتجهت بصورة معمقة إلى قراءة الكتب العلمية والأدبية والفلسفية والروايات بشكل عام والأدب العربي والشعر بشكل خاص.
كتب باقية
ويرى أن عدة كتب قرأها في الماضي أكثر من مرة ولا تزال باقية في ذاكرته، ويعتبر كتاب «الحب والجمال عند العرب» لمؤلفه أحمد تيمور من تلك الكتب التي يعود إليها كلما أراد استعادة أفضل الأبيات الشعرية التي قيلت في الحب والجمال لشعراء العرب القدامى.
ويوضح: أكثر شيء آلمني وحزّ في نفسي عندما كنت في زيارة لأحد الأصدقاء للمرة الأولى، ولما دخلت إلى صالة المنزل طالعت مكتبته وكانت ضخمة وفخمة ومنمقة بصورة لافتة..
وتضم مئات الكتب العربية والأجنبية، وما إن لاحظ دهشتي بالمكتبة حتى ضحك وقال لي: لا تجعل عقلك يذهب بعيداً، المكتبة ليست للقراءة، للديكور فقط. لم أصدقه؛ فأكد لي أنه منذ كان طفلاً وهو يشاهد هذه المكتبة تكبر شيئاً فشيئاً، ولكنه لم ير أحداً من أسرته يقرأ كتاباً باستثناء والده الذي يحرص على القراءة مرة أو مرتين في الأسبوع.
تحديات تقنية
الدردشة أمام رفوف المكتبة التقليدية لا بد أن تعرج إلى مستجدات وتحديات عصرنا الراهن المداهم بمختلف صنوف التكنولوجيا..
وفي هذا يرى الحارثي أن القراءة التقليدية أفضل بكثير من القراءة الإلكترونية على الرغم من المزايا التي يضيفها الكتاب الإلكتروني من التكبير والتظليل والألوان والقراءة الليلية، إلا أنها لا تستهويه لأنه يفضل الكتاب الورقي التقليدي الذي يمكّنه من الاستمتاع برنين الحروف، وعذوبة الكلمات.
ويؤكد: ثورة الاتصالات وما أفرزته من تقنيات جديدة ومواقع للتواصل الاجتماعي ومحركات البحث الإلكترونية، ربطت العالم كله مع بعضه البعض، إلا أنها رغم ذلك تفتقد إلى الكثير من المصداقية والعمق في طرح الأفكار، تعطيك فقط معلومة سريعة بضغطة زر؛ لكنها معلومة سطحية خاوية بخلاف الكتاب الورقي الذي يتعمق في الفكرة حتى يشبع نهمك المعرفي إلى الدرجة القصوى.
طقوس خاصة
ويرى الإعلامي رافد الحارثي؛ الكتب المسموعة التي ظهرت في الفترة الأخيرة على «يوتيوب» وبعض المواقع الأخرى؛ مملة إلى أبعد الحدود، فعلى الرغم من أنها تعرض كتباً لمؤلفين كبار وتستوعب كتباً نادرة يصعب الحصول عليها في المكتبات حالياً..
إلا أنها تبقى مملة؛ لأنه يتم تسجيلها باجتهادات شخصية بعيدة عن الاحترافية، إضافة إلى أن الأصوات النسائية أو الرجالية التي تقرأ هذه الكتب أصوات مزعجة ومشوشة فضلاً عن وقوعها في أخطاء لغوية.
«ليس لدي طقوس خاصة في القراءة»، يستطرد الحارثي؛ «أقرأ في أي وقت وفي أي مكان، وأفضل قراءة بالنسبة لي أثناء السفر والإجازات، غير أنه لو مر ثلاثة أو أربعة أيام من دون قراءة، أشعر بأن شيئاً مهماً غاب عني، لذلك أندفع لشراء أي كتاب جديد ليدخل بي من جديد إلى عالم القراءة».
ويتردد الحارثي كثيراً أثناء فترة الاستراحة على المكتبة الموجودة في مقر عمله؛ وأهم ما يميزها أنها تضم أحدث الكتب الأجنبية في مجالات العلوم الحديثة، خاصة مجالات الاتصال والإعلام والإدارة والكمبيوتر، لذلك فهو يقتنص فرصة الاستراحة لمطالعة تلك الكتب.
أمل جديد
يشارك رافد الحارثي جموع القاطنين على أرض الإمارات؛ السعادة الحقة بمشروع «تحدي القراءة العربي»، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وقال الحارثي: هذا المشروع يعد أملاً جديداً للأمة العربية التي توقفت عن القراءة منذ زمن بعيد..
فتجمدت كل أسباب الحياة فيها، فبالقراءة والعلم والبحث تفوقت الحضارة العربية والإسلامية على كل الحضارات، وتصدرت المشهد الثقافي والعلمي على مدى عصور طويلة، ولن تعود إلى هذه المكانة مرة أخرى إلا بالعلم والبحث والقراءة.

