يجلس حميد سعيد الطنيجي مع أصدقائه على أحد شواطئ الشارقة، فيشعر باهتزاز ويرى «نور» جهازه «البليب» الذي وضعه في جيبه، يتكرر الاهتزاز مصحوباً بنغمة، فيسحب الجهاز بنوع من التفاخر وسط أصدقائه، مستأذناً منهم التوجه لأقرب هاتف للاتصال استجابة لنداء جهازه. وقد بَيت النية في قرارة نفسه أن يتملص من الجلوس لفترة طويلة مع أصدقائه، مدعياً حدوث ظرف طارئ في بيته!
إذن فـ«البليب» هو الجهاز السحري الذي تربع على عرش أجهزة الاتصالات في فترة التسعينات، وهو جهاز صغير كان يُقتنى لاستخدامه في إظهار رقم المتصل دون إمكانية التواصل عبره. اليوم؛ اختفت أجهزة «البليب» من محلات بيع الهواتف النقالة وحتى شركات الاتصالات، وأصبح هاجس غالبية الشباب المهتمين بجمع الأشياء القديمة والأثرية، اقتناء هذا الجهاز مهما كان ثمنه.
جهاز طوارئ
عبدالله الكعبي باحث في التراث الإماراتي، أوضح أن غالبية الناس في فترة التسعينات كانوا يحاولون امتلاك جهاز النداء «البليب» حيث يوفر عليهم التواصل في ما بينهم، خاصة بين أفراد الأسرة والأب حينما يكون خارج المنزل. كما كان يُقتنى للتباهي.
وأضاف: قد تكون أطرف المواقف المرتبطة بجهاز النداء في تلك الفترة أن البعض كان يستخدمه لادعاء الأهمية في المناسبات العائلية والاجتماعية، بالطلب المسبق من قريب له بتكرار المناداة للتفاخر أمام الآخرين.
وأردف الكعبي: الراغب في اقتناء هذا الجهاز العجيب آنذاك كان يتحتم عليه التوجه لمؤسسة اتصالات والتقدم بطلب، وبعد أيام عدة يتلقى الجهاز بعد دفع الرسوم المحددة.
المبشر والمنادي
امتلك الكعبي أول جهاز «بليب» عام 92، وهذا الجهاز كان متداولاً بين المسؤولين والأطباء في المستشفيات، والعاملين في مواقع الطوارئ إذ كان يُوفر لهم من قبل جهة العمل. وللجهاز أسماء عدة، منها «المبشر والمنادي».
الابن حمد عبدالله الكعبي أشار إلى أن «البليب» يعتبر جهازاً طريفاً وضرورياً في الزمن الجميل، إلا أنه اليوم يصعب استخدامه، وقد انتقلنا من زمن «رنة البليب» إلى «رنات» الهاتف الذكي والرسائل النصية والصور ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها.
جهاز للتباهي
أما عمر محمد سعيد، موظف في مواصلات الإمارات، فتحدث عن مواقف طريفة مقترنة بجهاز النداء «البليب»، ففي تلك الفترة الجميلة من ذاك الزمن، كان أخوه «خالد» يطلب منه ومن باقي إخوته أن يتصلوا به على جهاز «البليب» مرات عدة، لاسيما عندما يكون مع أصدقائه في المقهى، وذلك من باب «الفشخرة» والتباهي لا غير!
وحينما يعود «خالد» إلى المنزل يقوم فوراً بنهر إخوته لأنهم تجاوزوا حد الاتصال به على «البليب». وأضاف: أذكر أنه حتى في المسجد، كان يحرص بعض المصلين على عدم وضع الجهاز على الصامت، إذ يتباهون برنته في حال الاتصال بهم!.
ويذكر المستشار عبدالله ناصر الكعبي، رئيس لجنة جمعية المحاميين القانونيين في العين، أنه امتلك جهازين للنداء، أحدهما للعائلة، والآخر للنداء. موضحاً أنه كان موضة «زمان التسعينات»..
وغالبية الناس لا يستطيعون الاستغناء عنه، بل إن هناك من كان يشتري محافظ جلدية فاخرة للحفاظ على جهازه من أي خدش، وحتى لا يتعرض لأي عطل في حال وقوعه على الأرض. ويرى أنه من الطبيعي أن يتم الاستغناء عن جهاز «البليب» اليوم وسط اكتساح أجهزة الهواتف الذكية للأسواق، خاصة أننا نعيش في عصر تميزه سرعة تطور الأجهزة التقنية والتكنولوجيا.


