خصص ملتقى أبوظبي الاستراتيجي 2015 جلسته الرابعة لتحليل «الصدمات الاستراتيجية والاتجاهات المستقبلية»، بهدف وضع اليد على التوجهات المستقبلية التي تتشكل في الوقت الراهن، وأهم السيناريوهات التي ستواجهها البشرية بفعل التحولات العميقة الطارئة في منطقتنا العربية والعالم.
وفي الجلسة التي أدارها ستيفن كليمنز، المحرر في مجلة أتلانتك والباحث في مؤسسة «أميركا الجديدة»، تعرض المتحدثون إلى التغيرات الطارئة على سياسات القوى العظمى، خاصة روسيا والولايات المتحدة.
وبادر سيرغي ألكساشنكو، باحث غير مقيم في معهد «بروكنغز» والنائب السابق لمحافظ المصرف المركزي الروسي، إلى القول بأن التغيير الطارئ على سياسات روسيا هو في الواقع تغيير في موقف بوتين الذي وصفه بالسياسي الانتهازي الذي اختزل روسيا في شخصه.
وقال ألكساشنكو إن تدخل بوتين في سوريا جاء بطلب من الإيرانيين بهدف إنقاذ نظام الأسد، معتبرا أن روسيا لا تعمل بالضرورة على الاستقرار في المنطقة، لكنه توجه باللوم على الغرب الذي لم تنتج تدخلاته العسكرية العديدة في العالم عن أي نموذج ناجح باستثناء البوسنة وكوسوفو.
صياغة جديدة
من جهته قدم محمد بن هويدن، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات، رؤية مختلفة عن طبيعة الفاعلين المؤثرين في صياغة النظام العالم الجديد عندما قال إن كل الوقائع تشير إلى أن الشرق الأوسط من سيكون مؤثرا وليس الصين أو أفريقيا أو الاتحاد الأوروبي.
فتراجع الدور الأميركي، والصعود الروسي أخيرا، وتحديات أزمة اللاجئين، وتقلبات أسواق النفط كلها ظواهر مرتبطة بمنطقتنا وتؤكد جميعها أن ما يحدث عندنا ينتقل إلى بقية دول العالم ويؤثر فيها.
وأضاف بن هويدن أن دولة الإمارات مدركة لهذه التحولات، لذلك حزمت أمرها وقررت مع شركائها في المنطقة تحمل مسؤولياتها لملء الفراغ الذي أرى أن الانكفاء الأميركي خلفه.
واعتبر المحاضر الإماراتي أن الرئيس الأميركي نأى بنفسه عن مشاكل المنطقة لعدم التأثير على حزبه أو إرثه السياسي، وكان حرياً به أن يبدي التزامه حيال حلفائه بالمنطقة خصوصا وأنهم كانوا أوفياء لشراكتهم مع الولايات المتحدة.
ووافق كينتيث بولاك على تأثير أزمات الشرق الأوسط على العالم، لكنه قال إن خبرتنا في التعامل مع الحروب الأهلية، وهي أربعة في العالم العربي ويحتمل أن تمتد إلى دول أخرى، تؤكد أن أي تدخل من جهات خارجية إنما يزيد الوضع سوءاً.
وتحدث فريديريك كيمب، الرئيس التنفيذي لمجلس الأطلسي عن سيناريوهات المستقبل في ظل المخاطر والتحديات الناجمة وبروز قوى جديدة وتراجع أخرى تقليدية في سيناريو يذكر بعامي 1949 و 1990 في إشارة إلى الحرب الباردة.
وقال كيمب إن الأزمة في سوريا تأخذ أبعادا عالمية وهي مرشحة إما لمزيد من التدهور أو لاستمرار الدولة لكن دون سيطرة حقيقية. وقال كيمب إنه يرى نقطة إيجابية في المنطقة يمثلها النموذج الإماراتي، لكنه أعرب عن اعتقاده بحاجته إلى عمل دؤوب من أجل تعميمه.
تحديات مناخية
وفي تحويل لدفة النقاش، قالت جيسيكا ماثيوز، الرئيسة السابقة لمؤسسة كارينيغي للسلام الدولي، إن الصدمة المقبلة تكمن في اقترابنا من أزمة غير مسبوقة لانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون.
وبينما نقترب من قمة باريس المناخية، أستطيع أن أرى أن ثمانين بالمئة من الدول ستطلق تعهدات بتخفيض من هذه الانبعاثات، ولكن وحتى لو تم الالتزام بهذه التعهدات من أجل خفض درجتي حرارة على كوكب الأرض، فإننا نتوجه نحو كارثة مناخية.
وأثارت هذه الملاحظة تعليقات كثيرة من المتحدثين حول التحديات المناخية ومدى أولويتها بالمقارنة مع المشاكل السياسية العاصفة في العالم. وأعاد الدكتور زيد عيادات، المستشار في مركز الإمارات للسياسات، النقاش إلى حلبة السياسة حين قال إنه يرى أزمتين اثنتين تتهددان العالم.
تتصل الأولى من انتقال الصراع على المقدرات والموارد إلى صراع بين الأفكار والقيم، بينما ترتبط الثانية بانهيار النظام الأمني العالمي الذي عرفناه في المئة عام الأخيرة، خاصة في منطقتنا المقبلة على ما يبدو أنه سايكس بيكو جديد.
ورصد الدكتور المحاضر في جامعتي جورج تاون وكونيكتكت الأميركيتين تراجعا غربيا في التركيز على الديمقراطية لصالح الشرعية، مؤكدا على ضرورة تطوير نظام للتعايش بين جميع فئات المجتمع كمخرج من الأزمات التي تعصف في المنطقة، والتي تكتسي طابعا هوياتيا في كثير من جوانبها.
وتناول المتحدث الصيني الوحيد في الجلسة سوالو وانغ، مدير مركز الشرق الأوسط في جامعة بكين، موقع الصين من التحولات العالمية باعتبارها الوريث المقبل للنظام العالمي الجديد برأي الكثيرين.
وربط وانغ بين نظرة بلاده للشرق الأوسط ولأزمة المناخ قائلاً إن بكين ترى الأمرين كثقب أسود. بينما نفهم في الصين تحديات المناخ، فإننا نحاول ملاءمة هذا الفهم لحاجتنا إلى استدامة وتيرة النمو. نحن نسير في هذا المنحى وفق رؤية صينية ذاتية.
وكذلك نعتقد أن على دول الشرق الأوسط أن تشق طريقها بشكل ذاتي دون اتكال على حلفائها التقليديين. واعتبر وانغ أن نماذج الانتقال الدامي في المنطقة العربية أعطت هدية ثمينة للقادة الصينيين تعزز قناعتهم بأن للأنظمة الشمولية ميزاتها بالنظر إلى ما خلفه سقوط أنظمة مماثلة في دول الربيع العربي.
