قال جاسم الخلوفي مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية الإماراتية، إن تدخل أطراف دولية في الدول العربية التي شهدت ثورات، أسهم في تمزيقها وخلق أجندات خاصة، في وقت تصاعدت الهويات غير الوطنية «العرقية، والمذهبية»، وتصدعت بذلك حصانة الدول، مشيراً إلى أن هذه الدول استثمرت الفوضى الحاصلة في تمرير مشاريعها وأجنداتها الخاصة، فإيران خلقت ميليشيات لتفكيك دول عربية، وهذا مرده تراجع دور الدولة في المنطقة العربية.

جاء ذلك خلال الجلسة الثانية لملتقى أبوظبي الاستراتيجي التي ترأسها الخلوفي وتناولت التحولات الداخلية في (سوريا، العراق، ليبيا، اليمن، مصر)، في ضوء ما يسمى بانتفاضات «الربيع العربي» والفراغ الأمني الناجم عنها، إلى جانب السيناريوهات التي قادت سوريا وليبيا واليمن إلى «حالة الفشل» الراهنة، والاستراتيجيات التي تبنتها مصر للتعامل مع التحديات وحالة عدم الاستقرار القائمة، وسط تداخل البعد الداخلي والإقليمي والعربي.

تداخل إقليمي

وتحدث الخلوفي خلال الجلسة عن أبرز مشاهد التداخل الإقليمي الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، في ظل تحول الأزمات الداخلية لدول الربيع العربي إلى حروب بالوكالة، حتى باتت هذه الدول ساحات لعب للآخرين، بينما عجز النظام الداخلي عن إدارة هذه الأزمات وتدوينها، الأمر الذي أدى إلى تصدع النظام الإقليمي العربي وحدوث فراغ استراتيجي ملئته دول كبرى غير عربية مثل تركيا وإيران التي استطاعت الهيمنة على النظام العربي.

من جهته اعتبر عارف النايض السفير الليبي في دولة الإمارات، أن ما يجري في المنطقة العربية حراك تاريخي كبير، في وقت لم تتمكن الثوارت من تحطيم الفاشية العربية، كفاشية حزب البعث والناصرية ومعمر القذافي، التي تبدلت إلى ميليشيات تلبس لباس الإسلام لتقتل وتسيطر، ومن بينها تنظيم «داعش» الإرهابي الذي وصفه النايض بالنازي لما يمارسه من قتل وإعدامات جماعية، مستعبداً قيام ديمقراطية في ظل وجود الفاشية.

الإخفاقات الأميركية

وقال تشارلز ريس نائب رئيس مؤسسة راند للشؤون الدولية - الولايات المتحدة، إن الولايات المتحدة الأميركية ملتزمة بمنطقة الشرق الأوسط من خلال التواجد العسكري، معتبراً الإخفاقات الأميركية في إدارة أزمات المنطقة ليست نتيجة إخفاق في السياسات الأميركية، إنما إخفاق في التصور الذي يمكن أن نتتج عنه الأحداث كما حصل في موضوع العراق وما يجري الآن في سوريا من تمزق، معتبراً أن الإدارة الأميركية لم تضع خطة طوارئ بديلة، في حين لم تتصور أن يكون بالوعزيزي سبباً في تغيير النظام في تونس.

وفي ليبيا أشار إلى أن التدخل الدولي افتقر إلى النظر بعمق لتبعات الأزمة، لافتاً إلى أن واشنطن سعت باستمرار منذ ظهور داعش إلى دفع الحكومة العراقية إلى الانفتاح على السنة ودعمت الأكراد لقتال التنظيم الإرهابي.

وبخصوص سوريا اعتبر تشارلز ريس أن تدخل روسيا جاء لمساعدة نظام الأسد، إذ شعرت موسكو وطهران أنه يجب دعم النظام السوري خشية أن ينهار مبررين ذلك بأنهم يشنون حملة ضد الإرهاب والتطرف، مضيفاً أن التدخل الروسي جاء نتيجة معرفة موسكو بعدم رغبة الولايات المتحدة في إرسال قوات إلى سوريا، في وقت حاولت واشنطن منع هذا التدخل إلا أنها لم تستطع على حد قوله، موضحاً أن الولايات المتحدة تعتمد استراتيجية شاملة طويلة الأمد تجاه الشرق الأوسط، وسياساتها في المنطقة مبنية على - مع الظروف على الأرض.

روسيا و»داعش«

ودافعت ايلينا سوبونينا مستشارة مدير المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية في روسيا، عن قرار حكومة بلادها بدخول الحرب في سوريا، مؤكدة أن هذا القرار جاء بعد تقاعص عدد من الدول المحورية العالمية في التدخل لإنهاء الصراع في سوريا، ما دعا روسيا إلى التدخل بهدف ضرب الإرهاب المتمثل في «داعش».

وقالت إن العملية السياسية في سوريا مستمرة مؤكدة أن ما تفعله روسيا في سوريا حرك المياه الراكدة في هذه البلاد، ونحن في روسيا على ثقة بأن العملية الروسية في سوريا يمكن أن تؤدي إلى نتائج إيجابية في حال نجحت جهود الجميع من أجل تطبيق التسوية السورية.

غياب الدولة

إلى ذلك قال مصطفى النعمان السفير في وزارة الخارجية اليمنية، إنه من منذ عقود طويلة كان اليمن غير قادر على القيام بوظائفه فخلال العقود التي تولى فيها عبدالله صالح الحكم كانت الدولة تدار من خلال شخص واحد فقط، تمكّن من تفكيك بنية الدولة اليمنية وحولها إلى قضية شخصية يديرها بنفسه وعندما وصل الأمر إلى ما يسمى بثورة الربيع العربي وترك الحكم لاحظنا أن الفترة التي تبعت ذلك لم تستطع اليمن أن تبدأ بمحاولات استعادة الدولة كما تمناها من قام بالثورة.

مصر والتحديات

وفي سياق تحليل الأسباب التي أبعدت مصر عن هاوية الفشل، قال الدكتور بهجت قرني أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «الوضع في مصر يؤثر في كل العالم العربي بسبب محورية دورها وثقلها الاستراتيجي والديموغرافي، كما أنه يفرز تحديات خاصة ترتبط بمدى نجاعة السياسات ونجاحها في مواجهة التحديات الكبيرة التي تمر بها مصر».

واعتبر قرني أن مصر لم تعبر المرحلة الانتقالية بشكل كامل، لأنها وإن عرفت مكامن الخلل في النظام السابق إلا أنها لم تنتج نظاماً جديداً بعد، كما أنها لا تزال محل تحديات كبيرة لأن بنية الحكم الجديدة محاطة بفخ اسمه «ضرورة النجاح في حل المشاكل الاقتصادية والحياتية اليومية والأمنية والاجتماعية، وأي إخفاق بالوفاء في الوعود المقطوعة للمواطن المصري قد يضر بمصداقية السلطة وربما بشرعيتها».

إرث الاستبداد

أوضح طارق متري وزير لبناني سابق والرئيس السابق لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أن سقف التوقعات كان مرتفعاً حيال الثورات العربية، لذلك جاءت الخيبات كبيرة، وانتشر التطرف والإرهاب، مضيفاً أن الفكرة الرائجة في بلادنا العربية تعليقاً على ما يحدث أنه مخطط أميركي وغربي، صنع الثورات بينما الواقع خلاف ذلك، لأن كثيراً من المشاكل تصدرت للغرب وأميركا كقضية اللاجئين والتعقيدات السياسية. وأكد أن الدول العربية اختزلت مشاكلها في الصراع على السلطة، وتواجه مشاكل أخطر، في حين لم تطو الثورات إرث الأنظمة الاستبدادية.