لم يكن جمال عمر محمد يتوقع أن الكتاب الذي كان يكره أن يراه بين يدي والدته وهو صغير، وتنهره إن حاول ثنيها عن القراءة من أجل الاستماع إليه، والتي كانت بسببه تصرخ عليه وأشقائه إن حاولوا إزعاجها أو أحدثوا شغباً وهي في حالة القراءة، أن ذلك الشيء الغريب الذي لم يكن يتقبله لحظة، سيكون جزءاً من حياته اليومية..
وقد كبُر ويبدو أنه ورث عن والدته حب القراءة. يقول جمال الذي لم يتجاوز العشرين بعد، وقد أصبح منغمساً في عالم القراءة: أخبرتني أمي عن كتاب كبير بدأت قراءته منذ الأيام الأولى لحملها بي، وانتهت من قراءته قبيل ولادتي. ربما ذلك أحد أسرار تعلقي بالقراءة.. وتفصيلاً ما حكاية المكتبة والكتاب مع جمال؟
بيت الجدة
يجيب: كنت أرافق والدتي إلى بيت جدتي وأرى الجميع هناك يقرأ، والكتب متناثرة قد تبدو من زاوية أنيقة، وربما تغيرت ملامحها وأصبحت بلا غلاف بفعل تنقلها بين الأيادي، أدركت بعد ذلك ما يقرأون فهذا يقرأ كتب السير الذاتية وآخر كتب الجن والكتب البوليسية وعن حروب الجواسيس وبعضهم يجد متعته في الروايات وغيرها. مثلهم يضيف جمال؛ أصبحت سريعاً عاشقاً للكتاب.
ثلاجة السيارة
بدايات تعلمي الأحرف والكلمات تشكلت في عمر مبكر حين كنت أتحدى نفسي في قراءة العناوين الرئيسية في الصحف، وحين نكون في السيارة فثلاجتها كانت مقعدي حتى أتمكن من بلوغ شباكها لرؤية اللوحات الإعلانية على الطرقات والكتابات على واجهات المحلات، تلك كانت لعبتي.
ذلك الأمر كان يغيظ شقيقي الأكبر ويرمي الصحيفة على وجهي بشدة أو يمزقها، واصفاً إياي بـ«الخقاق»، وقد كنت مزهواً بنفسي خاصة أن والدتي كانت تمتدح جمال خطي الذي يبدو أنه لم يعد كما كان؛ إذ لم أعد أسمع كلمات الإطراء تلك.
كتب الأطفال
في مكتبتنا الحالية التي جددناها قبل 4 سنوات؛ حرصنا على أن نجعلها ذات قطعتين متماثلتين من الخشب الهندي؛ الأولى الأكبر وهي في صالة المنزل وتضم كتباً كثيرة ومتنوعة..
وأصغر منها في غرفة نومي، ولا زلت أحتفظ بسلسلة كتب الأطفال وسير الأنبياء والرسل وغيرها موجودة لدي في المكتبة، أقرأ بعضها اليوم فقط لاسترجاع الذاكرة والضحك على أيام كنت أعيد قراءة الجملة مرات عدة حتى أفهم المعنى، عدا ذلك فالمكتبة تزخر بأنواع الكتب يجد فيها من طرق بابها ما يتمنى قراءته والاطلاع عليه من كتب ومجلدات في الأدب والعلوم والفنون والتربية والتاريخ والجغرافيا والرياضة. علاوة على ذلك لدينا في البيت مكتبة سمعية لمن لا يحب القراءة ويجد فائدة أكبر في الاستماع، خاصة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة؛ وفي الأحداث التاريخية.
حتى الصباح
ويتابع جمال: لا أخطط لقراءة كتاب بحد ذاته إلا لو امتدحه أحدهم أو أعجبني عنوانه، وإن بدأت في قراءة أي كتاب لا أدعه إلا حين أكون قد فرغت من آخر صفحة فيه..
وإن كلفني ذلك السهر حتى الصباح، ولا عادة لي ترك الكتاب والعودة إليه في ليلة أخرى لقراءة صفحات عدة منه، ذلك نتيجة لاختياري عنواناً مشوقاً يجذبني بقوة ولا يترك للملل أن يتسلل إلي، فأنا بطبيعتي ملول أحب التغيير باستمرار، وقد يقع بين يدي كتاب مهم ومفيد، لكن الأسطر الأولى منه لا تشجعني على الاستمرار فأتركه؛ بصراحة أنا مزاجي في القراءة.
ويضيف: غالبية الكتب التي نقتنيها مصدرها معرض الشارقة الدولي للكتاب، ومن بعض المكتبات في الداخل والخارج، ولدينا أيضاً مكتبة تلقيناها ضمن مشروع حكومة الشارقة «مكتبة لكل بيت» وأكثر من ذلك أحب قراءة أنواع الكتب عبر جهاز اللاب توب أو الموبايل، لكن كما تردد والدتي للورق متعة أخرى ونكهة لا تضاهيها سواها.
مفارقات جمال
ومن المفارقات العجيبة يوضح جمال أنه لا ينجذب للكتاب المدرسي ولا يجد في نفسه ما يدفعه للقراءة، حتى مكتبة المدرسة لا يعرف طريقها على الرغم من أن الكبار يرددون دائماً أن المكتبة المدرسية كانت منبع المعرفة وأن ارتيادها كان مبعث سعادة الطلبة.
يتابع: انتهيت خلال ساعة واحدة فقط من قراءة مقالب رياضية في كتاب «ابتسامات رياضية» للمؤلف وائل الزياتي وهو قديم نوعاً ما، لكني أحببته واستمتعت بقراءته، وفي هذا الدرب لا أقف عند اسم المؤلف، ولا أشترط أن يكون الكتاب أنيقاً بل أنظر إلى ما يحوي بين دفتيه ولا أعود إلى ما قرأت من جديد، عكس أحدهم أعرفه يقرأ الكتاب الواحد 5 مرات كمن يشاهد فيلماً ممتعاً.
يختتم جمال عمر: أساليب تشجيع القراءة عندنا متعددة لكن العيب في تهافتنا على وسائل التقنيات الحديثة وإهمال الكتاب على عكس من سبقونا، الذين كانوا محبين للقراءة بتلقائية، ربما لقلة وسائل الترفيه في ما مضى، ولم تكن وسائل التقنية قد طغت على مناحي الحياة كما هو لسان حالنا اليوم، حيث لم يعد الهاتف المتحرك يفارق يد المرء للحظات في نومه واستيقاظه، ولا يبتعد عنه حتى حين يقود سيارته.

