تحديات شتى تواجه الأسرة الإماراتية النووية، لا شك أنها أحدثت شرخاً ربما في العلاقة بين أفرادها من أم وأب وأبناء وحتى الخدم والصغار الذين يقومون على رعايتهم في ظل غياب الوالدين الطويل عن البيت؛ ليس باختيارهما ولكن هكذا فرضت الظروف عليهم.

اليوم؛ بات الجميع يدخل البيت فرادى؛ أو كما يقال وصولهم بالتقسيط في ظل ساعات الدوام الطويلة من جهة والمدة التي تستغرقها رحلتا الذهاب والإياب إلى العمل وسط زحام الطرقات المزمن. وفي الطرف ذاته فإن زيادة دوام الطلبة والمعلمين قد زاد الطين بلة..

وزاد الشقاق في صف الأسرة الإماراتية التي أصبحت في حاجة إلى من ينقذها، وما مبادرة أم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك في المحافظة على الأسرة وقيمها، سوى خطوة جادة تعقد عليها الآمال الكبيرة والطموحات العريضة نحو الإنقاذ.

خيار التقاعد

في هذا السياق؛ تقول أم أحمد موظفة على وشك التقاعد: أعمل منذ سنوات ولا أزال أحب وظيفتي وعملي والمؤسسة، ولم يكن لدي خيار التقاعد، إلا أن جملة أسباب أرغمتني على ذلك، لعل في مقدمتها الخروج المبكر من البيت..

إذ كنت أصلي الفجر وأخرج والدنيا لازالت ظلاماً وصغاري نيام، تقوم الخادمات على إيقاظهم ورعايتهم وتهيئتهم للذهاب إلى مدارسهم، على الرغم من أن ذلك من صميم عملي الذي يفترض أن أؤديه لكني ومثلي كثر عهدوا هذا الأمر إلى الخدم.

مائدة الجمعة

وتكمل: عند العصر نصل البيت على دفعات قد نجتمع أحياناً وربما لا يحدث ذلك، أتوق إلى مراجعة دروس أبنائي لكن من أين لي بتلك الطاقة..

وعندما يحبن وقت وجبة العشاء نجد الجميع يتجه إلى وجبات متفرقة المطاعم، وإن أكلنا في البيت فلا يجلس في الحضرة سوى الصغار، أما الكبار فلا يمنحونا هذا الأمل، ولا يكون لقاؤنا العائلي الجميل إلا عند مائدة غداء الجمعة التي تجمعنا ويلتف حولها الكبار والصغار، ونستعيد فيها ذكريات العائلة الممتدة التي بتنا نفتقدها كثيراً وسط حياة المدنية التي زادت في حدتها.

مهنة التدريس

أم سعيد تقول كنت أظن أن المعلمات وحدهن من يعانين لكثرة ما كنا نسمع عن شكاواهن، لكني وجدت وأنا الموظفة البعيدة عن مهنة التدريس أميالاً، أن الحال هو نفسه، وأن الخروج من البيت مبكرا والعودة إليه متأخرا هو واقع الجميع وليس الآخرون أفضل من المعلمين، نحن كما الآخرون لا نجتمع طوال الأسبوع خاصة مع ظروف عمل رب الأسرة الذي يعمل بعيداً عن سكنه.

البقاء في البيت

وتحمد أم راشد الله كثيراً أنها اتخذت قرار البقاء في البيت منذ البداية، إذ تقول: اعتمدت على زوجي في إعالة الأسرة، وتفرغت لتربية الأبناء ورعاية شؤون البيت حتى كبر الأبناء، وبقيت أوصل الصغار إلى مدارسهم وأعيدهم منها، أدبر شؤون المطبخ وأعد لهم ما يحبون؛ نتناول طعام الغداء وفي كل الأحوال نجتمع ونلتقي حول المائدة يومياً، وإن تأخر الوقت حيث ننتظر ريثما يصل الجميع.

يوم العائلة

أما يوم الجمعة فلا تكون اللمة خاصة بنا «الأسرة الصغيرة» كما تضيف أم راشد، بل تمتد وتتسع، حيث يجتمع أفراد العائلة وتلتقي أسرتي الصغيرة بأهلي وعند المساء نلتقي بعائلة زوجي..

وهكذا يبقى الأبناء في كنف العائلة الممتدة، بمعدل مرة كل أسبوع ونهاية الأسبوع نمضيها في خصوصية تامة في مناطق إماراتنا الجميلة، بما حباها الله من طبيعة ومعالم سياحية تجعل من قضاء عطلة الأسبوع في ربوعها متعة نحرص على أن نحياها.

غياب الأب

بو خالد يرى أن خروج المرأة إلى العمل ليس وحده الذي حال دون التقاء أفراد الأسرة، وإن كان دور الأم رئيسياً، معتبراً أن تأخر الأب في العمل أو بقاءه طوال الأسبوع بعيداً عن سكن أسرته، وسفره المتكرر في مهام عمل أو غيرها، تحدث فجوة في العلاقة بين أفراد الأسرة أو على الأقل لا تجعلهم يجتمعون ويلتقون إلا في المناسبات.

ويضيف: بشيء من الواقعية أقول ليست المشكلة في عدم الالتقاء، فلطالما كانت هناك أسر تجلس معاً إن لم يكن على الغداء التقت على مائدة عشاء سواء كانت من إعداد ربة الأسرة أو بيدي طباخة البيت أو حتى من المطعم..

ولكنهم يجلسون ويأكلون معا ولسان حالهم «الحاضر الغائب» فلا نقاش يدور بينهم ولا هذا يدري ما يقول ذلك، الرقاب جميعها معلقة إلى الأسفل والعيون منغمسة في «جهاز ذكي» بين أيديهم، يتنقلون من خلاله بين غرف الدردشات، والتواصل المقطوع، فهذا «واتس أب» وذاك «انستغرام» أو «سناب شات» أو «تويتر»، أسماء لأشياء اتخذها الكبير والصغير أهلا وأنساً، فغابت الحياة عن لمة العائلة وإن اجتمعت، فبدت اللمة كأنها منقوصة.