تؤدي الشائعات دوراً سمّياً قاتلاً، لاسيما حين تنبعث في أوقات الأزمات، وتُدس في جسد الوطن لتفتك بالمجتمع وتشطّر أركانه ونسيجه وتزعزع أمنه، عبر إثارة البلبلة والفتنة والفرقة، وشق الكلمة ووحدة الصف، وصولاً إلى «أمل» خبيث لتعرية الوطن من سمة الاستقرار ونزعها عن أفراد المجتمع.

في هذا الصدد؛ أجمع قانونيون ورجال دين وإعلاميون وخبراء نفسيون، على خطورة وعواقب إطلاق وبث الشائعات التي لا يعالج آثارها ويشفي المجتمع منها سوى ترياق الحقيقة، مشددين على ضرورة مواجهتها بحزم وبقوة القانون والوازع الديني والانتماء الوطني، ومحذرين من مغبة الانجرار وراء الأخبار الكاذبة التي لا تخلّف إلا الهلاك.

ودعوا الجهات الأمنية والقضائية إلى ملاحقة ومعاقبة المروجين لمثل هذه الشائعات، في وقت أكدوا فيه أن ديننا الحنيف يحرم مثل هذه الشائعات، وأن قانون العقوبات في الدولة يتصدى بحزم لكل سلوك أو إشاعة تؤثر سلباً على الأوضاع الأمنية والعسكرية، وتخل بالسلم والأمن العام، وتهدد استقرار المجتمع وتماسكه.

حرام شرعاً

الواعظ عبد الله الكمالي، مدير إدارة مراكز مكتوم لتحفيظ القرآن الكريم في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، أكد أن بث الشائعات المغرضة والأخبار الكاذبة والمعلومات التي تثبط العزائم وتقلب الحقائق، حرام شرعاً، ودعا الجهات الأمنية والقضائية إلى إيقاع أشد العقوبة ضد هؤلاء المغرضين، حتى ينالوا جزاءهم ويكونوا عبرة لغيرهم.

وقال: «إذا كان محرماً على الإنسان ترويع الآخرين وتناقل الأخبار البسيطة في أوقات السلم والاستقرار، فكيف يكون حال من يروع مجتمعاً كاملاً بأسره، ويثير القلاقل والفتن فيه، ويزعزع استقراره النفسي والأمني والسياسي؟!».

ودعا الكمالي أفراد المجتمع، إلى توخي الدقة والصدق والأمانة في تداول الأخبار والمعلومات في أوقات الشدائد والمحن والأزمات، وعدم الانجرار وراء الأقاويل الكاذبة، التي تهدف إلى إثارة الفتنة والفوضى، إضافة إلى التثبت من جميع الأخبار والمعلومات الواردة إليهم، مصداقاً لقوله تعالى: ((فتَبـيَّنوا))، واتباعاً لسنة نبيه الذي قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت».

وأضاف: قد يتعمد البعض نشر أخبار سيئة ومحزنة ومغرضة، من أجل أن يوقع الفتنة ويشق الكلمة ويولد الفرقة في المجتمع الواحد، لذلك علينا أن نكون منتبهين إلى مثل هؤلاء، من خلال رفع مستوى الحس الأمني والوعي الفكري لدينا، فلا ننشر الأخبار والمعلومات إلا من خلال مصادرها الرسمية والمسؤولة، وإذا تعذر ذلك فإنه يحرم شرعاً تناقلها وتوزيعها، لا سيما إذا كانت مثيرة للرأي العام ومثبطة للمعنويات والعزائم.

عقوبات رادعة

من جانبه قال القاضي جمال السميطي مدير عام معهد دبي القضائي، إن الشائعات التي يتم تناقلها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، قد تكون حاملة لتطلعات جميلة للمستقبل، وقد تكون مدمرة حاملة الكراهية وزعزعة الأمن وإحباط الهمم والنفوس، مؤكداً أن القانون الإماراتي يجرم الشائعات المغرضة ويفرض عليها عقوبات رادعة.

وأضاف: القانون لا يعفي الشخص إن لم يقصد إثارة الفتن والقلاقل من نشر الأخبار، لأن أثرها ناطق ومؤلم لدى البعض والمجتمع، فإذا كان القانون لا يعتد بالجهل أو عدم العلم في زمن السلم، فإنه لا يعتد به في زمن الأزمات والحرب، لأن أثرها يكون مدوياً وسريعاً، وتستهدف أمراً معنوياً أطلق عليه الحرب المعنوية أو الحرب النفسية. وأكد أنه «لابد من تكاتف الجميع لدرئها وإبطال مفعولها، ثم إن العقوبات جسيمة تصل إلى السجن المؤقت والغرامة مليون درهم».

الإمارات أولاً

وأكد ضرار بالهول الفلاسي مدير عام مؤسسة وطني الإمارات، ضرورة أن يضع الجميع الإمارات وأمنها واستقرارها ومعنويات جنودها، وكل المدافعين عنها، في هرم الأولويات والمسؤوليات، وعدم إهمال هذا الأمر لمصالح شخصية لا ترتقي إلى قدسية دماء الشهداء، ولا إلى فاجعة بلادهم وأهاليهم وذويهم.

وقال: نحن في مرحلة حرجة وحساسة، والإمارات بحاجة لنا جميعاً، فيجب أن نفكر في أمر واحد لا ثاني له، وهو أن تكون مصلحة دولتنا في المركز الأول، وأن نتجنب الانجرار وراء الأخبار المغرضة، التي قد تنعكس سلباً على السلم والاستقرار العام في المجتمع، زيادة على تحري صحة الأخبار المتداولة، لأن التفاعل مع الشائعات يضر بالمجتمع من الجوانب الوطنية، والنفسية، والاجتماعية، والأمنية والاقتصادية.

ودعا أفراد المجتمع، وخصوصاً أصحاب الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الترفع عن استخدام الشائعات لمصالح شخصية من أجل زيادة عدد المتابعين، أو التباهي بسرعة الحصول على الخبر ونشره، في وقت أكد فيه أهمية مراعاة مشاعر الآخرين، لا سيما الجنود المرابطين في ميدان القتال وأهاليهم. وأكد أن الشائعات بأنواعها حية رقطاء تستطيع أن تنفث سمومها في كل قطاعات الدولة.

أنواع الشائعات

وقسم ضرار بالهول الشائعات إلى أنواع، منها ما يرتبط بطريقة وسرعة انتشارها، مثل الزاحفة والعنيفة والغائصة، ومنها ما يرتبط بالدوافع النفسية، مثل الحالمة والوهمية والتفريقية.

وقال، إن الشائعات الزاحفة هي التي تروج ببطء ويتناقلها الناس همساً وبطريقة سرية، تنتهي في آخر الأمر إلى أن يعرفها الجميع، مشيراً إلى أن هذا النوع من الشائعات يتضمن تلك القصص العدائية التي توجه في المجتمع ضد رجال الحكومة والمسؤولين، أو ضد مجموعات من الشعب لمحاولة تلطيخ سمعتهم، وكذلك تلك القصص الزائفة التي تروج لعرقلة أي تقدم اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي.

وأضاف: ويدخل في ذلك ما يقوم به المروجون في نشر التنبؤات بوقوع أحداث سيئة تمس هذه الموضوعات، من خلال نسج سلسلة لا تنتهي من القصص، ويستمرون في العمل على تغذيتها واستمرار نشرهاً.

وأما الشائعات العنيفة فلفت بالهول إلى أنها تنتشر انتشار النار في الهشيم، وتصل إلى أكبر جماعة في وقت بالغ القصر، مثل تلك التي تروج للحوادث والكوارث، أو الانتصارات الباهرة، أو الهزيمة في زمن الحرب، موضحاً أن هذه الشائعة تبدأ بشحنة كبيرة وتثير العمل الثوري، لأنها تستند إلى العواطف الجياشة من الذعر، والغضب، والسرور المفاجئ.

وفي ما يتعلق بالشائعات الغائصة، قال: هي التي تروج في أول الأمر، ثم تغوص تحت السطح لتظهر مرة أخرى عندما تتهيأ الظروف لذلك، ويكثر هذا النوع من الشائعات في القصص المماثلة التي تعاود الظهور في كل حرب.

الدوافع النفسية

وأشار بالهول إلى الدوافع النفسية للشائعات، التي قال إن معظمها يعبر إما عن العداوة والكراهية، وإما عن الرغبة، وإما الخوف، و«قليل منها يعبر عن توتر نفسي، أو رغبة في حب الاستطلاع».

وذكر أن هذا النوع من الشائعات يقسم إلى «الحالمة»، أو المليئة بالخيالات التصويرية، وتعبر عن الأماني والأحلام، وفي مثل هذه الشائعات نجد أنها تعبر عن سرور مرددها وارتياحه إلى تصديق ما يأمل أن يكون حقيقة واقعة.

ولفت إلى نوع ثان من هذه الشائعات، وهو الشائعات الوهمية التي تعبر عن الخوف، وليس عن رغبة، ومن أمثلة ذلك الشائعات المغرضة عن أعداد مبالغ فيها من القتلى والجرحى أثناء التظاهرات أو الحروب. وتوقف عند النوع الأخير من الشائعات التي تبث وفق الدوافع النفسية لها، وهو الشائعات التي تهدف لإحداث فرقة وانفصال بين أفراد الشعب أو بين الدول وبعضها بعضاً.

معنويات

تؤدي الشائعة دوراً كبيراً في التأثير على معنويات الشعب، وإن اختلفت درجة تأثيرها تبعاً لنوعها والدوافع التي تكمن خلفها. فمن شأن شائعات الخوف مثلاً إشاعة عدم الثقة في جدوى المجهودات العسكرية، وبالتالي الترويج للروح الانهزامية، وإثارة الذعر والرعب بين المواطنين، أما شائعات الأماني فتؤدي إلى هدوء الناس.

اليقظة الإعلامية مطلب ضروري وملح

أوضحت الدكتورة أمل بالهول مستشارة الشؤون الاجتماعية في مؤسسة وطني الإمارات، إن للشائعات آثاراً نفسية وحسية بالغة، فبمقدورها القضاء على مجتمعات كاملة، وتزداد خطورتها إذا كانت هُناك جهة ما تُزيد إسعار نار الشائعة طلباً لمبتغياتها، مضيفة أن «الشائعة ببساطة تجعل من الصواب خطأ ومن الخطأ صواباً، وبانتشارها وسيطرتها على عقول المجتمع، قد تغير في السلوكات وفي التعاطي مع أمور معينة بالنسبة للأفراد، وقد يصعب إبطالها أحياناً لتفشيها في المجتمع وتشرب المجتمع لها».

توقيت الانتشار

وقالت أمل بالهول إن دراسة «علم نفس الشائعات»، ظهرت أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما لاحظ عالما النفس ألبورت وبوستمان أهمية الشائعة والشائعة المضادة، في التأثير على معنويات الناس وأفكارهم واتجاهاتهم ومشاعرهم وسلوكهم.

وأشارت إلى أن العالمين لاحظا أنها تنتشر أكثر في وقت الأزمات والظروف الضاغطة أو المثيرة للقلق، كالحوادث والحروب، وأنها تنتشر أكثر حين يكون هناك تعتيم إعلامي أو غموض، وذكرت أن العالمين توصلا إلى معادلة مفادها أن انتشار الشائعة يساوى أهمية الموضوع المتصل بها، مضروباً في مدى الغموض حوله.

وترى المستشارة الاجتماعية أنه كان من المتوقع أن تتراجع الشائعات مع هذا الانتشار «الرهيب» لوسائل الاتصال، حيث لم يبق هناك شيء مخفيّ، ولكن الواقع يثبت عكس ذلك، لجهة أن الشائعات تتزايد باستمرار، بل وتستفيد من وسائل الاتصال العادية والإلكترونية في مزيد من الانتشار.

وأشارت إلى أن هذا التزايد مرده إلى أمرين، هما ميل الناس إلى تزييف الحقائق أو إخفاء أجزاء منها، وضعف المصداقية في التصريحات والأخبار المعلنة وتناقضها مع الواقع، فيما يتمثل الأمر الثاني برغبة الناس في معرفة المزيد، وانفتاح شهيتهم لارتياد رؤى مجهولة أكثر فأكثر.

اليقظة الإعلامية

الإعلامي مروان برجاس، دعا وسائل الإعلام المختلفة إلى اتباع العقلانية في التعاطي مع المستجدات، استناداً إلى قيم وأخلاق الإعلام الحقيقي، واستقاء الأخبار والمعلومات من مصادرها وقنواتها الرسمية والمسؤولة، وعدم الانجرار وراء السبق الصحافي على حساب المصداقية والمهنية ومشاعر الناس.

وقال، إن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، مطالبة بالتريث عند تلقيها أي معلومة أو حدث، وألا تتسرع في نشرها بذريعة السبق الصحافي والسرعة في نقل المعلومة، وهي مطالبة كذلك بعدم اللهاث وراء وسائل الاتصال الاجتماعي للحصول على الأخبار منها، لما في ذلك من خطورة إحداث بلبلة وفوضى في المجتمع، لا تحمد عاقبتها.

وأضاف إن الشائعات مصيدة موجعة، وإذا ما وقعت وسائل الإعلام فيها فإنها بلا ريب ستفقد مصداقيتها وجمهورها، ومن هنا تأتي أهمية وقوفها أمام مسؤوليتها، وعدم الحياد عن مصادر المعلومة الحقيقية، وتحديث معلوماتها ورسائلها لحظة بلحظة، خشية اصطياد القارئ من قبل وسائل الاتصال الاجتماعي.

سجن وغرامة عقوبة ترويج الشائعة

تنص المادة 29 من قانون العقوبات الإماراتي على أنه «يعاقب بالسجن المؤقت والغرامة التي لا تتجاوز مليون درهم، كل من نشر معلومات أو أخباراً أو بيانات أو شائعات على موقع إلكتروني أو على أي شبكة معلوماتية، أو بواسطة وسيلة تقنية معلومات، بقصد السخرية أو الإضرار بسمعة أو هيبة أو مكانة الدولة، أو أي من مؤسساتها، أو رئيسها، أو نائبه، أو حكام الإمارات، أو أولياء عهودهم، أو نواب الحكام، أو علم الدولة، أو شعارها أو نشيدها الوطني أو رموزها، أو السلام الوطني».

 

وحسب المادة 167 «يعاقب بالسجن المؤقت كل من أذاع عمداً في زمن الحرب أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة، أو عمد إلى دعاية مثيرة، وكان من شأن ذلك إلحاق الضرر بالاستعدادات الحربية للدفاع عن الدولة، أو بالعمليات الحربية للقوات المسلحة، أو إثارة الفزع بين الناس، أو إضعاف الروح المعنوية في الدولة. دبي - البيان