أكد المشاركون في مؤتمر «بناء الدولة.. تحدي ما بعد انتهاء الصراعات الداخلية في دول التغيير العربية» أن دولة الإمارات أسهمت مع باقي الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في تقديم العون بأشكاله المختلفة، الماليّة والعينيّة والطبيّة وغيرها، إلى اللاجئين والنازحين في دول التغيير العربي، سواء في بلدانهم أو خارجها؛ إيماناً منها بدورها في تخفيف تلك المعاناة الإنسانيّة عنهم، وحرصاً على أن تكون جزءاً من الحلّ، وليس من المشكلة.
وبحث المؤتمر الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع كلية السياسة والشؤون الدولية في جامعة مين الأميركية في أبوظبي أهم القضايا الراهنة والأكثر إلحاحاً التي تواجه المنطقة والعالم، حيث تناولت جلسات اليوم الأول موضوع «العالم العربي في مرحلة الانتقال» و «الصراعات الداخلية الجارية في المنطقة العربية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون» و«اتجاهات جديدة في بناء الدولة الوطنية في الشرق الأوسط ودور القوى الخارجية» إلى جانب «آليات تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي انتهاء بمناقشة دور دول مجلس التعاون الخليجي في جهود الإصلاح والإغاثة»
واستهل المؤتمر أعماله بكلمة ترحيبية لدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية نقل خلالها تحيات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية للمشاركين في المؤتمر، مؤكداً أن المؤتمر بما يتضمنه من أوراق بحثية ومناقشات ومداخلات، على مدار يومين، سيكون لها أثرها الإيجابي في بلورة رؤية واضحة، واستراتيجية شاملة توضح الأبعاد الحالية والمستقبلية وكيفية التعامل معه خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط، منذ نهاية عام 2010، تحولات كبيرة في البنى السياسية والأمنية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية لدول التغيير العربية، كما شهدت تلك الدول، بدايةً من ذلك العام، صراعات داخليةً وحروباً نجم عنها تدفّق الملايين من اللاجئين والنازحين داخلياً وخارجياً. ونحن نتابع كلّ يوم الأخبار عن تدفّق أعداد منهم إلى دول العالم كلّها تقريباً، عبر المنافذ البحرية والبرّية المتاحة أمامهم؛ حاملين معهم الأمل في حياة آمنة ومستقرّة لهم ولأولادهم؛ وهذا ما يجعلنا نشعر بأهميّة موضوع مؤتمرنا هذا عن كيفية بناء الدولة بعد انتهاء الصراعات، وحيويته.
وقال «إن مفهوم بناء الدولة» بعد انتهاء الصراعات يعني بناء السلام الدائم، وإرساء الأسس اللازمة لذلك من خلال اتخاذ إجراءات متكاملة ومنسّقة تهدف إلى معالجة الأسباب الكامنة وراء العنف، سواء كانت تلك الأسباب سياسيةً، أو قانونيةً، أو مؤسسيةً، أو عسكريةً، أو إنسانيةً، أو تتصل بحقوق الإنسان، أو غيرها من الأسباب البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والديموغرافية.
وأشار معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في الكلمة الرئيسية للمؤتمر، إلى نموذج الإمارات الناجح في تحقيق الاستقرار والرخاء في ظل قيادة رشيدة كان لها الدور الأهم والأبرز في بناء الدولة ووضع أسسها.
وأكد أن مبادرة مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية إلى تنظيم هذا المؤتمر إنما هي انعكاس صادق لمكانة دولة الإمارات العربية المتحدة في مسيرة الأمّة والعالم، بل إنها كذلك تعبير واضح عن مسؤوليتنا تجاه أشقّائنا في المنطقة، وارتباطنا القوي بمسيرة أمّتنا العربية، وحرصنا الكامل على دعم قدرات هذه الأمة على مواجهة كلّ التحديات.
وأوضح أن الإسلام كان دائماً، وسوف يظل، هو المحرك الأساسي في تطور المجتمع، لأنه يرتبط بمنظومة القيم والمبادئ، التي تحقق العدل، والحرية، والحياة الكريمة للفرد، والتقدم والرخاء للمجتمع، مشيراً إلى أن المناخ الذي يسود عملية بناء الدولة هو أيضاً أمر مهم للغاية لتحقيق النجاح، وهذا المناخ لابدَّ أن يرتكز على الوفاق ونبذ الخلافات، ومبادئ المواطنة والعدالة، وجعل مصلحة الدولة فوق مصلحة الأفراد، وفوق مصلحة الجماعات والطوائف.
وأشار معاليه إلى أهمية دور دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مساعدة دول التغيير العربية في عملية بناء الدولة، باعتبار أن هناك مصالح مشتركة لها معها في مجالات الأمن القومي، ومجالات السياسات الخارجية، والعلاقات مع دول العالم، والحاجة الواضحة إلى تشكيل تحالف استراتيجي عربي شامل، يكون نموذجاً جيداً للعمل الإقليمي الهادف، والناجح، والمتطور.
كما تحدث معالي محمد حسين الشعالي، وزير الدولة للشؤون الخارجية السابق، عن العوامل التي أدت إلى تعثر جهود البناء في بعض الدول العربية، ورأى أن تجربة اتحاد دولة الإمارات تقدِّم نموذجاً مهماً يمكن لدول التغيير العربية الاستفادة منه في تجاوز المرحلة الانتقالية التي تمر بها.
واستطرد معاليه في الحديث عن التحديات التي واجهت بناء الدولة العربية منذ الاستقلال في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، مشيراً إلى أن المشهد العربي الراهن يواجه العديد من التحديات على المستويات المختلفة؛ وهذا ما تجسده دول التغيير العربية التي انعكست أوضاعها على دول عربية أخرى، حتى أضحت الأوضاع السياسية في المنطقة شديدة التوتر، وتفتح الباب على كل الاحتمالات.
وأكد معاليه أنه من أجل بناء الدولة، فيما بعد انتهاء الصراعات الداخلية، لابد من الإعداد لتجاوز هذه الأسباب الصعبة، وهذا يتطلب جهوداً مكثفة من السياسيين أولاً، والمثقفين والمفكرين لوضع برنامج عمل وطني ودستور يضم تحت جناحيه جميع فئات المجتمع من دون تمييز أو تفرقة، ويتطلب ذلك العمل على تغيير بعض المفاهيم الثقافية السائدة، وخاصة فيما يتعلق منها بالقيم الاجتماعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأشار معاليه إلى أن هناك تجارب ناجحة في بناء الدولة إذا ما توافرت النيات الصادقة، ودولة الإمارات العربية المتحدة مثال حي على ذلك.
وذكر أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ عمل على تعزيز مفهوم الوحدة بين الحكام أولاً، وبين الحكام والشعب على أساس مصلحة الوحدة، وهذه قاعدة الانطلاق الرئيسية التي استخدمها في بناء الدولة. إن الدولة للجميع، ليس هناك فرق بين مواطن وآخر، وإن خير الوطن للمواطنين، وقد تم تسخير المال العام لخدمة مشروعات البنية التحتية من طرق ومدارس ومستشفيات
وأكد أن التقدم والاستقرار والنمو والرخاء والسلام الاجتماعي، التي تتمتع بها دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، والأخذ بروح العصر، هي نتيجة طبيعية لذلك البناء السياسي الضاربة جذوره في الأرض. ولذلك فإن الدول التي تريد الأخذ بأسباب النجاح يمكنها دراسة التجربة الإماراتية في بناء الدولة.
العالم العربي في مرحلة انتقال
وبدأت أعمال الجلسة الأولى التي عُقدت بعنوان«العالم العربي في مرحلة انتقال»، وتولى رئاستها الدكتور طارق أحمد الهيدان، مساعد وزير الخارجية لشؤون المنظمات الدولية، حيث عرض الدكتور أغسطس ريتشارد نورتون، أستاذ العلاقات الدولية والأنثروبولوجيا في جامعة«بوسطن»الأميركية، في ورقته البحثية طبيعة الصراعات الداخلية الجارية في المنطقة العربية، وتداعياتها المحتملة على الصُّعُد كافة. واستهلّ الدكتور بهجت قرني، أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة، عرض ورقته البحثية التي أعدَّها بعنوان «الاقتصاد السياسي وبناء الدولة الوطنية العربية» بالتمييز بين مفهومي بناء الأمة وبناء الدولة.
وركزت الدكتورة مريم سلطان لوتاه، أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة الإمارات العربية المتحدة، في ورقتها البحثية التي أعدَّتها بعنوان«إعادة تشكيل العلاقات الدولية في المنطقة وصعود مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، على تحليل تداعيات الأحداث التي شهدتها، ولازالت تشهدها، بعض دول المنطقة العربية منذ نوفمبر 2010، وعلى الدور الذي قامت به دول الخليج العربية تجاه هذه الأحداث.
ودعا الدكتور عبد الحميد الأنصاري أستاذ السياسة الشرعية والعميد السابق لكلية الشريعة في جامعة قطر بعد سرد سريع لثورات الربيع العربي وما نتج عنها من تداعيات سلبية على العالم العربي إلى ضرورة إعادة العقد الاجتماعي بين الحكام والشعوب، وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية والدولية وصعود دور دول مجلس التعاون في ظل حالة عارمة من الفوضى تجتاح العالم العربي.
بناء الدولة الوطنية
وعقِدت الجلسة الثانية بعنوان «بناء الدولة الوطنية في العالم العربي: دور المواطنة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون»، وتولى رئاستها الأستاذ محمد الحمادي، رئيس تحرير جريدة الاتحاد، واستهلها الدكتور عبدالحميد الأنصاري، أستاذ السياسة الشرعية، العميد السابق لكلية الشريعة في جامعة قطر، بعرض ورقته البحثية التي أعدَّها بعنوان«إعادة كتابة العقد الاجتماعي في المنطقة العربية»، وأكد فيها أن المنطقة بحاجة ضرورية إلى كتابة عقد اجتماعي جديد بين المواطنين والحكام.
ورقة
قدم الدكتور عبدالله السيد ولد أباه، أستاذ الفلسفة والدراسات في جامعة نواكشوط، ورقته البحثية التي جاءت بعنوان«المواطنة والهوية الوطنية والدولة الوطنية الحديثة»، موضِّحاً أن ورقته تهدف إلى رصد الإشكاليات التي تطرحها الأحداث الداخلية والإقليمية الأخيرة على الدولة الوطنية في بعدين أساسيين هما بعد الهوية الوطنية وبعد المواطنة.
