تستوقفنا ذكرى رحيل المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه ، لنتأمل بهدوء ونتدبر ما في رصيد هذه الشخصية التاريخية من إنجازات ورؤى مستقبلية طالت مناحي الحياة كافة على أرض الإمارات، حيث اتخذ رحمه الله من أسلوب الانفتاح على العالم طريقاً رائداً نحو التقدم والرقي والنهوض بالبلاد في شتى المجالات، ومن بينها الإعلامية.

جوهر

 تبنى المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه ، خطة طموحاً لتطوير دبي ونقلها إلى مقدمة الركب الحضاري الحديث، وقد أدرك بحس القائد النافذ البصيرة مدى أهمية الاتصالات في قلب هذا الزخم الهائل من المنجزات الحضارية والاقتصادية والاجتماعية، فجاء تنفيذ المحطة الأرضية للأقمار الصناعية مدعمة بشبكة الخطوط الهاتفية السلكية واللاسلكية، وكان لا بد لصوت دبي أن يسمع على نطاق المنطقة والعالم العربي والخارجي، فجاءت إذاعة دبي من بواكير الإذاعات في المنطقة، فأسهمت بشكل ملموس في إيجاد اتصال مباشر بين المسؤولين والجمهور، وكان ولا يزال دورها بارزاً في الحفاظ على التراث واللغة والثقافة بشكل عام، لا سيما وأنها عكست جوهر دبي الحقيقي وأدلت بدلوها في خدمة قضايا الأمة العربية والإسلامية.

 إذاعة دبي

افتتحت إذاعة دبي في مطلع شهر أكتوبر من عام 1971، وكما تبدأ الأشياء بدأت الإذاعة محدودة في مبانيها وتجهيزاتها وطاقة بثها المرسلة على الموجة المتوسطة (طاقة بث مقدارها 150 كيلو وات)، وأخرى على الموجة القصيرة (بطاقة بث 20 كيلو وات)، وفي العام نفسه أضيفت للإذاعة برامج باللغة الإنجليزية على الموجة (إف.إم).

 كان بث الإذاعة على فترتين صباحية ومسائية، وعدد موظفيها آنذاك لم يتجاوز الخمسة عشر موظفاً من فئات المذيعين وفنيي الإرسال والاستديوهات والموظفين، إلا أنها أخذت تنمو وتتطور بدعم من حكومة دبي حتى أضحت واحدة من أكبر وأهم محطات الإذاعة في منطقة الخليج، وتغطي بوضوح متطلبات الإرسال في دولة الإمارات ودول مجلس التعاون، وتلتقط بوضوح في الشرق الأقصى وجنوب آسيا وأستراليا وأوروبا الشرقية والغربية وشمال إفريقيا وأميركا الشمالية.

 تلفزيون دبي

 ولم تمض سنوات قلائل على افتتاح إذاعة دبي، حتى تبعها وضع حجر الأساس لصرح إعلامي آخر يوفر الاتصال بالصوت والصورة الملونة (التلفاز)، ففي الثاني من ديسمبر عام 1974، افتتح المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه ، تلفزيون دبي، وقد كان من أوائل التلفزيونات الملونة في منطقة الخليج والمنطقة العربية.

بدأ التلفزيون البث على قناة واحدة هي القناة 10، ثم القناة 41 بمعدل ست ساعات بث يومياً، ثم تلا ذلك تأسيس اثنين من استديوهات التسجيل؛ أحدهما متوسط والثاني صغير الحجم. وفي عام 1975 تم إنشاء استوديو ثالث أكبر حجماً وأكثر تطوراً مقارنة باستوديوهات التلفزيونات بمنطقة الشرق الأوسط.

في عام 1978 تم افتتاح البث التلفزيوني باللغة الإنجليزية على القناة 33 لتكتمل الرسالة الإعلامية بتغطية جانب مهم من وسائل الاتصال مع جمهور المشاهدين غير الناطقين بالعربية، فكانت أول قناة بالدولة تبث برامجها باللغة الإنجليزية. وفي العام نفسه تم ضم القناة 2 التي كانت تبث إرسالها من دبي بالأبيض والأسود إلى قنوات التلفزيون الأخرى.

تطور

 استمرت عمليات تقوية الإرسال التلفزيوني في التطور إلى عام 1986، الذي افتتح فيه عدد من محطات الإرسال في دبي والفجيرة وأم القيوين ليصل البث التلفزيوني إلى كل مواطن ومقيم على أرض هذه الدولة، حيث أصبح تلفزيون دبي يبث برامجه على القنوات (2/‏ 10/‏ 30/‏ 33/‏ 38/‏ 41) بساعات بث يومية لا تقل عن تسع ساعات على البرنامج العربي، وسبع ساعات على القنال 33 (محطة البث باللغة الإنجليزية).

مرحلة الإنتاج

 ومن خلال سعيه لتقديم برامج نوعية وهادفة للمشاهدين، واجه التلفزيون مشكلة عدم توافر الحد الأدنى من البرامج الثقافية والمنوعة والتمثيلية في السوق العربية، فالمتاح منها قليل من حيث الكم، وفي غالبيته هابط المستوى فكراً وجودة، فقرر المسؤولون أن يتولى التلفزيون عبر مؤسسة فنية تابعة له يتم استحداثها، إنتاج ما يمكن إنتاجه من البرامج، وتم عام 1975 تأسيس مؤسسة الخليج للأعمال الفنية التي اضطلعت بإنتاج برامج تم عرضها على شاشة تلفزيون دبي كما تم تسويقها لاحقاً لمحطات التلفزيون الأخرى، وبالطبع واجهت المسؤولين آنذاك التكلفة الكبيرة لإنتاج تلك البرامج، والتي كانت موضوعة في الحسبان نظراً لما تكلفه مثل هذه المؤسسات الفنية الإنتاجية.

 وفي عام 1982 أنشئت مؤسسة إنتاجية ثانية تابعة للتلفزيون لتقوم مع المؤسسة الأولى بتوفير المواد البرامجية ذات المستوى سميت (مركز دبي للأعمال الفنية). وقد أنتج التلفزيون من خلال هاتين المؤسستين ما يزيد على 2000 ساعة بث من المسلسلات التاريخية والحديثة والبرامج الثقافية والمنوعة تم توزيعها على محطات التلفزيون العربية، بحيث أصبح تلفزيون دبي من أهم مراكز الإنتاج التلفزيوني في الوطن العربي.

 نقلة نوعية

 وفي عام 1986 كان لدائرة إعلام دبي، السبق على مستوى الدول العربية والعديد من دول العالم المتقدم والنامي في افتتاح خدمة البث التلفزيوني السلكي في وسط العاصمة البريطانية لندن، حيث يزداد وجود المشتركين العرب المقيمين والزائرين للملكة المتحدة، وقد قدمت لهم الدائرة خدمة تلفزيونية إخبارية وبرامجية على مدى ست ساعات بث يومياً في (الوقت الحاضر)، ويتم أيضاً بث نشرات الأخبار يومياً مباشرة عبر الأقمار الصناعية من استوديوهات تلفزيون دبي.

 خدمات فريدة

 ومن الإنجازات التي تحسب لتلفزيون دبي، تقديمه لخدمة التلفاكس باللغة الإنجليزية في أواخر عام 1985، وبالتعاون مع إحدى الشركات تم ابتكار نظام جديد هو الأول من نوعه لتقديم هذه الخدمة باللغة العربية، ما جعله أول تلفزيون في الوطن العربي يقدم هذه الخدمة لمشاهديه باللغتين العربية والإنجليزية، حيث يوفر 1200 صفحة مقروءة باللغة العربية ومثلها باللغة الإنجليزية، تتناول أربعمائة موضوع تشتمل على الأخبار وأخبار الاقتصاد وأسعار العملات وحالة الطقس وعناوين الصحف ومواعيد الصلاة، والكثير من الموضوعات المتنوعة.

 تأهيل

 أسهمت دائرة إعلام دبي، في تأهيل كادر فني من مواطني الدولة للعمل في مختلف مجالات الأداء الإذاعي والتلفزيوني، معتمدة على العديد من المهندسين والمخرجين والفنيين والمذيعين والإداريين المواطنين الذين يضطلعون بمسؤوليات تسيير دفة العمل في هذه الدائرة.

تطور عدد الموظفين العاملين في الدائرة عاماً تلو العام، فمن 15 موظفاً عام 1971، إلى 420 موظفاً يغطون الأنشطة والفعاليات الإعلامية كافة في الدائرة، بحيث يشغل المواطنون نحو 45% من عدد الوظائف الفنية والإدارية، ولعل السبب في ذلك سياسة التوظيف التي اتبعتها الدائرة منذ تأسيسها، كما يرجع الفضل أيضاً إلى طريقة التشغيل ذات الكفاءة العالية، وانتقاء الكوادر الإعلامية الجيدة بعناية والحرص على تطوير مستوى أدائهم فنياً وإدارياً عن طريق عقد دورات تدريب محلية وخارجية، ما أكسبهم مزيداً من المهارات والخبرات وجعلتهم أكثر سرعة في مواكبة التطورات السريعة في عالم الإذاعة والتلفزيون، والجدير ذكره العلاقات المتينة بين الدائرة وهيئة الإذاعة البريطانية ومؤسسة تومسون باسكتلندا، ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية.

 هيكل تنظيمي

 ومن مميزات دائرة إعلام دبي، أيضاً، اتباعها لسياسة إدارية مرنة يتم من خلالها إعادة النظر في هيكلها التنظيمي من وقت لآخر بما يضمن انسيابية الأداء بالكفاءة والمستوى المنشود، بحيث يتم تشغيل الأقسام المختلفة العاملة، وتلك التي يتم استحداثها دون تداخلات في الصلاحيات والمسؤوليات وباتباع أقل قدر من المركزية الإدارية.

 البيان

في مطلع عام 1980 أنشأت حكومة دبي مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر، لتحقيق أهداف عدة، من بينها إثراء الصحافة المحلية بالدولة، وتعزيز حركة النشر، ونشر المعلومات المحلية والعربية والعالمية، وفي العام نفسه بادرت المؤسسة بإصدار صحيفة «البيان» اليومية، وأعقبتها بمجلة «الرياضة والشباب» الأسبوعية، ورافدتها مجلة «الإمارات اليوم» الشهرية التي تصدر باللغتين العربية والإنجليزية.

تلا ذلك تأسيس «مركز أبحاث الشرق الأوسط» الذي بدأ بقسم المعلومات ووحدة الأرشيف وشعبة الدراسات والبحوث، ثم أضيف إليه «البنك العربي للمعلومات».

ولتكثيف فعالياتها في الحياة الثقافية في الدولة والعالم العربي، أنشأت المؤسسة المطابع التجارية ذات الإمكانيات الفنية المتطورة التي مكنتها من تقديم الخدمات العالية التقنية في مجال الطباعة، ما أكسبها مكانة مرموقة بين مؤسسات الطباعة في المنطقة والعالم ، أما في مجال النشر فقد دأبت «البيان» على إصدار المطبوعات القيمة والشاملة لمختلف المجالات، كالسياسة والاقتصاد والعلوم والاجتماع والأدب.. إلخ، وقد تمت ترجمة بعض منها، أما البعض الآخر فهو منسوب إلى مؤلفيه من الكتاب المحليين.

 جهود

 حرص تلفزيون دبي على رفع المستوى الثقافي لجمهور المشاهدين، من خلال تقديم البرامج ذات المغزى التثقيفي، كما كان له دور بارز في الحفاظ على التراث الشعبي عن طريق توثيقه وحفظه مسجلاً بالصوت والصورة، فضلاً عن تعميق الإحساس بالانتماء الوطني والقومي عبر برامج هادفة ترسخ لدى المواطن اعتزازه بحتمية الانتماء لوطنه وأمته وتاريخها المجيد.

 «البيان » تدعم المسيرة الاتحادية والتكامل العملي

 جاء تخطيط صحيفة «البيان» لصيقاً بالبيئة المحلية لإمارة دبي وبالدولة قاطبة، وبالأحداث الجارية إقليمياً وعالمياً، ومن هذا المنطلق حرصت «البيان» على أن تكون سباقة في إعطاء الدور الاقتصادي والتجاري حقه من النشر اليومي المكثف، والذي يجمع أيضاً بين الخبر الاقتصادي والتحقيقات المجدولة والتبصير والتوعية الاقتصادية التي تعد بمثابة الركيزة الأساسية في إرساء قواعد التنمية السليمة الشاملة في الدولة، أما على الصعيد المحلي، فقد تعاملت الصحيفة مع الحدث المحلي وتابعته بإيجابية مطلقة، كما تعاملت مع السلبيات بالصراحة اللازمة، و«البيان» إذ تنتهج هذا النهج الصحافي الباني، تدرك تماماً طبيعة التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسة والاقتصادية التي طرأت على مجتمع الإمارات منذ قيام الدولة، كما تدعم كل ما من شأنه تعزيز المسيرة الاتحادية وإرساء الأسس المطلوبة للتكامل العملي الدائم.