وحد المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم،طيب الله ثراه ، جهود رواد الفنون الشعبية والمسرحية، إيماناً منه بأن الفنون الشعبية في كل زمان ومكان هي الرابط الأزلي بين الماضي بعراقته وأصالته والحاضر بإرثه الشعبي الذي لا يقدر بثمن.
الفنون الشعبية تراث أصيل منحدر من عادات وتقاليد شعب الإمارات الذي عرفها منذ عصور قديمة، وتمسك بها عبر السنين، وظلت في التنقل من جيل إلى جيل بأدائها المتناسق مع إيقاع الصحراء والبحر.
كيان واحد
لم تتأثر فِرق هذا الفن الغنائي بالتغيرات الاجتماعية والثقافية، بل وجدت من يقدرها ويعتني بها ويصونها كتراث خالد الأصالة والانفراد، حيث ظهر أول تجمع لفِرق الفنون الشعبية في دبي تحت رئاسة المغفور له عويد بن سالم، الذي اهتم منذ البداية بتجميع الفِرق الفنية المختلفة في كيان فني شعبي موحد، فضم ذلك التجمع فِرق العيالة، الرزيف، الليوا، النوبال، والحدوة.
نشاط فني
تواصل تجمع الآباء المهتمين بمثل هذا التراث الفني الشعبي في دار المغفور له ربيع بن محمد البدور، حيث كانوا يجتمعون في هيئة مجلس فني (للتفاكر) في الشؤون التنظيمية التي تهم تلك الفِرق الفنية وبخاصة عندما يحين الوقت لمشاركتها في الحفلات والأعياد والمناسبات الوطنية، وبقي الحال على ما هو عليه حتى أوائل الستينيات عندما طرحت فكرة إيجاد دار يتجمع فيها أعضاء الفِرق الفنية الشعبية ليمارسوا من خلالها نشاطاتهم الفنية أكثر فأكثر.
مكرمة
تم تكليف رئيس الجمعية آنذاك المغفور له خادم سرور المعصم، للتقدم إلى المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم،طيب الله ثراه ، برغبة أعضاء الجمعية في إيجاد مكان مناسب يمكنهم من مواصلة عطائهم الفني الشعبي، وطرحوا فكرة دار للجمعية تضم الآباء والشباب للمحافظة على هذا التراث من الاندثار، وقد رحب المغفور له الشيخ راشد بذلك الطلب، وأمر بلدية دبي بمنح جمعية دبي للفنون الشعبية قطعة أرض باسم الجمعية بمنطقة المنامة (شرق هور العنز) لتشيد عليها مقرها الذي أنشئ في السبعينيات، وتجمعت فيه الفِرق الفنية وتكاثر أعضاؤها بانخراط مجموعات من الشباب الراغبين في هذا النوع من الفنون الشعبية الأصيلة.
12 فرقة
وكتطور حتمي لآلة الزمن الدائرة في فلك الوجود المعاصر، تشكلت فرقة مسرح الجمعية كرافد مستحدث من روافدها العامة، وظلت هذه الفرقة تخطو نحو الأحسن حتى أضحت من الفرق المسرحية المتقدمة بالدولة. في غضون ذلك تعددت الفِرق المنضوية تحت لواء جمعية دبي للفنون الشعبية والمسرح، ووصل عددها في وقت وجيز إلى 12 فرقة تخصصت كلا منها في فن شعبي يميزها عن الفرق الأخرى.
مشاركات
وتعددت مشاركات جمعية دبي للفنون الشعبية والمسرح، فشملت مشاركات فنية محلية في المناسبات الوطنية والأعياد، كما تعدت النطاق المحلي لتشمل مشاركاتها مهرجانات الفنون الشعبية إقليمياً وعربياً، إضافة إلى ذلك انفردت الجمعية بإقامة مهرجان سنوي في أمسيات شهر رمضان المبارك، بحيث تُؤدي فيه بعض الفنون والتواشيح الخاصة بهذه المناسبة الكريمة كلوحات الحدوة، والنهيم التي أحيتها الجمعية للمحافظة عليها من الاندثار.
حوافز
وتبنت الجمعية هذا النهج من المهرجانات السنوية ودعت له جمعيات الفنون الشعبية بالدولة للمشاركة في إثرائه خلال ليالي الشهر الفضيل، كما رصد مجلس إدارتها الحوافز التشجيعية للفِرق الفنية المشاركة في إحياء هذا التراث الشعبي للحفاظ عليه والتشبث بمقاصده النبيلة. ومن خلال هذا التوجه الفني الشعبي الرائد ازدادت رغبات أعضاء الجمعية في تطوير مقرها أو إيجاد البديل الذي يستوعب الفِرق الفنية المختلفة المنضوية تحت لوائها، والأعداد المتزايدة من الشباب الراغبين في الإسهام فنياً ومسرحياً في التحام وثيق مع الآباء، رواد الفنون الشعبية الذين تكتظ بهم الجمعية.
تقدم رئيس الجمعية مرة ثانية إلى المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم،طيب الله ثراه ، لينقل تلك الرغبة لتشييد مقر حديث للجمعية يواكب التطور الحضاري لمدينة دبي، وجاءت موافقة سموه مقرونة بتكفله بتشييد مسرح ودار الجمعية في المنطقة نفسها التي تقع فيها الدار السابقة.
مرحلة البناء
وبدأ البناء عام 1983 على مرحلتين، تم في الأولى إنجاز مسرح الجمعية بتكلفة وصلت إلى ما يقارب الأربعة عشر مليون درهم، وفي عام 1986 انتقلت الجمعية إلى مقرها الجديد وباشرت نشاطها الفن، واستقطبت العديد من الأوجه الجديدة، كما وجد المسرحيون ضالتهم في مسرح الجمعية الذي شُيد على أحدث طراز، وباشروا نشاطهم المسرحي في همة واقتدار.
استطاع مجلس إدارة الجمعية وضع تنظيم حديث لسجلات الجمعية وحساباتها وملفات عضويتها وشؤونها الإدارية في فترة وجيزة، كما قام المجلس بتنظيم النشاط الفني المتعلق بشؤون الفِرق، والتفت الجميع إلى تطوير النشاط الفني وتحديثه إيفاء للمتطلبات والتوجهات الفنية المعاصرة.
كما قام المجلس بوضع خطتين لتحديث العمل الفني والرقي به إلى مصاف الفِرق الفنية القومية الطموحة، وقد جاءت الخطة الأولى قصيرة المدى لتنهض بمستوى الفِرق الفنية لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب وتهيئة مناخ العمل الفني وتحديثه على نمط فلكلوري مدروس كي تتمكن الجمعية من خلاله تقديم لوحات فنية شعبية مستحدثة ترقى إلى متطلبات المد الحضاري المتصاعد، أما خطة التطوير طويلة المدى، فقد شملت تحديث منشآت مقر الجمعية وتحديث وتحسين الموقف المالي والاستفادة بكل ما هو حديث ومتطور في عالم الفلكلور الشعبي، للارتقاء بأداء الفرق الفنية إلى الأفضل.
نهضة شاملة
كما درجت إدارة الجمعية على حصر إنجازاتها التي تم تحقيقها خلال العام لرفعها إلى اجتماع الجمعية العمومية لإجازتها والتوصية باستدراك سلبيات العمل الفني للتخلص منها والسير قدماً في الاتجاه الصحيح لتحقيق الأهداف المرجوة من خطط التطوير والتحديث، تلك الخطط التي يدور فلكها في النهضة الشاملة التي تصبو إليها إدارة الجمعية والقائمة على أسس تراثنا الشعبي الأصيل ليبقى دائماً أثر الدولة الفني مرتبطاً بماضٍ تليد وحاضر يأمل في الأمثل إبداعاً ومواكبة.
ملامح من شخصية الشيخ راشد
أهم ما كان يميز المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم،طيب الله ثراه ، أنه كان يهوى الشعر والقصائد الشعبية ويميل للمبارزة الشعرية، وهذا ما يجعل من القصيد الذي قيل في مدحه، إبداعات صادقة، حيث لم يكن يسعى قائلوها إلى نيل مكافأة راشد، كما أنه ليس في حاجة إلى ذلك المدح لأنه أعلم بقدره، ولا يرغب في أن يخبره الناس عن ذلك القدر، بل إن أعماله وصنائع يده هي التي تنبئ عنه، إنها قناعة ولدت مع راشد لتحدد له الزاوية التي ينظر منها لنفسه أولاً ثم للآخرين.
عندما سئل المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عن سبب عدم تقبله لقصائد المدح والإطراء، قال: "من كان يريد أن يتكلم عني بما قد عملته فأنا غني عن الكلام، حيث إن الأعمال هي التي تتكلم. ومن كان يريد أن يتكلم عني بما لم أفعله، فإنه إنما يسخر مني".
كان المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يحب البساطة والشعر، كما كان حريصاً على ألا يستمع إلى ما هو لغو وابتذال، وكل ذلك يجعل لقول هؤلاء الذين تحدثوا في حياة راشد، وذكروا شمائله، وأولئك الذي رثوا رحيله وذكروا بعضاً من فضائله، يجعل لقولهم نبرة خاصة يدعمها الصدق ويسرح في روابيها الحب والوفاء لراشد الخير وليصبح القصيد راشداً.
