من نافلة القول إن الحديث عن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ،رحمه الله، أمر ليس بالسهل، فهو ذلك الطفل الذي تربى في كنف والده الشيخ سعيد بن مكتوم، ووالدته الشيخة حصة بنت المر التي يضرب بها المثل في قوة شخصيتها، وكرمها، وفهمها للحياة السياسية، ودورها في الحياة المجتمعية.

 ولد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في الشندغة عام 1912، من أب يتفق أهل دبي كلهم على أنه كان أوسعهم صدراً، وأرجحهم عقلًا، وأكثرهم حكمة، وألطفهم خلقاً وكرماً، وأتقاهم وأخشاهم لله رب العالمين. أما أمه حصة بنت المر فلم تكن أمّاً لراشد وحده، بل أمّاً لأهل دبي كلهم، لذلك فإنها لما توفيت بكت عليها دبي والإمارات جميعاً.

 قرارات مهمة

 برز الشيخ راشد كقائد في وقت مبكر، واكتسب تجاربه من مرافقته لوالده، حتى صار يشاركه في صنع القرارات المهمة، وكان يبدو أحياناً هو المؤثر، ومتخذَاً للقرار، فاعتمد عليه والده في السنوات الأخيرة من عمره، وكان الشيخ راشد وراء كل قرار صائب، وكل مشروع ناجح، ولم يأت عام 1958 - وهو العام الذي توفي فيه الشيخ سعيد بن مكتوم _ إلا وكان الشيخ راشد مؤهلاً لتولي حكم دبي.

 ولكي يقيم الشيخ راشد مدينة فاضلة تعتمد على العدل والمساواة بين الناس، وتساير في حياتها اليومية عواصمَ الدول الراقية، بدأ رحمه بإرساء قواعد منظومة القضاء في الإمارة، فأنشأ المحاكم، ونادى باستقلالية القضاء، علماً أن دبي عرفت القضاء منذ وصول آلبوفلاسة إليها عام 1833، وقد مر في الغالب بمراحل ثلاث، هي القضاء العرفي، والقضاء شبه النظامي، والقضاء النظامي.

 مراحل تطور

 وللحديث عن مسيرة القضاء في إمارة دبي، وإسهامات المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد في بنائها، ووضع اللبنات الأساسية لها، التقينا الدكتور عارف الشيخ مستشار الأمور الأسرية في محاكم دبي، ليسرد لنا بالكلمة والصورة مراحل تطور هذه المنظومة في الإمارة في عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، استناداً إلى معايشته له رحمه الله، وحضوره مجالسه، وكذا من خلال المعلومات التي استقاها من مشايخه وأساتذته ممن هم أكبر منه سناً، حول هذا الموضوع.

 بيئة طيبة

 في البداية يقول الدكتور عارف الشيخ:«إذا ما أُعجبنا بالشيخ راشد، فينبغي أن نعجب أوّلاً بالبيئة الطيبة التي أنبتت هذا النبت الطيب، إذ لا شك أن الشيخ راشد كان مهيئاً بحكم الوراثة والفطرة الإلهية، لكن الذي ساعده أكثر هو أنه تشرّب مبادئ العلم والمعرفة وحب الخير من والديه قبل أن يلتحق بمدرسة الأحمدية، وينهل من علومها، وكما يقول معالي الفريق ضاحي خلفان تميم في كتابه عن الشيخ راشد بن سعيد، فإن الشيخ راشد لم يكن في صغره محباً للعب واللهو كزملائه، بل كان ولداً جاداً، محباً للفضائل، ومثابراً على العمل، أراد لدبي التميز منذ وقت مبكر، وأرادها أن تكون عروس المدن العربية.

 مشيخة صغيرة

 ويذكر الدكتور الشيخ، أن الشيخ راشد،رحمه الله، تولى قيادة البلاد من عام 1958 إلى عام 1990، واستطاع أن ينقل دبي من مشيخة صغيرة في منطقة ساحل عمان، إلى إمارة حديثة، جعلها العاصمة التجارية لدولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، موضحاً أنه ،رحمه الله، ظل طوال فترة حياته الناصحَ الأمينَ، والعضدَ الأيمن للشيخ زايد بن سلطان،رحمه الله،«فزايد بمعية راشد سعى إلى قيام الاتحاد، ولولا زايد وراشد بعد توفيق الله لما قام الاتحاد، ولظلت هذه الإماراتُ مبعثرة لا يعرف مصيرها إلا الله».

 وأشار في سرده إلى الفريق ضاحي خلفان ذكر عن الشيخ راشد بن سعيد، إلى أنه كان قائداً موهوباً، صاحب قدرة على التخطيط المستقبلي، والتحليل والمقارنة، واختيار الوقت المناسب لتنفيذ عمل مّا، واختيار الرجل المناسب للعمل المناسب في المكان المناسب، ثم القدرة على تحديد الهدف والوصول إلى الهدف، إضافة إلى أنه ،رحمه الله، كان مهيّأً دائماً نفسياً وذهنياً وبدنياً، وقادراً على أن يتخذ القرار الحاسم، وكان معروفاً بقوة ذاكرته وقدرته على المتابعة، وكان يتمتع في مظهره العام بقوة الشخصية رغم أنه كان بسيطاً في ملبسه ومأكله ومشربه ومجلسه.

 تجارة وعمران

 ويؤكد الدكتور عارف الشيخ أن الشيخ راشد بن سعيد اهتمّ بالبنيان والتجارة والعمران، ولكن قبل ذلك اهتمّ بالإنسان، فجلب إلى دبي التعليم النظامي الحديث، بالاتفاق مع الكويت ومصر، كما أنه بنى أول مستشفى في دبي وإمارات ساحل عمان، وهو مستشفى المكتوم.

 بداية عهد

 وعن بداية عهد القضاء في إمارة دبي، وأبرز المفاصل التي مر بها يقول الدكتور عارف الشيخ:« عندما قرر الشيخ راشد بن سعيد استحداث القضاء عام 1956، صدر قرار من الشيخ سعيد بن مكتوم بتشكيل أول هيئة قضائية مؤلفة من قاضيين هما الشيخ أحمد بن حسن الخزرجي ومحمد الشنقيطي، وظل الأمر كذلك إلى عام 1958 حيث استقدم الشيخ راشد من عدن محمد جعفر السقاف بمباركة من بريطانيا، فكان ذلك العام بداية لعهد قضائي جديد.

 «ومما يذكر عن القضاء في عهد الشيخ راشد أنه حتى ذلك الوقت، لم يكن للقضاء مقر ثابت، فمرة كان القاضي يقضي بين الخصوم في منزله، ومرة في السوق، وربما في مجلس الحاكم».

«كما أن الشيخ خميس هو أول قاض يذكر في دبي، وعلى الأرجح أنه عاش في عهد الشيخ حشر بن مكتوم الذي حكم في الفترة من عام 1859 إلى 1886، ثم جاء بعده الشيخ حسن ابن الشيخ محمد الخزرجي بقرار من الشيخ مكتوم بن حشر، ثم الشيخ محمد بن عبدالسلام المغربي الذي توفي في عهد الشيخ سعيد بن مكتوم، ثم الشيخ عبدالرحمن بن حافظ بقرار من الشيخ سعيد بن مكتوم، إلا أن ابن حافظ كان يتردد بين دبي وعمان، وفي تلك الفترة عَيّن الشيخ سعيد بن مكتوم الشيخ حسن بن أحمد الخزرجي ومحمد الشنقيطي قاضيين».

 الجناحي والشامسي

 كما كان بجانب هؤلاء قاضيان فاضلان آخران يقول الدكتور عارف الشيخ، وهما: الشيخ علي الجناحي قاضي الشيخ سعيد الخاص، والشيخ مبارك بن علي الشامسي الذي كان بمثابة قاضي الاستئناف اليوم، يحيل إليه الشيخ سعيد بعض المسائل إذا اختلف القضاة بشأنها.

محمد بن حشر بن مكتوم أول ناظر للقضاء عام 1956

 يروي لنا الدكتور عارف الشيخ أن الشيخ سعيد بن مكتوم أصدر في عام 1956 و«بقناعة من الشيخ راشد» قراراً بتعيين الشيخ محمد بن حشر ناظراً للقضاء، وقبل ذلك كان والده الشيخ حشر بن مكتوم ممثلاً للحاكم في الأمور القضائية، وإلى ذلك الوقت كان القضاء يبدو وكأنه أربعة: محكمة الحاكم – والمحكمة الشرعية – والقضاء العرفي للقبائل البدوية – أو السالفة لأهل البحر – ولجان التحكيم والصلح لحل الخلافات بين أفراد المجتمع.

 ويقول:«بما أن الشيخ راشد كان يتطلع إلى غد أفضل فإنه سابق الزمن، وبمعاونة بريطانيا سارع إلى أن يختار الرجل المناسب لتأسيس القضاء النظامي الحديث، وكان المرشح لهذا العمل هو محمد جعفر السقاف من عدن، الذي وضع نواة التطوير القضائي في عام 1958، وصار في البداية هو القاضي والمشرف على القضاء الشرعي والمدني.

ويشير إلى أن بريطانيا كانت قد أنشأت في دبي عام 1953 محكمة قضائية تابعة للمعتمد البريطاني، وكان أول من تسلم هذا المهام في دبي مساعد القاضي مودسلي (maudsley )، الذي كان يرجع في قراراته إلى كبير القضاة البريطانيين في البحرين.

 محكمة محلية

 كما يوضح أنه لم يكن للمسلمين محكمة خاصة للنظر في قضاياهم، فقرر الشيخ راشد حينئذ أن ينشئ محكمة محلية في دبي ليصبح عام 1956 هو انطلاقة فجر قضائي جديد، وكانت الانطلاقة الفعلية بوصول السقاف القاضي المخضرم، فالشيخ راشد هو المؤسس الأول والسقاف هو المنظم الأول للقضاء الحديث في دبي.

 «ومع وصول السقاف وتأسيسه المحكمة الشرعية النظامية في قلعة نايف، واقتراب دبي من عام 1960»، يقول الدكتور الشيخ، بدأت تتضح ملامح دبي الحديثة، وتتشكل دوائرها على يد باني نهضتها آنذاك الشيخ راشد بن سعيد الذي حول دبي إلى مدينة لافتة للأنظار في ذلك الوقت.

 قانون تشكيل المحاكم

 كما يوضح أن السقاف بقي القاضي المطلق، ينظر بمفرده في قضايا الناس مواطنين وأجانب، وفي القضايا الشرعية والمدنية من عام 1958 إلى عام 1970، حيث صدر قانون تشكيل المحاكم، وبموجبه قسمت المحاكم إلى شرعية ومدنية والمدنية إلى ابتدائية واستئناف.

ويقول:« عندئذ انتدب القاضي عدي البيطار من الأردن ليؤسس المحكمة المدنية، فجاء ونظم القضاء المدني حسب احتياجات ذلك الوقت، ثم نقل البيطار إلى ديوان الحاكم مستشاراً قانونياً لحكومة دبي، والبيطار رحمه الله بجانب كونه مستشاراً قانونياً لحاكم دبي لعب دوراً فعالاً في تأسيس الدولة الاتحادية فكانت له مشاركات في اجتماعات زايد وراشد وشيوخ الإمارات، وبما أن البيطار فرّغ لديوان الحاكم بعد ذلك، فإن البديل كان القاضي غالب البسطامي الذي جيئ به من الأردن أيضاً، وعُين مديراً للمحكمة المدنية، وأما المحكمة الشرعية التي صارت تعمل ضمن المحكمة المدنية، فعُين الشيخ إبراهيم علي عبدالرحمن من السودان رئيساً لها أو رئيساً للقضاة الشرعيين».

ويتابع أن القاضيين غالب و إبراهيم، ظلا يديران القضاء المدني والشرعي تحت مسمى محكمة دبي، ثم محاكم دبي حتى عام 1992، إذ صدر قانون بتأسيس دائرة المحاكم، فكانت البداية في قلعة نايف، ثم انتقلت في عام 1980 إلى مبنى البلدية القديم في شارع المكتوم، وفي عام 1992 انتقلت إلى مقرها الدائم بجانب الخور ومستشفى راشد.

 تصنيف المحاكم

 أما المحاكم فيوضح الدكتور عارف الشيخ أنها قسمت بموجب قانون عام 1970 إلى ابتدائية واستئناف، عملتا ضمن محكمة واحدة، وظلت الشرعية جزءاً من الابتدائية، إلى عام 1979 حين صدر قانون جديد، وسميت محكمة الاستئناف بالاستئناف العليا، واستقلت عن الابتدائية.

 و«في عام 1988 صدر قانون جديد قسم المحاكم إلى ابتدائية واستئناف وتمييز، وبهذا يكون قد اكتملت المحاكم الثلاث الرئيسة في عهد الشيخ راشد بن سعيد، أيام كان الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ولياً للعهد، والشيخ محمد بن راشد وزيراً للدفاع ورئيساً للأمن العام والقضاء يقع ضمن اختصاصاته». ويقول إن الشيخ محمد بن حشر ظل على رأس عمله من عام 1956 عندما كان مسماه ناظر القضاء، إلى أن سمي رئيساً للمحاكم، وإلى أن صار رئيساً لدائرة العدل التي ألغيت بعد سنتين من إنشائها، وإلى أن صار رئيساً للمجلس القضائي، وإلى أن توفي رحمه الله، وعُين الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد رئيساً للمجلس.

 القضاة والإداريون

 ويبين الراوي أن القضاة والإداريين والمستشارين في عهد الشيخ راشد، كانوا من المواطنين، ومن الأردن وفلسطين والسودان وعدن والبحرين، مشيراً إلى أن سبب الاختيار من تلك البلاد، هو لكونها خضعت للاستعمار البريطاني، وتشرّب أهلها قانون المحتل،«وبذلك يكون أيسر أن يصبحوا وسطاء بين الإمارات وبريطانيا».

 ويقول:« مما ينبغي أن نؤكد عليه هو أن الشيخ راشد هو أول حاكم لدبي أنهى ارتباط القضاء الوطني بالقضاء البريطاني بإصداره قانون تشكيل المحاكم عام 1970، ومن المؤكد أيضاً بأن محمد جعفر السقاف هو أول من أدخل القضاء النظامي في دبي، فوضع لوائح ونظماً واستحدث مستندات وسجلات، واستحدث لائحة الدعوى، وملفاً يحمل كل المعلومات الخاصة بالمدعي والمدعى عليه، وأصبحت الجلسة تفتتح بالنداء على المتخاصمين، وتسجل كل أحداث القضية وروايات المدعي والمدعى عليه والشهود في محضر خاص.

 الكاتب العدل

 وفيما يتعلق بالكاتب العدل، يبين الدكتور عارف الشيخ أن هذا المسمى استحدث في عهد الشيخ راشد والسقاف منذ عام 1974، ومهمته في دولة الإمارات تحرير العقود والمحررات، والتصديق على التوقيعات، وإثبات تاريخ المحررات العرفية على النحو المنصوص عليه في قانون الدولة، وإجراء أي معاملة أخرى يأمر القانون بإجرائها.

 ويلفت إلى أن ثمة لجنة قضائية عقارية كانت قد أنشئت في عهد الشيخ راشد في دائرة الأراضي والأملاك ( الطابو ).

القضاء النظامي مزيج من «الشرعي» و«العرفي»

 يقول الدكتور عارف الشيخ إن القضاء منذ أن وجد في إمارات الساحل، كان مزيجاً من القضاء الشرعي و«العرفي»، وقد كان «الأخير» خاصاً بقضايا البحر والغوص، ولم يكن منضبطاً بنص، بل كان يخضع للاجتهادات، لأن قاضي العرف ( السالفة ) استخدم تجربته الحياتية، ووظف ما سمعه من أهل العلم، أو ما شاهده على الطبيعة.

 ويشير إلى أن قضاة العرف أسهموا في فترة من الفترات في حلّ مشاكل البر والبحر، عرف منهم في دبي عدد من أهل البلد مثل: حميد بن خلفان البسطي، وجمعة بن عبدالله الأملح، وأحمد بن حارب آخر قضاة العرف ( السالفة ) في الإمارة، وكان له مكتب في محكمة نايف أيام القاضي السقاف، وكان يحكم بما يرى، ثم يعرض حكمه على السقاف فيعتمده.

قضايا الناس

 ويضيف:«أود هنا أن أشير إلى أن قضايا الناس في الماضي لم تكن بهذا الحجم ولا بهذا الشكل كما هي اليوم، بل كان أغلبها الاعتداء بالضرب، والسرقة والمواريث، والنكاح والطلاق والبيع والشراء، وقضايا العرض أو الخطف، ومنها قضايا الاعتداء على البيوت وخيانة الأمانة وقطع الطرق أو التهديد، وقليل منها قضايا القتل والدم.

 العقوبات

 أما العقوبات الجنائية فيوضح الدكتور الشيخ أنها كانت تتفاوت ما بين السجن والغرامة والجلد والإهانة، فالسارق مثلاً كان يجلد أو يطاف به بين الناس مكتوف اليدين حتى يعترف، وفي قضايا العرض كان يوسم المعتدي بالنار، أو يصلب، أو يجلد حتى الموت، وربما وصلت العقوبة إلى قطع اليد أو سمل العيون.

 ويذكر أن دبي كانت ذات رؤية ورسالة واضحة منذ أيام الشيخ سعيد بن مكتوم قبل عهد الشيخ راشد بن سعيد، حيث إنه كان يمشي على نهج سابقيه، وكان يستعين بأخويه أيضاً في إدارة البلاد، وكان للشيخة حصة بنت المر الحظ الأوفر في إبداء الرأي في الكثير من المسائل التي تهم المواطنين، وكانت تمثل العنصر النسائي في دبي بقوة منذ ذلك الوقت، حتى أنها كانت على رأس سيدات الأعمال فلها ممارسات في البيع والشراء أيضاً، وقد وجدت وثيقة بتوقيع القاضي الشيخ علي الجناحي تثبت ذلك.

ويقول إن الشيخ سعيد بن مكتوم ظل حاكماً للبلاد والشيخة حصة تسانده بآرائها الموفقة وحزمها، وكان أخوه الشيخ جمعة بن مكتوم من وجهاء القوم، يرافق الشيخ سعيد في المناسبات في الداخل والخارج، وكان ذا مكانة ومهابة في البلد بل حتى عند البريطانيين، والشيخ راشد كان يحترمه ويتردد عليه.

«أما أخوه الشيخ حشر بن مكتوم فكان له حضور في السوق وبين التجار، وكان الشيخ سعيد يسند إليه أمر الفصل في المنازعات بين الناس».

 سوق العرصة

 ويشير إلى أن إبراهيم محمد بو ملحة مستشار صاحب السمو حاكم دبي للشؤون الإنسانية والثقافية، ذكر في مقال له بأن الشيخ حشر بن مكتوم كلف رسمياً عام 1939 بالنظر في قضايا الناس، وكان يجلس على كرسي له أمام سوق العرصة في بر ديرة.

 بيت بلقيزي في ديرة أول مقر للقضاء

 يذكر الدكتور عارف الشيخ في شرحه، أن أول مقر رسمي للقضاء في دبي هو بيت بلقيزي في ديرة، وعندما صدر القرار بتحديث القضاء النظامي عام 1956، اتخذ القضاء من عمارة الحبّاي في ديرة مقراً له، ولكن مع ذلك لم يكن له إدارة وسكرتارية وأوراق خاصة، وكان أول من عمل سكرتيراً للقضاء الشيخ محمد بن يوسف الشيباني.

 ويشير إلى أن القاضي في الماضي، كان يكتب السند ( الوثيقة ) بخط يده، أو يكتب له كاتبه، ثم يمهره بمهره الذي كان يحمله في جيبه، وفي عام 1956 حتى عام 1958 كان القاضيان الشيخ أحمد الخزرجي ومحمد الشنقيطي يمهران الوثيقة معاً.

 ويقول إنه منذ عام 1956 صار للقضاء ناظر، وسمِّي الشيخ محمد بن حشر آل مكتوم ناظراً للقضاء، وجيء من البحرين برجل يقال له محمد عبدالخالق ليعمل إدارياً، فحاول تنظيم القضاء الحديث، لكنه بعد سنة عاد إلى بلده، ليأتي بعده الشيخ عبدالرحمن الدجاني من سوريا، الذي عمل قاضياً ومشرفاً إدارياً، لكنه هو الآخر لم يستمر، ثم جاءت بريطانيا في عام 1956 بمحمد جعفر السقاف من عدن، حيث كان عالماً وممارساً للقضاء لعدة سنوات، ومنظماً إدارياً، ورجلاً دعابي الطبع، فأحبه الناس حتى أنهم كانوا يترددون عليه في المساء في مقر سكنه الكائن في فريج البستكية ( الفهيدي الآن ).

 ويوضح أن السقاف عمل قاضياً في دبي منذ عام 1958، وفي عهده استحدث مسمى محكمة دبي الشرعية، واتخذ له لأول مرة كاتباً للجلسة بشكل رسمي، وصار للقضاء قاعة للنظر في القضايا، ومقر ثابت في قلعة نايف في الطابق الثاني منها، إذ كان الطابق الأول مقراً للشرطة.

 أقدم القوانين

صدرت أقدم القوانين في عهد الشيخ راشد، وبوجود السقاف، وهي: قانون جريمة الشيك بدون رصيد في عام 1965، وقانون حركة السير على الطرق في عام 1967، وقانون العقوبات في عام 1970، وقانون الإجراءات الجزائية في عام 1970.

«وفي عهده أيضاً استحدث فرض الرسوم على المشتكي والمشتكى عليه قبل أن ينظر في القضية، وكان ذلك في البداية اجتهاداً منه، وليس مطلباً شرعياً، وكثيراً ما كان يفعل ذلك لتأديب الخصوم، وأول قرار رسمي صدر بشأن الرسوم هو نظام رسوم المحاكم الصادر عام 1974».

ويضيف:«لا ننسى أن نقول بأن في عهد الشيخ راشد بن سعيد أنشئ مجلس الحقوق والمحامين عام 1974 بموجب مرسوم من سموه، وكان المستشار القانوني لحكومة دبي بعد عدي البيطار، حمدي عبد المجيد أميناً عاماً للمجلس، وقد عد هذا المجلس في ذلك الزمن المرجع القانوني لمنح التراخيص لمزاولة المحاماة، أما قبل نهاية الستينات فكان الوكيل الذي ينيبه الخصم هو الذي يحضر أمام القاضي».

 ثمرة جهود

 اختتم الدكتور عارف الشيخ حديثه عن مسيرة القضاء في دبي منذ عهد الشيخ راشد بن سعيد وإلى الآن بالقول: هذه المحاكم بتفرعاتها بهذا الكم وبهذا الكيف لاشك أنها هي ثمرة تلك الجهود المباركة التي بدأها الوالد الباني الشيخ راشد،رحمه الله، منذ عام 1956، ولو لم تكن تلك القوانين المهمة التي أصدرها سموه في وقت مبكر فأسهمت في وضع البنى التحتية للقضاء في دبي، لما كانت دبي نراها عملاقة في أعين العالم.

 ويضيف:«رحمة الله على الشيخ راشد بن سعيد الباني الأول لنهضة دبي بالأمس، والرحمة موصولة إلى الشيخ مكتوم بن راشد، ثم حفظ الله لنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد باني نهضتنا الحديثة الذي تميز حتى صار مضرب المثل في العالم، وشكراً لكل من شارك حكامنا بالأمس واليوم في البناء والتعمير وخدمة الوطن، وعاشت دبي خالدة في ذاكرة الأجيال».