«ستسمعون عني خبراً جميلاً بعد أسبوعين».. بتاريخ 24 أغسطس، كانت مكالمة غير محسوبة في حياة الشهيد سالم راشد علي محمد يديد الشحي 33 عاماً، عندما تحدث لزوجته وشقيقه الأكبر عن إحساسه بحدوث خبر سار له، فيحدث ما قال تماماً، وفقاً لما أكده شقيق الشهيد «سعيد»، الذي عبر والحزن يتملكه في فقد أخيه، عن شعوره بالفخر والاعتزاز، وأن شقيقه كان يُمني نفسه بالشهادة ونالها، ولسان حال شقيقي ينطبق على شهداء كثر عبروا عن نفس الأحاسيس قبيل أن يرتقوا إلى بارئهم شهداء إن شاء الله. ثم يأتي حوار بين صديقين: فلان مات.. ياااه؛ رحمه الله، أتعلم: بالأمس سلّم عليَّ مودعاً وقال: لا أدري ربما لا أراك مرةً ثانية.

وهناك فلان حصل له حادث وانتقل إلى رحمة الله، يا الله رحمه الله قبل ثلاثة أيام كان يتحدث معنـا عن الموت وعن القبر، وكان يعطينا مواعظ وقصصاً مؤثرة. وفي قصة أخرى كانت آخر كلمة تقولها دعوة لوالدتها مع نظرة وداع، «أراكِ في الجنة إن شاء الله». هذه قصص لأشخاص قد يعيشون بيننا أو حولنا، تلفظوا بعبارات أو قاموا بأفعال كانت أشبه بالتعبير عن رغبتهم في إيصال رسالة إلينا مفادها الإحساس بدنو أجلهم.

مواقع التواصل

الموضوع الأكثر إلحاحاً أن الكثير من الناس الذين رحلوا وغيبهم الموت، لا يزالون حاضرين على شبكة الإنترنت، فمواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمواقف والذكريات التي خلّفها أشخاص رحلوا عن دنيانا بتعليقاتهم وصورهم وربما تدويناتهم وأرشيفهم.

في الفترة الأخيرة لوحظ عدد كبير من مستخدمي تلك المواقع ينتقون كلمات نعي أو تمني للشهادة، ودعوات بالرحمة، وكلمات صميمها الرحيل والوداع، وهم لا يعلمون أنهم يخطون النعي لأنفسهم، ويكتبون معه نهايتهم الفارقة في حياة أهلهم وأقرانهم. كثيرة تلك الصفحات التي يرجع لها كثيرون لمتابعة آخر ما سطر به المستخدم الراحل عن الحياة، من باب الفضول ربما أو استغراباً وتمعناً في لحظات شخص قبل الرحيل.

نعي شخصي

«البيان» جالت على صفحات الـ«فيس بوك وتويتر» لبعض من غادروا الحياة فجأة، فوجدت الكثير من الجمل والكلمات قبيل الاستشهاد أو الموت، وكأنها تثبت يقيناً توقعهم بحدوث حادثة أو مأساة أو وفاة.

واعتبر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أن مثل هذه الكلمات التي أضحت بمثابة نعي شخصي، هي من قبيل الموضة أو «التقليعة» الجديدة أو هوس اسمه حب الظهور، ولا تتماشى مع تعاليم الدين الإسلامي - على حد وصفهم .

فيما وجد آخرون أنها تعبير ربما لما قد يشعر به الميت قبيل أن يتم أجله، حيث لم تكن هناك في الماضي البعيد وسائل للتواصل الاجتماعي عدا أحاسيس أو مشاعر تنقل بين صديق له أو قريب، كما يؤكده آخرون في تفسير ظاهرة «النعي» في المواقع الاجتماعية.

قلق الموت

لاستطلاع هذا الواقع؛ قالت إيمان النقبي معلمة: أنظر إلى هذه المسألة والسلوك الذي أصبح متداولاً وذا صدى كبيراً على مختلف الصفحات الإلكترونية، أنها مجرد وسيلة يلجأ إليها البعض لخفض مستوى الخوف و«قلق الموت» الذي يشعر به آنذاك، وكطلب مساعدة من الأصدقاء والدعم من الأحباء لخفض حالة الحزن الذي يمر به الشخص صاحب المأساة.

وأوضح سلطان حنون النقبي أن تنبؤ أشخاص بوفاتهم، مدونين ذلك بعبارات وداع في مختلف أشكالها وطرق إيصالها، أمر لا يحبذه، حيث يبقى بالنسبة له بمثابة «تفاؤل بالموت».

وصحيح أن الإنسان لا يعلم هيئة أو موعد وفاته، غير أن هذا الأمر بالنسبة له أشبه ما يكون باستجداء طريق أو موعد مع الموت، وهو أيضا ما قد يكون تمنياً للموت، وهو ما نهانا عنه الإسلام إلا في حالات؛ كالشهادة، خصوصاً وإن ارتبط هذا الأمر بوقوع البلاء والمحن، أو المرض أو نحوه من مشاق الدنيا، متمنياً في السياق ذاته، أن تكون هناك توعية دينية للناس، مع زيادة البرامج التي ترفع من حالة الإيجابية والإقبال على الحياة رغم ما فيها من مصاعب وحزن ومطبات.

وقالت سميرة جاسم الدرمكي موظفة حكومية: هذه الطريقة أصبحت في الآونة الأخيرة وكأنها محطة يستشعر بها أو يقوم بها عدد من الناس. ونحن في الحقيقة نهرب من الموت، وهو يقترب منا أكثر. إلا أن حلم الخلود راود الناس منذ فجر التاريخ، وربما أن هذه الطريقة التي يقوم بها عدد من الأشخاص من خلال تدويناتهم وصورهم ومشاعرهم الاستثنائية؛ تساعد على تخفيف بعض آثار الموت المؤلمة، وتقلل من علامات الفقد على المحيطين بالشخص.

وأوضحت طالبة التقنية العليا عائشة محمد البلوشي، أن الربط بين آخر العبارات التي نقلت عن الأموات والوفاة هو تفسير غير دقيق وغير علمي، لا سيما ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي، لافتة إلى احتمالية أن يكون الشخص قد كتب في السابق ما يلفت إلى شعوره بقرب وفاته ولكن ذلك لم يحدث ذلك، وربما لا ينتبه أحد إلى ما كان كتبه.

فطرة طيبة

وقالت إنه لا يعلم بلحظة الموت إلا الله عز وجل، ليس بالضرورة أن يكون الشخص على علم بأنه مقبل على الموت أو يشعر بدنو أجله، وقد يعني ذلك أحياناً أن الشخص يميل إلى فطرة طيبة مع الله تعالى لمحاسبة نفسه بشكل دائم في حياته.

وأشارت إلى أن ظاهرة وضع إشارة للموت لقريب أو صديق أو نعي قبل الموت، أو حتى تمني للموت عبر كلمات أو سلوكيات باتت منتشرة مؤخراً للفت الانتباه والاستعراض، وكذلك للبحث عن الحب والعطف والصداقة وربما للحصول على الشهرة، وأيضا يستخدمها البعض لسهولة هذه الوسيلة في نقل خبر وفاة قريب أو صديق، لكنها ليست دليلاً على إحساس بقرب الموت، منوهة بأن البعض عمد إلى استثمار هذه الظاهرة في اتجاه آخر من أجل استجداء وتسويق الموت للمراهقين والشباب بطرق أخرى كالجهاد أو تبني العمليات الإرهابية وما شابه.

لفت الأنظار

أكد الطالب سعيد سالم في الصف العاشر، أن لديه حساباً على «انستغرام»، وكثيراً ما يدوّن عليه بكلمات حزينة والتي قد تشير أحياناً إلى قرب الموت أو الشعور بالكآبة والحزن، وذلك لا يعدو كونه نوعاً من لفت النظر وجذب الانتباه فقط، إلى جانب حبه لهذا النوع من الكتابة، موضحاً أنه لا دخل لذلك بالموت، فهو شخص متفائل يحب الحياة. وقال إن ربط السلوكيات أو الكلمات الأخيرة للإنسان بموته تفسير غير مؤكد من جميع النواحي، وإنما قد يحدث ذلك من قبيل الصدفة أو التخمين وليس للأمر رابط ديني أو سلوكي.

تفريغ نفسي في «مجتمع افتراضي»

السؤال الأبرز الذي يتبادر إلى الذهن في الحديث عن هذا الموضوع: هل يمكن للإنسان فعلاً أن يستشعر بقرب أجله، أم أن ليس للأمر خلفية علمية أو حتى دينية، وما رأي علماء النفس والاجتماع في ذلك؟

الدكتور هيثم شبايك استشاري الطب النفسي في مستشفى «الميديور» في أبوظبي، أرجع «ظاهرة» نعي الأشخاص لأنفسهم أو إفصاحهم عن شعور بحدث ما ينتظرهم، والتي باتت منتشرة في «المجتمع الافتراضي» وبصورة ملفتة، إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت بمثابة قناع يتوارى الناس وراءه، كما أنها أصبحت أداة للتعبير عما يخالجهم من مشاعر مختلفة للهروب من التواصل المباشر بطرق اتصال غير مباشرة.

كما أن هذا السلوك يمثل تفريغاً للضغط النفسي والتخلص من المشاكل والاضطرابات المختلفة دون رقيب أو وجود شخص آخر يجاريه في ما يقوله أو يفعله، وذلك بما يتناسب مع حالته النفسية ومزاجه ورغباته المكنونة، حيث يرتدي الشخص فيه لباساً مغايراً للصورة التي يظهر فيها أمام الناس.

تنبؤات بديهية

أما الأخصائية الاجتماعية شيخة عبدالله، فترى أن منشورات كالتنبؤ بقرب الموت، أو نعي النفس، تندرج تحت طائلة العادات المرتبطة ببعض السلوكيات؛ والتي قد تكون مجرد أشياء قد تحدث في حياتنا بالفعل أو أمور من واقع الحياة التي نعيشها. هكذا بدأت حديثها؛ مضيفة إن هناك تنبؤات بديهية وتقليدية تحدث لنا جميعاً من بينها أنه عندما يرف جفن العين الأعلى؛ فهذا يعني أن العين سترى غائباً، وإن رف جفن العين السفلي فذاك يعني أن العين ستبكي. كما أن هنالك مشاعر غير مبررة تصيب الكثيرين منها الشعور بـ«قبضة القلب»؛ وهي حالة من التنبؤ السيئ بحدوث مكروه ما، وكذلك «الأرو» وهو الإصابة بالفتور والنعاس وهو تنبؤ بخطف ملك الموت لأحد المقربين، وليس شرطاً أن ترتبط مثل هذه الأمور بوسائل التواصل الاجتماعي، فهي سلوكيات أو أفعال إنسانية.

واعتبرت أن ربط الأفراد بين ما حدث؛ وآخر العبارات التي نقلت عن الأموات قبل وفاتهم والتي قد تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، هو مجرد تفسير غير دقيق وغير علمي لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي، لافتة إلى احتمالية أن يكون الشخص كتب في السابق ما يشير إلى شعوره بقرب وفاته دون أن يحدث ذلك، وربما حينها لم ينتبه أحد إلى ما كان قد كتب.

نفوس شفافة

بدوره؛ قال فضيلة الشيخ حسن علي أبو العينيين الواعظ الديني بهيئة الأوقاف بالفجيرة، إنه لا يعلم أحد من الناس على وجه التحديد متى يموت، ولا بأي أرض يموت، إذ قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) لقمان/ 34، مشيرا إلى أن من العلامات والآثار حول مسألة إحساس الميت بقدوم ملك الموت عليه، قد يستشعر ذلك أصحاب النفوس الشفافة صادقة النوايا التي ربما تستشرف ما سيحدث لها. وقد تمارس هذه النفوس من رحمة الله بها بعض الأمور مثل: الزيادة في أعمال الصالحات وصلة الأرحام وكثرة العبادات، مما يوحي لمن حول الميت أنه قد تغير.

كتب الآثار

وأضاف: هناك مما نقلت لنا كتب الآثار «أن البعض من الصالحين، يقولون غدا سأموت، ويقولون ما قال»، وأن الله تعالى يجري هذه الكلمة على لسان من ينتمون ربما دون أن يشعروا فيما يقولون، والناس في ذلك مستويات من حيث القرب من الله والبعد عنه. ومن ذلك أنه يرى الموتى الذين سبقوه في رؤياه فيخبرونه بقدومه أي بالموت سواء بطريقة مباشرة أو تأويل الرؤيا، والأمثلة في ذلك كثيرة منها ما كان في حال عثمان بن عفان رضي الله عنه، حينما جاءه الرسول عليه الصلاة والسلام وخيّره بأن يفطره عنده أو يأتي ليفطر عنده، ما كان يدل على قرب موته. كما أن هناك الكثير من علامات قرب وفاة رسول الله استشهد بها الصحابة رضوان الله عليهم.

أفكار

شركات تتكفل بحسابات الميت عبر مواقع التواصل

وجدت بعض الشركات أفكاراً تجارية لم تكن تخطر على بال أحد، مستغلة مواقع التواصل الاجتماعي لطرح مشروعات تلعب على البعد العاطفي والاجتماعي الذي تقدمه هذه الشبكات. وتقدم أدوات جديدة لا لتنقل الرسالة الأخيرة إلى الأهل والأقرباء أو الأصدقاء بعد الموت فحسب، بل يمكن التواصل معهم والمشاركة في أفراحهم وأتراحهم ومناسباتهم من داخل ظلمات القبر. كما هناك شركات تتولى مهمة إرسال الإيميلات المكتوبة مسبقا ونشر التحديثات على «فيسبوك» أو التغريد على «تويتر» بعد رحيل الشخص المعني، وأخرى تقدم خدمة التغريد عن الشخص وكأنه لا يزال حياً يرزق.

وحرصت تلك الشركات من خلال استشاريين مختصين، على اتاحة جميع الخيارات المتعلقة بالتواصل الاجتماعي لما بعد الموت كـ (جدولة تحديثات فيسبوك والتغريدات وحتى تحديثات لينكد إن بعد رحيل الشخص).

قصص

أدباء وشعراء يخطون بأيديهم نعي وفاتهم

هناك من الشعراء والأدباء، من نكتشف بعد وفاتهم أنهم عاشوا لحظات مصارحة ومكاشفة مع أنفسهم، وأنهم تنبأوا بموتهم ورثوا أنفسهم، بل وسطروا نعيهم بأيديهم فيما يكتبون، أو نظموه شعراً يظل خالداً أبد الدهر، أمثال الكاتب والأديب المصري الراحل يوسف السباعي، حيث قال في رواية «طائر بين المحيطين» التي صدرت عام 1971: ماذا سيكون تأثير الموت علي؟ وعلى الآخرين؟. لا شيء.. ستنشر الصحافة نبأ موتي، كخبر مثير ليس لأني مت، بل لأن موتي سيقترن بحادثة مثيرة. وقد توفي السباعي اغتيالاً عام 1978.

بالمثل تنبأ آخرون برحيلهم أمثال الروائي العالمي نجيب محفوظ في «أحلام فترة النقاهة» الذي ذكر في أحد أحلامه أنه قابل أمه وأهله وجيرانه القدامى. وكذلك الشاعر نزار قباني الذي ألمح عن ذلك في آخر قصائده.