نظّم مجلس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بقصر البطين في أبوظبي أمس محاضرة بعنوان «المشهد التنافسي العالمي سنة 2015 وما بعدها: متقلب ولكنه قابل للتنبؤ» ألقاها البروفسور ستيفان غاريلي الأستاذ المحاضر بمعهد التنمية الإدارية بكلية إدارة الأعمال بلوزان بسويسرا ومؤسس مركز التنافسية العالمية بالمعهد وذلك في إطار برنامج المحاضرات الفكرية والعلمية التي ينظمها مجلس صاحب السمو ولي عهد أبوظبي، وأكد فيها المحاضر أن الإمارات لديها القيادة الحكيمة والصحيحة والإمكانات المالية والبشرية والبنية التحتية التي تؤهلها لتحقيق مزيد من التطور والتقدم والسير قدماً لتحقيق مراتب أعلى في التنافسية العالمية، بعدما وصلت إلى المرتبة الثانية عشرة في التنافسية العالمية والثالثة عالمياً في الكفاءة الحكومية، وكل المؤشرات تؤكد أنها تمتلك الأسس القوية والمتينة التي تساعدها في الوصول إلى مستقبل أفضل للأجيال المقبلة وأن أمامها مجالات واسعة جداً لتحقيق التطور الذي تنشده القيادة.
شهد المحاضرة سمو الشيخ نهيان بن زايد آل نهيان رئيس مجلس أمناء مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية وسمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي وبحضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وعدد من الشيوخ وكبار المسؤولين والشخصيات وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى الدولة.
قيادة حكيمة
وقال البروفسور ستيفان غاريلي: إن الإمارات لحقت بركب التنافسية العالمية وحققت ذلك سريعاً وفي فترات قياسية ويرجع ذلك إلى مبادرة القيادة الرشيدة للدولة في الاستثمار في التعليم، والذي حققت فيه قفزات مهمة لأنه الطريق الوحيد الذي يقود لمستقبل أفضل لأية أمة تنشد التطور واللحاق بالتنافسية العالمية «الإمارات ذهبت إلى مراتب مرتفعة في القمة في مجال التنافسية»، مشدداً على ضرورة أن تقوم الدولة بالاستثمار في المجالات التي تعود بالفائدة وتدعم الاقتصاد كالتعليم والبحث العلمي.
وأشار إلى أن استقرار القيادة والنظام في الإمارات انعكس إيجابياً على المجالات كافة واسهم بشكل مباشر في الازدهار الاقتصادي الهائل الذي حققته، مؤكدا أن الاستقرار ميزة مهمة يساهم في تحقيق التنافسية العالمية بعكس دول كثيرة حققت ازدهارا اقتصاديا ولكنها لم تستمر على المدى الطويل نظرا لعدم الاستقرار والقلاقل التي تشهدها وهناك امثلة كثيرة في العالم على ذلك ماثلة أمامنا.
وقال غاريلي إن الإمارات تمتلك ولديها رصيد هائل من المشروعات والسياسات والاستراتيجيات التي أهلتها للتنافسية العالمية مثل مشاريع التنمية المستدامة والطاقة المتجددة والنظيفة التي تستثمر فيها الدولة على المدى الطويل وليس القصير ولذلك فهي تبني للمستقبل وهي اهم الأصول المتوفرة وادت بها إلى نجاحاتها في التنافسية العالمية.
وأضاف أنه ذهل عندما شاهد حجم التطور والتقدم الكبيرين القياسيين اللذين حققتهما الإمارات حاليا مقارنة بما كانت خلال زيارته الأولى للدولة في العام 1978 عندما كان شابا الأمر الذي يجعلها محل فخر وتقدير لما وصلت اليه من نتائج في التنافسية والعالمية والكفاءة الحكومية وهي تواصل سيرها إلى الأمام، مشيرا الى ان الإمارات تعد من الاقتصادات الناشئة التي حققت تطورات كبيرة ومتلاحقة ولديها صناديق سيادية تحقق مكاسب كبيرة مقارنة بدول أخرى.
تعافي الاقتصاد
وتناول المحاضر نشوء وضع طبيعي جديد يتمثل في تعافي الاقتصاد العالمي في الولايات المتحدة الأميركية وبطء النمو في الدول الأخرى وأين توجد الاقتصادات الصاعدة الأقل تقلبا وذات الإمكانات الهائلة وصعود شركات عالمية جديدة في كل مكان وازدهار علامات تجارية جديدة ضمن الاقتصادات الصاعدة وتغيير سلوك المستهلكين من الشراء بدافع الاحتياج إلى الشراء من اجل الامتلاك وتحسن حالة الفقراء من 2 إلى 10 دولارات يوميا والبالغ عددهم 2.8 مليار نسمة بالإضافة إلى تكلفة الطاقة في الولايات المتحدة واليابان اقل بمعدل النصف عن باقي الدول.
وأضاف المحاضر إلى أن العبرة ليست في كثرة المؤشرات التي تقيس أو يقارن بها معدلات النمو وخلافه على المستوى المحلي ولكن التنافسية هي أن تقارن نفسك اليوم مع الاخرين، فإذا كنت تحقق اليوم معدل نمو 3% والاخرون يحققون 4% فإن ذلك يعني انك تحقق خسائر وجميع الدول لديها من الذكاء الذي يجعلها تختار المؤشر الذي يناسبها.
وأكد انه ليست هناك وصفة واحدة للتنافسية تناسب جميع الدول ولكن لكل دولة نظرتها الخاصة ولذا يجب أن تختار المؤشر الذي يساعدها على تحقيق ما تصبو اليه، مشيرا إلى أن نظام القيمة المضافة لكل امة هو الذي يعطيها ويمنحها التنافسية الخاصة بها والتي تجعل من الدولة أن تكون تنافسية من عدمه.
تحقيق ما تريد
وقال ستيفان غاريلي ان 95% من التنافسية يكمن في قدرة الدولة للوصول الى تحقيق ما تريد، ونحن نتغير جميعا وفقا للإحساس ونحن في حاجة الى قيادة تعرف كيف تحدد الاتجاه وان العالم لم يكن في حاجة لهذا التغيير من قبل، وعلينا ان ندرب مؤسساتنا وموظفينا للتعامل مع التعقيدات والتحديات التي تواجهها والتقليل من اثارها السلبية، مشيرا إلى ضرورة أن يكون في برلمان كل دولة هيئة داعمة لتنشيط التشريعات وتبسيط الإجراءات وإعادة ترتيب الأولويات وهذا الأمر من الأهمية بمكان على المستويين الحكومي والخاص.
وأوضح المحاضر أن الرفاهية جزء من التنافسية وهي تعني النمو الاقتصادي بالإضافة إلى أشياء أخرى، ووجود النمو امر ضروري ولكنه لا يكفي لأن الرفاهية يختلف مفهومها من دولة إلى أخرى والشيء المختلف من دولة إلى أخرى هو التنمية المستدامة ولكن تبقى الرفاهية عنصرا أساسيا.
مرحلة غير مسبوقة
وقال غاريلي ان المشهد التنافسي العالمي يمر بمرحلة غير مسبوقة من التقلب تتسم ببطء النمو وعدم الاستقرار المالي والنقدي والسعري، ورغم أن الاقتصاد العالمي لا يزال يحمل صبغة عالمية إلا أنه يشهد وبشكل متنامٍ الكثير من التمزق وانعدام التزامن لكن هذا التقلب لا يعني عدم القدرة على التنبؤ، فهناك بعض القضايا الرئيسة التي لابد أن تستمر في صياغة المشهد التنافسي.
واضاف انه منذ «الكساد الكبير» وحتى الآن لم يتعافَ الاقتصاد العالمي بصورة كاملة، ويبدو أنه بات يصارع حالة من «الركود الكبير» وفضلاً عن ذلك، يتميز الاقتصاد العالمي بأنه «غني بالسيولة وفقير استثمارياً» فقد أغرقت البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان السوق بالسيولة والتي وجدت طريقها إلى أسواق المال وموازنات الشركات، مشيرا الى ان شركة «آبل» تمتلك اليوم سيولة بمقدار 158 مليار دولار ولكن مستويات الاستثمار لا تزال ذاتها منذ سنة 2008 ونتيجة لهذا الفائض في السيولة والعجز في الفرص التجارية، هبطت معدلات الفائدة هبوطاً حاداً ومن المرجح أن تظل منخفضة لبعض الوقت.
وأكد ان حاجة غالبية الحكومات إلى المال لسد العجز في ميزانياتها ستستمر كما سيزداد ضغط الضرائب ووفقاً لتقديرات الحكومة الأميركية فإن حوالي 2 مليار دولار من أرباح الشركات يتم وضعها خارج الولايات المتحدة ولا تعود إلى الوطن بسبب ارتفاع الضرائب كما تجري «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» إصلاحات كبيرة على النظام الضريبي الدولي استناداً إلى الشفافية والمساءلة، ومن الأهداف الرئيسة المنشودة إلزام الشركات بدفع ضرائب على عائداتها بغض النظر عن مكان تسجيل تلك الشركات وقد بدأت «أمازون» و«ستاربكس» بالتجاوب مع ذلك.
زيادة قاعدة الاقتصاد العالمي
وأشار غاريلي الى ان هناك أيضاً الكثير من الأخبار الطيبة أولاً وقبل كل شيء، تزداد قاعدة الاقتصاد العالمي اتساعاً، ويزداد عدد اللاعبين الجدد والعلامات التجارية في الاقتصادات الصاعدة، حيث لم تعد لديهم خشية من الهجوم على الأسواق العالمية وتظهر فرص جديدة في مناطق مثل افريقيا والتي سيبلغ عدد سكانها 2 مليار و391 مليون نسمة في سنة 2050 وحيث سيزيد عدد سكان نيجيريا على عدد سكان الولايات المتحدة وستنشأ نماذج أعمال جديدة بفعل نشوء قطاعات أعمال جديدة مثل شريحة «الأقل فقراً» في العالم النامي، و «الجيل الفضي» في الاقتصادات المتقدمة، والطبقة الوسطى في شتى أنحاء العالم وسيتغير أسلوب عمل الشركات وكيفية تواصلها مع العملاء بتأثير النمو المستدام والتكنولوجيا الجديدة مثل الأتمتة و«إنترنت الأشياء».
إشادة بتجربة الدولة في التعليم التقني
شدد المحاضر على أهمية نشر ثقافة التعليم الفني والتقني وان لا يكون التعليم منصبا فقط على تخريج الكوادر الإدارية والتي تعمل في وظائف تقليدية بل يجب أن يواكب ذلك اهتمام بالتعليم المهني وان يعمل الناس في أي مجتمع في مهن النجار والخباز وغيرها والذين يمتلكون الخبرة والمعرفة لأداء العمل بأيديهم، مشيداً بتجربة الدولة بإنشاء كليات التقنية العليا والتي تعد منبراً تعليمياً فنياً في غاية الأهمية والتي اعتبرها مثالا ونموذجا، في التعليم التقني في أي مكان أقوم بالتدريس في بلدي سويسرا والخارج.
وأشار إلى أن التنافسية ليست هدفا في حد ذاته ولكنها وسيلة لتحقيق هدف اسمى وهو تحسين وجودة مستوى معيشة الناس وهذا هدف مهم وجوهري.
الكفاءة والتغيير والتعقيد مفتاح التميز الإداري
أكد البروفسور ستيفان غاريلي أن الكفاءة والتغيير والتعقيد مفتاح النجاح في التميز الإداري، وإلى جانب ذلك، يتوجب على الشركات تحفيز الفكر الإبداعي لدى موظفيها لخلق حسّ المبادرة والالتزام في نفوسهم وكما قال آلبرت أنشتاين «المنطق سيقودك من النقطة أ إلى النقطة ب ولكن المخيلة الإبداعية ستقودك إلى كل مكان».
وقال إن الرابحين يجب أن يكونوا أقدر على التعامل مع التقلبات والمصاعب، ويجب أن يتمتعوا بالطموح من أجل مؤسساتهم ومن أجل أنفسهم وستشكل المرونة والقدرة على التكيف السريع مع التغيير أهدافاً رئيسة.
وأضاف غاريلي أن أهمية الطاقة والسلع ستظل حاسمة رغم الهبوط الحالي للأسعار لو كان الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الصين مساوياً لنظيره في كوريا الجنوبية، فإن حجم اقتصادها سيوازي حجم الاقتصاد الأميركي والأوروبي مجتمعين وحتى الآن تبلغ حصة الصين من الاستهلاك العالمي لغالبية المعادن 45 إلى 55 %، مشيرا الى ان العالم سيحتاج لموارد إضافية لجميع أنواع السلع، من المواد الخام وحتى المواد الغذائية ورغم وفرة مصادر الطاقة، إلا أن كلفة الإنتاج الجديد في ازدياد مستمر وفضلاً عن ذلك، لا ترغب الكثير من الاقتصادات المتقدمة في استغلال مواردها الكامنة مثل النفط والغاز الصخريين لأسباب بيئية، حيث تكرر التساؤل نفسه «نمتلك هذه الموارد، ولكن هل نريدها الآن؟».
وأكد المحاضر ستيفان غاريلي ان جرأة عالم التنافسية الجديد تتطلب منا أن نغير مواقفنا، فالذين يتمتعون بأعلى مستويات الكفاءة ليسوا بالضرورة هم الأكثر تنافسية وموقفنا حيال الأمور هو العامل الحاسم والأزمات هي فترات تكشف مدى قوة الشخصية فليس المهم فقط هو أن نكون ماهرين فيما نفعله بل يجب أيضاً أن نمتلك خصائص التميّز.



