اهتمامات تراثية فطرية؛ غلّفت شخصية محمد البناء الذي اختار توثيق مظاهر الحياة القديمة بجمع مستلزماتها البسيطة وتقنياتها الفريدة، لتبقى شاهداً على ذكريات لم تغادر الذاكرة ولن تدخل عالم النسيان يوماً. مفردات وقطع وأدوات تستوقف بتفاصيلها الجميلة كل من يقع نظره عليها، حيث جمع البناء مكنوناته التاريخية في غرفة عزيزة في بيته، لا يختلف شكلها ولا مضمونها عن المتاحف التراثية في شيء.

بساطة الحياة

في منزله أراد محمد أن يحتفظ بذكرياته القديمة وألعاب الطفولة، يسجل كافة تفاصيلها لتحكي لأبنائه وكل من يشاهدها بساطة الحياة ويضعهم في صورة تطور إمكاناتها التي أصبحت تتعاقب تاركة لمسات أخرى جميلة قوامها الحداثة، حيث عمل على تصميم متحفه بتشكيلات تراثية يواكب مضمونها تاريخ مكتنزاته القديمة، فبابه الخشبي وألوانه السعفية وتشكيلاته الصخرية، توحي لمن يشاهدها بأن هناك مساحة تراثية تستحق التأمل.

محتويات المتحف متنوعة، الجزء الأكبر فيها من أدوات ومتعلقات الماضي التي دونت بتفاصيلها ولمساتها البسيطة أنماط الحياة القديمة، فالأجهزة الإلكترونية والألعاب والأقلام والكتب ومستحضرات التجميل وأدوات الطيب جميعها حاضرة، ليس ذلك فحسب، فبين رفوفه «متحف محمد» تجد نموذجاً مصغراً للدكان أو ما يطلق عليه في الوقت الحالي «السوبر ماركت» حاضراً بكافة منتوجاته، بدءاً من الحلويات والمشروبات التي احتفظ بزجاجاتها المختلفة، والعديد من الوجبات التي ظلت تستهوي قلوب وعقول الأطفال.

قطع أثرية

أما الهواتف القديمة فقد استحوذت على المساحة الأكبر من المتحف الذي يزدحم بالتراثيات الجميلة، إذ يمتلك البناء أكثر من 200 هاتف عمومي ومتحرك، يبلغ عمر بعضها أكثر من 50 عاماً، اجتهد في جمعها من دول عدة، وإلى جانب الهواتف يحتفظ بأكثر من 130 نوعاً من جهاز «البليب» الذي انتشر استخدامه في الماضي، وتنافس العديد من الأشخاص على امتلاكه، حيث تقوم فكرته على إرسال إشارة إلى الطرف الآخر الذي يستقبلها بصوت رنين يخطره بضرورة إجراء مكالمة عبر أحد الهواتف العمومية القريبة، وظل يستخدم حتى في الأعوام الأولى من انتشار الهاتف المحمول، ليندثر مع مرور الزمن ويصبح قطعة أثرية يجهلها الكثير من أبناء «آي فون» و«غلاكسي».

وإلى جانب الهواتف احتفظ البناء ببعض أنواع الكاميرات القديمة، التي كانت تتميز حينها بكبر حجمها وثقل وزنها، إضافة إلى أنواع مختلفة من الساعات وأجهزة الحاسوب، ولم يخلُ متحفه الذي يكتظ بكنوز الماضي، من الملابس التقليدية والعملات التي عمل على توثيقها لفترة طويلة بمساعدة أشخاص في داخل الدولة وخارجها، وكان يقطع مسافات طويلة ويشتريها بمبالغ باهظة.

مرحلة تطور

أما شاشات التلفاز وأجهزة الراديو التي احتفظ بها محمد البناء فهي تؤرخ لمرحلة تطور هذه الأجهزة التي كانت تتميز في بدايتها بكبر حجمها وضعف جودتها، وأصبح حجمها يصغر حتى أصبح من السهل حملها في اليد، وكذلك الحال مع أدوات الإضاءة والضيافة والمطبخ.

تمسُّك البناء بالتراث منذ نعومة أظفاره؛ أشعل لديه هاجس البحث عن الأشياء القديمة، وأصبحت المتاحف والتراثيات محل اهتمامه في كل مكان يقصده، فموهبته التي بدأت من محافظته على ألعاب الطفولة، يطمح بها أن يكون موثقاً للتراث ويعمل على تقديم المفيد لأبناء الجيل الحالي الذين يجب أن لا تشغلهم رفاهية الحياة عن الاطلاع على إصرار وتجارب القدماء في تطوير مستلزماتهم بصورة مستمرة، حتى بلغت هذه الدرجة من الدقة والسهولة في الاستخدام.

محمد البناء أوضح أنه سوف يعمل في الأيام القادمة على دراسة محتويات المتحف ورصد العمر الزمني لأدواته والأجهزة فيه، ليقدم للزائر نبذة متكاملة عن تاريخ كل قطعة ونوعها ودول تصنيعها، إضافة إلى تحديد المدة الزمنية التي ظهرت فيها العملات المعدنية والورقية التي يحتفظ بها.

زوار

يقدم محمد البناء في متحفه الكثير من المعلومات عن الأجهزة والتقنيات التي يستخدمها، إذ لم تقتصر هوايته في جمع التراث على مجال معين، بل كان موثقاً شاملاً لجميع مظاهر الحياة القديمة، ولم يتوانَ عن تقديم مكنوناته التراثية للجمهور، فهو يرحب بالزوار الذين يتوافدون إلى منزله في منطقة القوز بدبي، كما يفتح الباب لزيارات المدارس القريبة. وعند غيابه يقف أبناؤه بكل ثقة لتقديم شرح عن ممتلكات المتحف.