تتباين الحالات التي يستقبلها مركز دبي لتطوير نمو الطفل. أكثرها لمتلازمة داون، يليها التأخر النمائي أو ما يعرف بتأخر نمو الطفل، ومن ثم الشلل الدماغي ثم التوحد، وفي هذا الإطار كشفت هيئة تنمية المجتمع في دبي أن المركز يشهد نسب زيادة كبيرة من حيث انتساب الأطفال، وقد ارتفع العدد من 10 حالات عند افتتاحه قبل نحو عام إلى أكثر من 80 حالة اليوم، وجميع هذه الحالات من مواطني إمارة دبي وتحتاج خدمات التدخل المبكر، حيث يستقبل المركز الحالات من سن الولادة حتى عمر 6 سنوات.
عن تجربة مركز دبي لتطوير نمو الطفل، تحدث خالد الكمده مدير عام هيئة تنمية المجتمع لـ«البيان» قائلاً: إن المركز ينفرد عن غيره من المراكز في إمارة دبي، فهو يمتاز بشمولية الخدمات التي تستند إلى أفضل الممارسات المبنية على أسس علمية ونظرية، والمركز يستقبل زيارات متتالية لوفود عالمية من متخصصين في مجال التدخل المبكر، للاطلاع على أفضل طرق العلاج في التدخل المبكر، ناهيك عن كونه المركز الوحيد الذي استطاع جمع كافة الخدمات اللازمة لعلاج ودعم حالات الطفولة تحت سقف واحد.

المبنى الجديد
وبيّن الكمده أن المبنى الجديد للمركز أتاح لهم استقبال أعداد إضافية من الأطفال نظرا لمساحته الكبيرة وعدد الغرف العلاجية الكثيرة، وقد تم الانتقال إليه منذ عام، وأدت الهيئة دوراً رئيسياً في تصميم هذه الغرف بكافة الاحتياجات والمتطلبات، وبمعايير عالية وذات جودة، واعتمدت في التصميم مواد معينة في الأرضيات والجدران لمراعاة لعدم حدوث أي اصابات أو أذى للأطفال.
أما الألوان فتم اختيارها بعناية شديدة بناء على دراسات مختصة بمدى تأثير الألوان على نفسية وانطباع الاطفال، بحيث تضفي درجات اللون راحة على الطفل ايضا، وتم اختيار الألوان لتكون مريحة على نظر الاطفال وبدرجات لونية فاتحة، وتغليب اللون الأخضر.
وأضاف ان الهيئة سخرت فريقا متخصصا لتصميم وتنفيذ جميع المستلزمات والمتطلبات، وقد طغى على المركز هوية الهيئة بشكل ملحوظ، في المبنى من الخارج والداخل.
نموذج اجتماعي
وأفاد بأن المركز تأسَّس بمبادرة من هيئة تنمية المجتمع، ويعكس نموذجاً اجتماعياً متميزاً من التدخل المبكر، ويعتبر الأول من نوعه في الشرق الأوسط من حيث منهجية ونوعية الخدمات المقدمة، فهو يقدم خدمات التقييم والتدخل التي تتميز بالشمولية والارتكاز على العائلة أولا وعمل الفريق ضمن نظام عابر بين المجالات التخصصية والذي يعرف بـ ( Trans disciplinary Team ) للأطفال منذ الولادة حتى العام السادس من ذوي الإعاقة أو المعرضين لخطر التأخر النمائي في مرحلة لاحقة في حياتهم وهم من مواطني الدولة، سكان دبي. بالإضافة الى ذلك يقدم مركز دبي لتطوير نمو الطفل خدمات داعمة للمجتمع والعائلة.
وأضاف ان المركز يعتمد نظام الـ(AEPS) كإطار للتدخل المبكر، الذي يرتكز على القياس والتقييم ووضع البرامج العلاجية وخطة التدخل للأطفال حسب أفضل الممارسات العالمية في مجال التدخل المبكر، وعليه تم تدريب اختصاصيي المركز، للارتقاء بمستوى الخدمة التي تعود بالفائدة على الأطفال المنتسبين إليه والمجتمع المحيط بهم. وبذلك فالمركز يعد نموذجاً في تقديم خدمات التدخل المبكر من حيث النموذج الاجتماعي المعتمد والمنهجية والخبرات الفنية الموجودة، وهو أيضا يوفر الدعم والمشورة الفنية لمقدمي خدمات في مجال الاعاقة للمساهمة في الارتقاء بمعايير الخدمة في مجال التدخل المبكر.
دمج الأطفال
وأشار الكمده إلى خدمات دمج الأطفال في الحضانات ورياض الأطفال والمدارس، حيث يقدم اختصاصيو المركز الدعم اللازم للأسرة والطفل والمدرسة لدمج الاطفال مع أقرانهم في الحضانات ورياض الأطفال والمدارس النظامية، أضف إلى ذلك خدمات الإرشاد الأسري وتنسيق الخدمات للأسرة من خلال تعيين اختصاصي استشارة أسرية لكل أسرة ملتحقة بالمركز يكون نقطة الاتصال الأساسية للأسرة خلال فترة حصولهم على خدمات المركز، ويتولى اختصاصي الاستشارة الأسرية تقييم احتياجات الأسرة وتقديم خدمات داعمة للأسرة من خلال جلسات الإرشاد الأسري الفردية والجماعية والتوجيه والتمكين ومن خلال تنسيق الخدمات، حيث يحرص على تلبية احتياجات الأسرة داخل مركز دبي لتطوير نمو الطفل أو خارجه من خلال التواصل مع المؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية والحقوقية لتلبية احتياجات الأسرة والطفل.
تدريب الأسر
أما تدريب الأسر، فيتم عبر تنظيم دورات تدريبية لها بغية تزويدها بالمعلومات اللازمة التي تمكن أفرادها من فهم وضع طفلهم وكيفية التعامل معه وتعليمه مختلف المهارات مثل: دورة حول تعديل السلوك عند الأطفال، دورة حول كيفية تعليم القراءة للأطفال، دورة حول التدريب على استعمال الحمام. وهناك تدريب وتوعية المجتمع المحلي إذ يقوم الاختصاصيون في المركز بتقديم دورات تدريبية وجلسات توعوية في مختلف مجالات التخصّص لأفراد المجتمع ومؤسساته التربوية من خلال تنظيم ورش العمل، والندوات، والمحاضرات، مثل: التوعية حول الدمج في المدارس، والتوعية حول التوحد في المدارس والمستشفيات، وتدريب المعلمات حول إدارة سلوك الأطفال في الصف.
ويتوفر لدى المركز برنامج تدريب طالبات الجامعات في مجال الخدمة الاجتماعية وتعليم مرحلة الطفولة المبكرة. ويتضمن هذا التدريب جانباً نظرياً وآخر عملياً تطبيقياً، وهو موضوع حسب متطلبات واحتياجات الجامعات.
وفي جانب المسح النمائي للمجتمع المحلي يتولى الاختصاصيون في مركز دبي لتطوير نمو الطفل إجراء مسح يشمل الأطفال في دور الحضانة، ورياض الأطفال والمدارس ومراكز الرعاية الصحية الأولية عند طلب الجهات المعنية بهدف رصد الأطفال المعرضين للتأخر النمائي وتحويلهم لمقدمي الخدمات في المجتمع، بحسب ما يشرح خالد الكمده.
أما فريق الخدمات في المركز فيضم اختصاصي علاج نطق ولغة، وعلاج طبيعي، ووظيفي، واختصاصي تحليل السلوك التطبيقي، واختصاصي تربية خاصة، وإرشاد أسري، وفريق دعم المجتمع والأسرة.
مجموعة علاجية
ولفت الى أن المركز يحتوي على أنواع مختلفة من الغرف العلاجية، هناك غرف متخصصة بأنواع علاج معينة، وغرف متخصصة يتم استخدامها من قبل الاختصاصيين الذين يقدمون العلاج الطبيعي وتحتوي على ادوات متخصصة للعلاج الطبيعي، اما بقية الغرف فتكون للعلاج الفردي وتحتوي على طاولة نشاطات. وتجد في الطابق العلوي من المبنى غرفة نشاطات موسعة، توفر جلسات علاجية جماعية تضم الأطفال ذوي الأهداف الموحدة الذين يتم جمعهم في مجموعة علاجية واحدة، وذلك لا يعني ان اطفالا يعانون من نفس الحالة المرضية، بل يتشاركون في سمات تعليمية أحياناً.
20
يتكون مبنى المركز من 3 طوابق، و15 غرفة علاج، وهو مقسم إلى 8 غرف علاجية في الدور السفلي، وبقية الغرف موزعة على الطابقين الأرضي والعلوي. ويبلغ عدد الاختصاصيين المعالجين أكثر من 20 في مجالات علاجية عدة: طبيعية ونطق وسلوك وتعليم خاص واستشارة أسرية.
أهداف
تدخل مبكر لفائدة الأطفال ذوي الإعاقة
يقوم المركز على مجموعة أهداف من قبيل تدخل مبكر لفائدة الأطفال من ذوي الإعاقة أو المعرَّضين للإعاقة، وزيادة مكاسب الطفل النمائية والتعلمية، وتطوير قدرات العائلة لتعزيز تطور الطفل، ورفع مستوى المعايير الخاصة بخدمات التدخل المبكر في المجتمع، ورفع مستوى التوعية المجتمعية في مجال ذوي الإعاقة.

كما يوفر مجموعة من الخدمات المتكاملة، يأتي في مقدمتها التقييم؛ حيث يجري الاختصاصيون تقييما شاملا للطفل في جوانب: التواصل واللغة والنطق، والحركة الكبرى (المشي)، والحركة الصغيرة (حركة اليدين في مسك القلم)، والإدراك والتعلم (حل المشكلات، القراءة والكتابة)، والجانب الاجتماعي والسلوكي (فرط الحركة، العدائية)، وجانب العناية بالذات (الأكل، استخدام الحمام، اللباس)، إضافة إلى الخدمات التأهيلية، حيث يقوم الاختصاصيون بتقديم خدمات التدخل المبكّر من خلال جلسات تأهيلية فردية وجماعية وفقاً لخطة التدخل الموضوعة للطفل والأسرة، ويحصل هذا التدخل ضمن بيئة الطفل الطبيعية (المنزل والحضانة، الروضة/المدرسة) وفي مركز دبي لتطوير نمو الطفل.
تواصل
«جروب» عائلي على «واتس أب»
بادر مركز دبي لتطوير نمو الطفل بتخصيص «جروب واتس أب» لذوي الأطفال، بهدف ربط العائلات بعضها البعض، سعياً إلى نقل الخبرات العائلية والتجارب الذاتية وتبادل المعرفة والمعلومات، إذ يأتي ذلك من حرص المركز على تقوية أواصر الترابط والتلاحم بين الأسر، إضافة دعمها بجلسات عائلية استشارية. بالإضافة إلى «جروب» خاص بكل عائلة مع اختصاصيي الطفل، لإبقاء العائلة في تواصل دائم واطلاعها على حالة ابنها أولاً بأول.
تجارب غريبة وقصص نجاح ترويها الأسر
قالت أم عبد الله التي لديها 3 توائم يعانون من التوحد، إن صالح ومحمد ومنصور، ولدوا مبكراً ووضعوا في الحضانة لمدة شهر، وأن لهم شقيقاً أكبر «عبدالله» كان يعاني تأخراً في النطق، لذا بادرت بإدخال التوائم للحضانة في وقت مبكر خوفاً مما حصل لأخيهم، وكان ذلك عندما بلغوا عامين ونصف، وفي الحضانة توزعوا على فصول مختلفة، ورغم ذلك توحدت ملاحظات المدرسات بأن أبناءها يفتقدون للتواصل البصري، ويلعبون بأسلوب مختلف، ويصرخون ويبكون باستمرار، وعند مناداتهم لا يستجيبون.

أضافت: هنا دق ناقوس الخطر لدى الأسرة خصوصاً بعد تحذير الحضانة بالاعتذار عن قبولهم إن استمروا على هذه الحالة، هنا حاولنا توفير مساعد الظل لكل توأم، ولم نستطع توفير 3 مساعدين نظراً للتكاليف المرتفعة، فاضطررنا إلى إخراجهم من الحضانة. وبعد تشاوري مع «بوعبدالله» قررنا التوجه إلى مركز رعاية خاص، لكن وبعد مضي 6 أشهر لم نلحظ اي فرق أو تغير لدى التوائم.
طبيبة نفسية
رغم كل هذه المحاولات؛ لم نعرف بعد ما الذي يعانيه التوائم، تضيف الأم، وقد أجرينا تشخيصا للسمع وتبين أنهم قادرون على السمع، وأن إشارات السمع تصل للمخ، هنا لجئنا الى طبيبة نفسية للأطفال التي لاحظت أنهم يعانون من التوحد، وبعد مشوار طويل تلقينا اتصالا من هيئة تنمية المجتمع في شهر أغسطس من السنة الماضية، أننا على قائمة الانتظار في احتضان الأبناء، لكنهم يرون أن حالة الأولاد تحتاج إلى التدخل السريع، لذا حضروا إلى المنزل لإجراء التقييم الأولي وتم تأكيد التوحد لديهم وهم في سن 4 سنوات، واليوم مضى على وجودهم في المركز 10 أشهر.
واختتمت الأم: لم أرَ يوماً أبنائي الثلاثة بهذه الحيوية والنشاط والتواصل، فأنا ووالدهم لاحظنا كم التطور في شخصياتهم بنسبة تفوق 60 %؛ والحمد لله.

إلى المدرسة
وفي حالة أخرى، أوضح والد الطفل سعيد أن ابنه يعتبر برهاناً جلياً كحالة تؤكد نجاح المركز، خاصة أنه سيتم دمجه في المدرسة هذه الفترة، مشيرا الى أن سعيد يعاني من حالة توحد، وتم التحاقه بالمركز منذ سنة، وتم رصد كثير من التطور على حالته منذ ان انضم للمركز، فقبل انضمامه وبالرغم من التحاقه بمراكز خاصة؛ لم يلاحظوا اي تحسن على حالته، اما اليوم فهو يتحدث ويتواصل بشكل أفضل مع الآخرين.
وتابع أنه تم اكتشاف حالة سعيد بعد بلوغه عامه الثاني، حيث لاحظوا عليه بعض السلوكيات التي تختلف عن الاطفال الآخرين، مثل عدم تكلمه، ولعبه وحده، وعدم اختلاطه بالآخرين. وقال والد سعيد: بكل صدق فوجئنا بالمركز وبما أحدثه من فرق، وهو ما يؤكد أنه يعمل بطريقة احترافية مبنية على أسس علمية وفق أعلى مستويات التطور، سواء في الأدوات أو في المستوى المهني للاختصاصيين، فالمركز ينفرد بخدمات كثيرة نوعية وحصرية.
حالة نادرة
أما والدة محمد الذي يبلغ من العمر 4 سنوات، فبدأت حديثها عن ابنها الذي يعاني من مرض جينات، وهو مرض نادر وتعتبر حالة محمد الأولى في الإمارات، حيث تبلغ نسبة المصابين بشذوذ الجينات 10 آلاف شخص حول العالم. وأضافت: لدى محمد أخ توأم له وهو طبيعي الحمد لله، ففي الأسبوع 35 من الحمل توقف قلب محمد عن العمل، ما أطر الأطباء لإجراء ولادة قيصرية للتوأم. وأذكر أن محمد لم يبكِ عند والدته بل عانى من تشنجات، ما أدى إلى وضعه تحت العناية لمدة 31 يوما، وخلال هذه الفترة لاحظ الأطباء أن سلوكياته تختلف عن اي طفل، وقد خضع لعملية قلب عندما بلغ شهراً و27 يومياً.
تحسن كبير
هنا؛ تقول الأم، بدأنا في متابعة حالته وعرضها لمعرفة مشكلته، وبدأنا العلاج الطبيعي معه في سن مبكرة، خصوصا أنه كان يعاني من عدم قدرته على التنفس بشكل طبيعي ولا حتى الأكل وقلبه توقف أكثر من مرة. أما مهارات النطق فتم التركيز عليها وهو في عمر العامين. وانضم محمد منذ عام تقريباً إلى المركز، وفيه لمسنا تحسناً كبيراً على حالته، خاصة في الاستجابة، فهو لم يكن يستجيب لأي فعل، وكما طرأ تحسن كبير لديه في المشي والنطق والاستيعاب والممارسات المختلفة، وبفضل الله ومركز دبي لتطوير نمو الطفل؛ بدأ ابني يمارس حياته بشكل طبيعي أكثر فأكثر.
