وسط مشاعر من الفخر والاعتزاز، وأبهى صور العزة والسؤدد والإباء، ودّع أهالي مصفوت بعد ظهر أول من أمس شهيدي الوطن والواجب، عبد الله سعيد بن شيخان، وسلطان عبيد سيفان الكعبي، اللذين أكرمهما الله بمنزلة الشهادة، ومرتبة الشرف أثناء قيامهما بواجبهما الديني والوطني في الدفاع عن حقوق وأمن واستقرار الأشقاء اليمنيين.

وبالرغم من أن الحزن أمر ملازم في حالة الموت والفراق، إلا أن ذوي وأهالي وأقارب الشهيدين وأهل المدينة وضواحيها، ضربوا أروع الأمثلة في الصبر، والسلوان، وحولوا عزاءهم إلى عرس للشهادة، وراحوا يتبادلون التهاني والتبريكات على هذه المكرمة من الله، بأن اختار الشهيدين، للموت في أرض المعركة، وشرف بهما أهلهما، وكل مواطن وعربي حر ينشد العزة والكرامة، والعيش بأمن واستقرار.

"البيان" حضرت في بيت العزاء، إن جاز لنا التعبير أن نسميه، حيث يتقبل أهالي الشهيدين التهاني والتبريكات بهذا الشرف الرباني، لا شيء يذكرك بالفقد، ولا يشعرك بالحزن، ولا يحرض دموعك على الانهمار، أو قلبك على الانفطار، فالكل سعيد، ويطفح بالمعنويات العالية، ويشعر بالفخر والاعتزاز على نيل الفقيدين شرف الشهادة والموت في يوم مبارك عند الله عز وجل، وفي ميدان العزة والكرامة، والدفاع عن الدين، والعروبة، والإنسانية، واستعادة الشرعية، والأمن والاستقرار للأشقاء في اليمن.

وما يبعث على الفخر والاعتزاز أكثر، ويواسي النفس، ويشد أزر الصبر فيها، هو أن الشهيدين، من أسرتين، الكل فيهما يخدم في القوات المسلحة، ومنخرط في الدفاع عن الوطن، حيث إن والد الشهيد عبد الله متقاعد من القوات المسلحة، وإخوانه على رأس عملهم فيها، إضافة إلى ابنيّ الشهيد سلطان يخدمان أيضاً في القوات المسلحة، وهو أمر إن دل فإنما يدل على حب هاتين الأسرتين، وغيرهما الكثير من الأسر الإماراتية للوطن، والدفاع عنه، وتقديم الغالي والنفيس من أجل رفعته، وأمنه، واستقراره، حتى لو كانت الدماء والأرواح ثمناً لذلك.

سيرة عطرة

وبالاقتراب من السيرة العطرة للشهيدين، نجد الشهيد عبد الله، توفاه الله عن عمر ناهز 25 عاماً، وهو خاطب، وكان يعد نفسه للزواج في العام المقبل، لكنه اختار المشاركة في عرس الشهادة، والانضمام إلى كوكبة الشهداء التي زفت إلى بارئها في يوم فرح الجميع فيه بهذه الشهادة، والمنزلة التي اختارها الله لهم.

ويقول والده وهو يباهي بنفسه الحاضرين على شرف نيل ابنه الشهادة: "لقد شرفنا عبد الله بشهادته، ورفع رؤوسنا عالياً، وزادنا فخراً وتبجيلاً، حتى أنني تمنيت أن أكون بدلاً عنه في الموت فداءً للوطن، ولأنال شرف الشهادة في معركة الدفاع عن عزة وكرامة الأمة العربية، وشعب الإمارات، ومساعدة الأشقاء اليمنيين في استعادة شرعيتهم، وأمنهم واستقرارهم، علماً أن الشهيد شارك في غير مرة مع القوات المسلحة في البحرين والصومال، والتحق بدورات عسكرية متخصصة، حظي فيها بالمركز الأول بين المشاركين".

وأضاف والده: "كل أبنائي فداء للوطن، وهم رهن إشارة قيادته الحكيمة، وجاهزون لتلبية نداء العزة والكرامة، وتقديم الحماية لكل من ينشدها في أي من بلداننا العربية والإسلامية، وهذا جزء بسيط مما تقدمه الدولة لأبنائها، وذلك واجب علينا، وأمر لا يحتمل التفكير".

ويشير والد الشهيد عبد الله إلى أن ابنه كان يداوم على الاتصال بهم من ساحة القتال في اليمن، وكانت معنوياته مرتفعة جداً، ويشعر بالفرح والسعادة لأنه يشارك بقية إخوانه الدفاع عن حقوق اليمنيين في العيش بحرية وكرامة تحت ظل قيادة شرعية، مؤكداً أنه استقبل وبقية أفراد أسرته خبر الشهادة بقليل من الحزن، وكثير من الصبر، والاحتساب، والمعنويات العالية.

كما وجه رسالة إلى أهالي وأسر بقية الشهداء، حثهم فيها على الصبر، واحتساب الأجر والثواب عند الله، وذكرهم بفضل الشهيد على أهله، ودعاهم للفرح والاعتزاز وعدم الحزن.

مشاركة مشرفة

ويقول هلال شيخان عم الشهيد: "مشاركة ابننا الشهيد مع القوات الإماراتية في اليمن مشرفة لنا جميعاً، وفخورون بها، ونحن سعيدون بشهادته في أرض القتال، وكلنا أمل أن يختارنا الله لنيل الشهادة".

ووجه عم الشهيد كلمة إلى القيادة الرشيدة في الدولة قال فيها: "هذه كلمة منا جميعاً نحن أسرة الفقيد، نوجهها إلى قيادتنا الرشيدة بأننا فدوى للإمارات بأرواحنا، وأبنائنا، ولن نتخلف عن الصفوف الأولى في القتال ضد الظلم والعدوان وكل من تسول لهم أنفسهم العبث في أمن واستقرار البلاد وكل البلاد العربية والإسلامية".

عسكري بامتياز

أما سالم عبيد الكعبي، الأخ الأكبر للشهيد سلطان، فأشار إلى أن الشهيد توفاه الله عن عمر ناهز الـ45 عاماً، وكان متزوجاً، وله من الأبناء 8، أربعة ذكور، منهم اثنان يخدمان في القوات المسلحة، وأربع بنات/ موضحاً أن آخر مرة اجتمع الشهيد بأهله وأسرته كانت قبل توجهه إلى اليمن بنحو أسبوع، وأن معنوياته كانت عالية، وكان فرحاً باختياره لهذا الشرف.

وأكد سالم أن أخاه كان رجلاً عسكرياً بامتياز، يهوى الانخراط في العمل العسكري، ويهب حياته له، ويحب خدمة الوطن، وتلبية ندائه، وكان دائم التمني للشهادة في الدفاع عنه، مشيراً إلى أنه شارك أكثر من مرة في مهمات عسكرية مع القوات الإماراتية خارج الدولة. وبكلمات معجونة بالعزة والكرامة والشهامة قال عن استشهاد أخيه: "صحيح أن سلطان استشهد، وغاب عنا بجسده، لكن هناك ألف سلطان جاهزون للدفاع عن تراب الوطن وكرامة وعدالة الأمة. وأكد أن مشاركة دولة الإمارات مع القوات العربية والخليجية في محاربة الظلم نهج خطه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه.

وقال: "نحن جاهزون لتلبية نداء القيادة في المشاركة في أي قوة دولية للدفاع عن الأخوة العرب، وحريتهم، وعدالة قضيتهم، ولله الحمد أن شملنا الله بشرف الشهادة، بعد أن اختار لها سلطاناً، وصحيح أن دولتنا الغالية نكست الأعلام في استشهاد أبنائها البواسل لكنها في المقابل رفعت الرؤوس عالياً لتباهي بقية الدول بأبنائها".

أما خليفة الابن الأكبر للشهيد سلطان، فعبر عن فخره بنهاية والده شهيداً في معركة الدفاع عن شرف وكرامة وحرية الشرفاء في اليمن الشقيق، وفي كل البلدان العربية والمسلمة.

أمنية الشهادة

شيخان الأخ الأكبر للشهيد عبد الله، أكد أن العائلة كانت تتمنى الشهادة له، وكانت تدعو الله أن لا يتوفاه إلا وهو في ساحة القتال، مبيناً أن الشهادة كانت عزاءهم في مواجهة الحزن وألم الفراق، في وقت ذكر فيه أن أحد أصدقاء الشهيد الذي يخدم معه، أخبرهم أن عبد الله قد قال له إنه سيموت شهيداً. وقال: "الحمد لله الشهادة مشرفة لنا، ونحن فخورون بهذا الشرف والمنزلة، وأنا وبقية أشقائي نفتخر بأننا نخدم في القوات المسلحة، والدفاع عن وطننا، وعن حرية وكرامة بقية الدول العربية والإسلامية، فخدمة الوطن واجبة علينا، وله علينا أن نرد الجميل له حتى لو بأرواحنا ودمائنا".