عبر الكاتب الفرنسي فقير كورشان عن إعجابه بالتسامح الديني، الذي تشهده دولة الإمارات في ظل تواجد الملايين من الوافدين، الذين يشاركون في بناء اقتصاد البلاد، وينتمون إلى دول وديانات متعددة.
وقال الكاتب، الذي زار الإمارات بدعوة من المجلس الوطني للإعلام والتقى عدداً من المسؤولين فيها واطلع بنفسه على النهضة الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها الدولة خلال أكثر من 40 عاماً من عمرها: إن دولة الإمارات استطاعت خلال فترة قصيرة من عمرها أن توائم بين الحداثة وقيمها التقليدية خصوصاً الإسلام وتمزج بين مبدأين في الحياة الاجتماعية هما تقاليد الضيافة العربية والالتزام بالدين الإسلامي الذي وصفه أحد المسؤولين الإماراتيين، الذين التقاهم بأنه الحكمة بعينها.
وأوضح الكاتب في مقال كتبه في مجلة «لي كاييه دو لسلام» أي «دفاتر الإسلام» وهي مجلة متخصصة في كتابة الدراسات عن الإسلام والعالم الإسلامي، أن أبوظبي العاصمة ودبي شدتا الأنظار إليهما باعتبارهما وجهات قوية في جال الأعمال ومن أجل تشكيل الدولة اعتمدت الإمارات على عنصرين قويين من عناصر الهوية وهما: تقاليد الضيافة التي تميز القبائل العربية والدين الإسلامي.
توفير الكفاءات
وذكر أنه لتلبية الحاجات الضخمة على مستوى البنى التحتية ولتوفير الكفاءات ووضع اللبنات الأساسية لكل الخدمات الضرورية للسير الفعال نحو التقدم عمدت الإمارات العربية المتحدة إلى جلب عدد كبير من الوافدين القادمين من دول متعددة، للمشاركه في نهضة اقتصادها، غير أن التقاليد العربية ترخي بظلالها في هذا البلد ذلك أن كلمة «المهاجر» نادراً ما تستعمل فكل الشخصيات المؤثرة التي التقاها في أبوظبي عاصمة الإمارات من وزراء إلى مستشاري الدولة لا يستعملون كلمة مهاجر أبداً تحت تأثير تقاليد الضيافة، فهم يحبذون استعمال كلمة «الضيوف» لما للضيوف من احترام كبير، ولذلك يتم احترام اختلاف ثقافات وتنوع الوافدين لإبراز تسامح الدولة الديني مع اتباع الديانات الأخرى.
تسامح
وقال، إنه مع أن عدداً من الوافدين يعتنقون الدين الإسلامي بمذاهبه المتعددة فإن الكثير منهم يعتنقون ديانات أخرى مثل المسيحية أو ديانات يدين بها الكثير من الهنود مثل الهندوسية أو السيخية وتتوفر لكل هؤلاء أماكن للعبادة في المدن الإماراتية، الشيء الذي ينطبق أيضاً على الديانة المسيحية.
واستند الكاتب الفرنسي في مقاله إلى مقابلة مع معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع فقال: من حق القادمين من بلدان بعيدة للعمل هنا أن يحظوا بالحماية وأن يحظوا بحق ممارسة أديانهم بكل حرية»، كما أن دولة الإمارات توفر مكاناً للتعايش للجميع ومن كل المستويات.
حداثة
ونسب الكاتب إلى آندرو ثومسون الراعي الأنجليكاني البريطاني بكنيسة القديس آندرو بالعاصمة أبوظبي مؤلف كتاب المسيحية في الإمارات أن هناك في الإمارات نحو ثلاثة ملايين شخص جاءوا من شبه القارة الهندية ومليون شخص من بلدان عربية أخرى مثل لبنان وسوريا والمغرب وتونس، ومليوني شخص من باقي بلدان العالم خصوصاً الفلبين وباقي آسيا والبلدان الغربية وكل هؤلاء يجدون ترحيباً ورعاية في هذا البلد، فقد قام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، شخصياً باعتباره المؤسس والرئيس الأول للبلاد بتشييد كنيسة في أبوظبي.
واليوم توجد العشرات من الكنائس في أبوظبي- كاثوليكية وأنغليكية وإنجيلية وأورتدوكسية- حيث تم تدشين آخرها وهي مركز القديس بول الكاثوليكي في يونيو الماضي في منطقة مصفح في الجنوب الغربي من أبوظبي.
أما حول الالتزام الديني في دولة الإمارات فقال الكاتب الفرنسي: إن القانون المحلي يعد مزيجاً من القانون الإسلامي والشريعة الإسلامية وهو تشريع حديث والدين الإسلامي يتميز بالحكمة وبالتأثير الذي يوليه للتقاليد المدنية والمحلية باعتبارها مصدراً للتشريع.
انفتاح
ورأى الكاتب أن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تجد صعوبة في الانفتاح على التنوع الديني والثقافي وفي ظل التطورات والظروف، التي تعيشها المنطقة من حروب في سوريا والعراق واليمن فإن الإمارات لم تغير نهجها في الانفتاح والالتزام بالتقاليد وتعمل الدولة بوصية مؤسس الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للذين تعاقبوا على الحكم «وجهوا كل عنايتكم للتعليم فالتعليم والمعرفة يشكلان الدعامتين الوحيدتين القادرتين على حماية البلاد من التطرف».
ولبلوغ هذا الهدف وقعت الدولة شراكة أكاديمية مع المغرب، وتم افتتاح فرع لجامعة محمد الخامس بالرباط في أبوظبي، حيث يتم تكوين الأطر الدينية الإماراتية وأثناء توقيع اتفاقية إنشاء هذا الفرع عام 2010 أكد رئيس الجامعة المغربية آنذاك أن الاتفاقية هي فعل في غاية الأهمية يهدف إلى تعزيز الروابط الثنائية وتبادل التجارب خصوصاً في ما يهم التكوين الجامعي.
ويضيف الكاتب الفرنسي أن التعليم ليس السلاح الوحيد الذي اعتمدته الدولة من أجل التصدي للتطرف فحسب، ففي سنة 2014 تم سن قانون جديد يهدف إلى محاربة الإرهاب وأقرب مثال على ذلك تنفيذ حكم الإعدام في المرأة التي أطلق عليها «شبح الريم» لقيامها بقتل مدرسة أميركية تعيش في أبوظبي، ما اعتبرته الدولة خطراً يهدد أمن واستقرار المجتمع الإماراتي.
دعامات قوية
قال الكاتب في ختام مقاله، إن الضيافة والانفتاح والتقاليد الإسلامية تشكل الدعامات القوية التي أقامت دولة الإمارات مجتمعها عليها في ظل مناخ متوتر، بسبب الحروب التي تهز المنطقة وبسبب الدعاية التكفيرية المنتشرة في أماكن عدة من العالم، وتشكل الإمارات بذلك مرفأ للازدهار، ونموذجاً مجتمعياً حديثاً ،يحافظ في الوقت ذاته على تراثه الإسلامي الراسخ.