استضاف مجلس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بقصر البطين بأبوظبي أمس، محاضرة بعنوان «المناطق الزرقاء وأسرار طول العمر المفعم بالصحة» للمحاضر دان بويتنر، مكتشف المناطق الخمس في العالم، أو ما يسمى بالمناطق الزرقاء التي يعيش فيها أطول البشر عمراً وأكثرهم صحة وسعادة، وذلك في إطار برنامج المحاضرات والأمسيات الفكرية الرمضانية التي ينظمها مجلس سمو ولي عهد أبوظبي.
وشهد المحاضرة سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وسمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وعدد من الشيوخ وكبار المسؤولين وسفراء الدول العربية والأجنبية المعتمدين لدى الدولة.
محاور
وتناول المحاضر البحث الذي موّلته ناشيونال جيوغرافيك حول المناطق الزرقاء الخمس، والعمر المديد وأوهامه، وحكايات من العالم «أوكيناوا باليابان وسردينا بإيطاليا وإيكاريا باليونان»، مستعرضاً الخصائص المشتركة لثقافات المناطق الزرقاء، وإلهام وتحدي الحضور حول ما يمكنهم تحقيقه لانقسهم ولعائلاتهم ولدوائرهم والاجتماعية من أجل زيادة مستوى الصحة والسعادة.
وأكد أن الإمارات يتوافر بها الكثير من العادات التي يمكن أن تسهم في تحقيق طول العمر وصحة أفضل لأبنائها، داعياً إياهم إلى التفكير بالطريقة التي كان يعيش بها الأجداد والاستفادة من تجاربهم وعدم نسيان أصولهم، والاعتماد على تناول الطعام كما كانوا يفعلون، مثل اللبن والتمر والأسماك التي أدت إلى تمتعهم بالصحة وقلة تعرضهم للإصابة بالأمراض الخطرة والمزمنة والسمنة المفرطة التي يعانيها الجيل الحالي، مشدداً على ضرورة ممارسة الرياضة والبعد عن استخدامات التكنولوجيا الحديثة بقدر الإمكان والعودة إلى حياة العائلة واكتساب الأصدقاء.
مكافحة الأمراض
وأكد أن البيئة في أبوظبي مواتية للحد من الأمراض غير المعدية باتباع السلوكيات الغذائية والصحية، وأن 65% من إجمالي الوفيات في العالم بسبب الأمراض غير المعدية، وأن مكافحة الأمراض والقضاء عليها يساعدان على الوصول بمتوسط العمر إلى 92 سنة، مشيراً إلى ضرورة تغيير النظام الغذائي والسكن والإقلال من الاعتماد على مطاعم الوجبات السريعة، وأن نعيش في منطقة يوجد فيها عدد أقل من هذه المطاعم. ودعا المحاضر الناس إلى الابتعاد عن التكنولوجيا وترك الحواسيب جانباً فترة من الزمن ننظر كيف عاش الأجداد.
المناطق الزرقاء
وأضاف أنه لمعرفة السبيل إلى العمر المديد المفعم بالصحة، فإنه درس وفريق عمله ما يسمى بـ«المناطق الزرقاء»، وتعني المجتمعات التي يعيش المسنون فيها 10 إلى 12 عاماً زيادة عن باقي المجتمعات، مع تمتعهم بالصحة والنشاط، وبأقل قدر ممكن من الأمراض المزمنة، مشيراً إلى أن فريق البعثة الاستكشافية زار مجتمعات المناطق الزرقاء للتعرف إلى الأسباب الكامنة وراء تمتع أفرادها بحياة أطول.
وقال إنه تم اكتشاف خمس مناطق في العالم يتمتع أفرادها بالعمر المديد المفعم بالصحة هي: «أوكيناوا في اليابان، وإيكاريا في اليونان، وسردينيا، وشبه جزيرة «نيكويا» في كوستاريكا ومدينة «لوما ليندا» في كاليفورنيا، ولا سيما طائفة «السبتيين» البروتستانتية في لوما ليندا.
خصائص الشعوب
وأضاف بويتنر أنه وجد دائماً الخصائص نفسها بين شعوب العالم التي تعيش حياة أطول، والتي أطلق عليها «خصائص القوة التسع» وأن هذه الخصائص المشتركة هي الحركة بصورة طبيعية، فالناس في هذه المناطق الزرقاء لا يركضون ماراثونات ولا يمارسون اليوغا «الحارّة»، بل يتحركون بصورة طبيعية طوال اليوم، مثل المشي والعناية بالحديقة وتقطيع الأخشاب، كما أنهم يستيقظون من النوم وهم يعرفون هدفهم، ويمكنهم أن يلخصوه لنا في عبارة واضحة تعبّر عن رسالتهم الشخصية في الحياة.
وأضاف أنه في كل يوم يلقون بالتوتر جانباً ويعيشون حياة بسيطة، وذلك من خلال التأمل أو أخذ قيلولة أو التنزه في الطبيعة، كما يحرص معمرو هذه المناطق على تناول الطعام بحكمة، فهم يأكلون كميات قليلة ولا يتناولون الأغذية المعالجة، وبشكل أساسي يتوقفون عن الطعام عندما يشعرون بالشبع بنسبة 80% تقريباً.
وأوضح أن معظم الأطعمة التي يتناولونها أطعمة نباتية مثل الخضراوات والحبوب والفاكهة، ولكنهم ليسوا نباتيين تماماً، فهم يتناولون اللحوم 3 مرات في الشهر غالباً ما تكون خلال العطل والاحتفالات، ولديهم حسّ بالانتماء، فهم يقضون وقتاً أطول مع من يحبون، ولكن ليس على فيسبوك أو تويتر أو عبر الرسائل النصية القصيرة بل وجهاً لوجه، كما يتمتعون بإيمان قوي ويمارسون شعائرهم الدينية.
وأشار إلى أن جميع المعمرين في هذه المناطق باستثناء قلة قليلة ينتمون إلى فئة اجتماعية مؤمنة، كما يولي هؤلاء المعمرون أهمية كبيرة للعائلة والأحباء أيضاً، ويبقون قريبين من أبويهم المسنين، ويعيشون علاقات زواج صحية غير متعددة، ويحرصون على تنشئة أطفالهم ورعايتهم، ويقضون وقتاً أطول مع أسرهم وأصدقائهم المقربين، ولا سيما الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة، مشيراً إلى أن كل ذلك أكسبهم الصحة ومنحهم عمراً مديداً، هم وجميع أفراد أسرهم.
وقال دان بويتنر إن الدراسات التي قام بها وفريق العمل معه أظهرت أن معظم الناس يقضون 80% من حياتهم ضمن مساحة 20 ميلاً من منازلهم، لذا يركز برنامجنا على هذه البيئة القريبة.
وأضاف أنه عندما يغيّر المجتمع سياساته لتصبح أكثر تركيزاً على الصحة، فهو يخلق تأثيراً مهماً طويل الأمد على المجتمع، وبرغم أن إحراز تقدم في تغيير السياسات قد يستغرق زمناً طويلاً أحياناً، فإنه من أقل الإجراءات تكلفة، مشيراً إلى ضرورة الاهتمام بالبيئة العمرانية، وإنشاء طرق وحدائق ومماشٍ تسهّل على الناس المشي داخل المدينة التي تعود بالأثر الإيجابي على صحتهم.
وذكر المحاضر أن الدراسات الدنماركية حول التوائم توصلت إلى أن نحو 80% من أسباب العمر المديد يعتمد على نمط العيش والبيئة، و20% يعود إلى أسباب جينية وتوافر الرعاية الصحية الأساسية.
البدو أطول عمراً
وقال إنه عمل مع مجموعة من العلماء في أبحاث ودراسات، فوجد أن طول العمر يكون للبدو الرحل في الهضب والسهول ورعي الغنم الذين يتمتعون بنشاط جسماني، ويسيرون مسافة 5 كيلومترات يومياً، ويتناولون الطعام من الحبوب الكاملة، مثل القمح وطعام يتحمل طول الرحلات التي يقطعونها، يتكون من مواد منخفضة الدسم، وتناول لحوم الحيوانات التي تتغذى على العشب، ويأكلون اللحوم في بعض المناسبات فقط، وكان يغلب على طعامهم النباتات وتناول الخبر بدون خميرة ولا يوجد لديهم مرضى سكري.
أشخاص تجاوزوا مئة عام
وأشار إلى أنه يوجد أشخاص في المناطق الزرقاء تتجاوز أعمارهم المئة عام، ولديهم توقع لطول العمر بدون إعاقة، وعدم التعرض للأمراض المزمنة، مثل السمنة والسكر والسرطان، ويموتون بسرعة بدون إعاقة، مشيراً إلى أن 95% من الإنفاق يكون عادة على الصحة، ولكن في المناطق الزرقاء يعيشون أكثر، ويتركون أموالاً أكثر لأطفالهم، لأنهم لا ينفقون كثيراً على معاجلة الأمراض، ولديهم أدنى معدلات أمراض القلب.
وأوضح أن سكان أوكيناوا القريبة من شرق آسيا، سكانهم يأكلون الخضراوات، ولديهم 25 نوعاً من العادات التي تمنعهم من الإفراط في تناول الطعام بشراهة، ويعملون بمقولة: «إنه يجب أن تتوقف عندما تصل إلى نسبة إشباع 85%».
منطقة مختلفة
وأشار إلى أن منطقة «لوما ليندا» في كاليفورنيا مكان غريب وغير عادي، وهي منطقة زرقاء مختلفة عن المناطق الأخرى، حيث إن توقع طول الحياة للنساء فيها يصل إلى 89 سنة، بينما في المناطق الأميركية الأخرى، يصل إلى 80 سنة، والرجال يعيشون أكثر بعشر سنوات عن باقي سكان الولايات المتحدة الأميركية، ومعدلات الإصابة بالسكر والسرطان أقل، وذلك بسبب الاحتفال بالأعياد الدينية والامتناع عن العمل من الجمعة إلى الأحد أسبوعياً، ويصومون، ولديهم الوجبات الخاصة التي يتناولونها مع أصدقائهم في الطبيعة، ويقومون بنشاط جسماني، ويتناولون الطعام ويصومون كما في التوراة مثل القرآن الكريم.
وقال دان بويتنر إن البحث عن المناطق الزرقاء ليس مهمة سهلة وتحتاج إلى التمويل ومتابعة المواليد وهجرتهم وعملهم، مشيراً إلى أنه كي تحقق أبحاثه ثمارها تعاون مع الكثير من الشركات للبحث عن هذه المناطق، وأنه عندما تابع طول العمر في منطقة كوستاريكا وجد أن عمر الإنسان هناك يمكن أن يصل إلى 92 عاماً بدون إصابة بالسكر والأمراض المزمنة.
وأضاف أن المنطقة الزرقاء في إيكاريا القريبة من اليونان مساحتها 99 كليومتراً، واتبع سكانها قبل ألف سنة أسلوب حياة معيناً، ويوجد لديهم أعلى معدلات العمر، ولا يعانون مرض الخرف، حيث إنه إذا وصل الإنسان إلى عمر 85 عاماً، فإن هناك 15% منهم يعانون الخرف، ولكن في هذه المنطقة 600 شخص في هذا العمر، ويعاني 2% فقط منهم هذا المرض، ونظام الحياة هناك يعتمد على تناول البقوليات وخاصة الفاصوليا.
نظام غذائي مختلف
وذكر أنهم يتبعون أسلوباً غذائياً مختلفاً عن العالم، ويركزون على 3 أنواع من الأعشاب الخضراء التي تعالج جميع الالتهابات ومدرة للبول، والتي أسهمت في تعزيز حياة السكان.
اختيار مسمى الزرقاء
قال المحاضر إنه اختار مسمى المناطق الزرقاء على المناطق التي يتمتع سكانها بطول العمر والصحة، لأنه في أول منطقة تم اكتشافها في سردينا كانوا يستخدمون اللون الأزرق في التحليل، لذلك تم اختياره، ولكن هناك مناطق حمراء في أنجولا، مثلاً يعيش سكانها حياة صهبة، ومتوسط عمر الإنسان هناك 55 سنة.

